ماذا حدث في جزر تامايا" – سيرة اغترابية بحبكة بوليسية _ لأملي نصرالله
رواية "ما حدث في جزر تامايا" لأملي نصرالله، الصادرة حديثا لدى "دار نوفل"، تحكي حكاية الدول في هذا العصر، صغيرة أو كبيرة، قريبة أو نائية، جزيرة في بحر أو ضمن قارة، فهي كلها عرضة لحوادث يتسبب بها طمع الدول أو الاشخاص. ولا يختلف ما حدث في جزر تامايا عما حدث في لبنان الاّ في الحجم والمدة.
قد ترمز جزر تامايا ومعاناة اللبنانيين فيها الى واقعهم في أي دولة افريقية أو في اميركا اللاتينية أو في أي مكان يتعرضون فيه للدسائس والمؤامرات، محلية أو دولية، كأن حالهم حال "المستجير من الرمضاء بالنار"، لكن تبقى النار اللبنانية الأشد إحراقاً.
تدخل الى الرواية من باب الاغتراب الذي هو ميزة أهل قرية جورة السنديان ومحيطها، وميزة لبنانية عامة، وصلب روايات نصرالله، من "طيور أيلول" الى "الإقلاع عكس الزمن" و"الجمر الغافي"، وهذا يفتح أفق الرواية على عوالم متعددة تتشعب أغصانها لتحمل تجارب شعوب مختلفة، وإن كانت متجذرة في قرية حيث الاصول والعادات والتقاليد. وللاغتراب همومه، كما يجسدها المغتربون في نجاحهم أو فشلهم، في حلهم وترحالهم، كما للمقيمين هموم تعشش في ثنايا الأدمغة وطيات العواطف. وله أخباره التي يتناقلها أبناء جورة السنديان نتفاً، بلا إسناد، وإن يكن "لا دخان بلا نار"، لأن أحداً من الرواة لم يتوصل الى وضع أصبعه على الحقيقة. هكذا اعتُبرت تلك الروايات من الأخبار المضخَّمة "بسبب بعد موقع حدوثها وعدم توافر الأدلة المقنعة"، فجاءت الرواية بالخبر الصحيح قاطعة الشك باليقين، ان ما تساقط من أخبار هي أقل شأناً من الواقع.
ثمة بَون شاسع بين ما يعتقده المقيمون ويرجونه عن واقع العلاقات العائلية في الغربة وبين ما هي عليه حقيقة، فيجهلون أو يتجاهلون انها نسخة عن علاقات الضيعة بما فيها من صدق وكذب ومراوغة واحتيال. هي نموذج أكثر فظاظة وصراحة أحياناً، لكنها لا تختلف. ثمة اسئلة سأوردها تشكّل الاجابة عنها سياق السرد في الرواية، وتلقي الضوء على حوادثها، أواقعية أم خيالية، وتربط حركة الوقائع بأسرارها: ما سرّ رسالة "جلالة الملكة اليزابيت الثانية" الى يوسف بو مراد؟ وما السر الذي انكشف أمامه وأمام ابن عمه مخايل بو مراد في جزر تامايا؟ لماذا عاد مخايل بو مراد فجأة الى قريته برفقة شاب ذي جذور افريقية؟ لماذا لحق به ابن عمه يوسف بعد اسبوعين؟ لماذا خطف يوسف؟ ومَن خطفه؟ إلام انتهى مصير عمهما ابرهيم بو مراد امبراطور جزر تامايا؟ ما هو دور سعد صهر إبرهيم في سقوط الامبراطورية؟ كيف ترابطت الحوادث التي تعرَّض لها مخايل ويوسف وكادت تودي بحياتهما غير مرة، بالحوادث التي حصلت في الجزيرة وأدت الى انهيار ابرهيم بو مراد ووفاته؟ ما دور دفتر "القبطان التائه" في حركة الرواية وسياق السرد فيها، وحل عقد الحبكات التي انعقدت خلال حركة الشخصيات؟
تُدخلنا الكاتبة متاهة الحكايات والأسرار وتزداد العقد كلما انْسقنا مع السرد فتنفتح عقدة على عقدة وتنشبك حبكة على حبكة، بما يشبه اللعبة الروسية باندورا. وتذكّرنا يوميات القبطان التائه عبدالله صالح بقصص القراصنة الذين يجوبون البحار والمحيطات لاقتناص الناس والفرص، ثم يتركون خريطة مرسومة بالطلاسم تشير الى مكان تخبئة الكنز، حتى تصير هذه اليوميات مبعث طمأنينة وراحة يعود اليها مخايل كلما اضطربت الأحوال وتشابكت القضايا وواجه صعاباً وإرباكات، فيجد فيها إجابات عن أسئلة تدور في ذهنه أو حوادث تحصل، فكأنها فانوس علاء الدين السحري يقرأ فيه مخايل طالعه ضمن أسرار جزر تامايا وأخبارها.
