حماس لتحرير الحكومة أم لتحرير فلسطين ؟
د. أحمد الخميسي *
أصبح الوضع الفلسطيني الداخلي مثارَ قلق شديد بكل ما ينطوي عليه من مخاطر الانزلاق لحرب أهلية. وقد تصاعدت نُذُرُ هذه الحرب بعد تصريحات محمد دحلان، العضو القيادي في فتح، حين قال عن حركة حماس إنها : "عصابة، وفئة ضالة"، وأن فتح: "ستردُّ الصَّاع صاعين إذا اعْتُدي على عضو واحد من فتح "وكان ذلك خلال احتفال شعبي بالذكرى الثانية والأربعين لتأسيس فتح، ولم يتأخر رد الأجنحة العسكرية لحماس وغيرها، وتضمَّن بيانٌ لها أنها ستضرب: "بيد من حديد على رؤوس الفتنة". وهكذا تصاعدت المواجهة بين فتح وحماس إلي درجة خطيرة، بعد شهر كامل حافل بالتراشق الإعلامي، والصِّدام الذي سقط فيه عدد كبير من القتلى والجرحى، والمسيرات التي نظَّمها كل جانب، وتبادل إطلاق الحجارة، وتعبئة وشحن الفصائل، وعمليات اختطاف المسؤولين، انتهاء بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء إسماعيل هنية.
وتترك هذه الصورة العامة انطباعاً واحداً بأن الوضع الداخلي أصبح مُعدَّا بالكامل لحرب الأهلية لم يبق لاشتعالها سوى إشارة البدء. خاصة أن اللقاء الذي عقد في دمشق في 22 يناير الحالي بين عباس وخالد مشعل لم يسفر عن نتائج محدَّدة سوى التمسُّك بالحوار، دون نزع لفتيل الأزمة الحقيقي.
ويعلم الجميع أن الخلاف بين فتح وحماس خلاف سياسي يتصل بمنهج فتح الذي ارتضى التسوية السلمية وبين رفض حماس لذلك المنهج على الأقل بشعاراتها. وبفضل تمسك حماس برفضها لاتفاقيات أوسلو، وغيرها، فازت الحركة في أواخر يناير العام الماضي في الانتخابات وشكلت حكومتها في 19 فبراير. وقد شهدت كل القوى الدولية بنزاهة الانتخابات. ومع ذلك صرَّح الرئيس بوش في 30 مارس العام الماضي خلال خطاب له أمام مؤسسة بيت الحرية بقوله: "إن واشنطن تدعم الديمقراطية وإجراء الانتخابات لكن هذا لا يعني أنه يتعين عليها دعم الحكومات المنتخبة نتيجة الديمقراطية"! وهكذا بدأت أوسع عملية حصار سياسي واقتصادي ومعنوي دولي لحكومة حماس بهدف تلقين الشعب الفلسطيني أن انتخاب حكومة ترفض طريق التسوية سيؤدي به إلي الموت جوعاً. وأدى وصول حماس للحكم إلى اشتداد الصراع مع جناح الرئيس الفلسطيني عباس، الذي يقر بحق إسرائيل في الوجود ويقبل بالتنازل عن معظم أراضي فلسطين، مقابل دُويلة فلسطينية ملحقة بالكيان الصهيوني، منزوعة السيادة، وتفتقد القدرة على البقاء المستقل. هذا بينما بدأت حماس حركتها عام 1987 واستمرت بها تحت شعار رئيسي هو رفض الوجود الإسرائيلي وكل اتفاقيات التسوية. وبداهة فإن التعايش بين خطَّين سياسيَّين متناقضَين تماماً كان، ومازال، أمراً صعباً، خاصة في ظل حصار دولي وضع حكومة حماس في موضع العاجز عن توفير الرواتب والخبز والأمن والرد على عمليات الضرب الإسرائيلية. وهكذا أخذت العلاقة تتدهور بين فتح وحماس إلى أن وصلت مؤخراً لحد الاقتتال، والاشتباك العسكري، منذرةً بفتح أبواب حرب أهلية واسعة. وخلال عام كامل من وجود حكومة إسماعيل هنية كافحت حماس بضراوة ومعها فصائلها العسكرية من أجل استمرار حكومتها المنتخبة في السلطة. لكن إلى متى يمكن أو يجوز لحماس أن تواصل ذلك الكفاح ؟ هل كان كفاح حماس أصلا من أجل حكومة؟