تحرك الرواية فينا منذ بدايتها الرغبة والشوق، وخصوصاً أن الأوراق تتداخل بدفاتر الذكريات بالشخصيات المجهولة التي تعود الى الحياة عبر المذكرات. ويجيء المزج بين السرد الروائي للشخصيتين الرئيسيتين والسرد في يوميات "القبطان التائه" محاولة لمطابقة صورتين وحالتين وافتراض الفوارق بينهما.
ولولا التخطيط لمؤامرات تُحاك على كل الصعد، صغيرة الشأن أو كبيرة، ولولا الدسائس التي يحركها الحقد والحسد، ولولا الأسرار التي تبنى على المعاصي والخطايا، ولولا العواطف وعلاقات الحب والغيرة، لما تكونت الروايات، وبهذه مجتمعة ينطلق السرد في الرواية محبوكاً جيداً وشيقاً.
لم يعد الأدب وخصوصاً الروائي منه يستلزم الرفعة والتكلف والتصنع في استخدام المفردات والعبارات كي يكون رفيعاً متثاقلاً، بل يجب أن ينساق في مجرى الحياة والبيئة التي يعيش فيها فيعبّر بلغتها وأسلوبها ويتقن أحاسيسها ويتفاعل مع مضامينها كي يعكس صورة حقيقية وليست زائفة، وليس أفضل من "اللغة الأصلية" أي البلدية - المحكية تعطي النص الروائي بعده الواقعي. وتتميز نصرالله في استخدام الامثال والتعابير الشعبية المعبّرة عن واقع الحال أكثر من الكلام الفصيح المنمق، لأنها تخرج من الأذهان عفو الخاطر، مثلاً "فهو يكذب مثلما يتنفس"، "يمسك برأس الشموط"، "ينام على يده"، "غلطة الشاطر بألف".
انها لغة أهل جورة السنديان التي كانت استخدمتها بإفراط في رواية "الإقلاع عكس الزمن". وتضمّن نصرالله الرواية نكتة من هنا، "وقفشة" من هناك ولمحة ضاحكة، تفرض طيف ابتسامة على شفتيك في لحظة المأساة التي يتدحرج فيها أسلوب الهمّ والغمّ الذي يطمر الشخصيتين الرئيسيتين تحديداً، وخصوصاً ان الكاتبة تنحو نحو الأسلوب البوليسي للمرة الأولى في كتابتها، فتُكثر من الألغاز وعمليات القتل والخطف والمكائد والثورات. أما الحوار فيضفي صيغة مسرحية على الرواية ويضيء على حال الشخصيتين الرئيسيتين مخايل ويوسف بو مراد معبراً عن أحاسيسهما ومحللاً سلوكهما وتصرفهما، ومظهرهما ضحيتين لأنهما الأضعف، وغالباً ما تكون النتيجة وبالاً على الضعفاء.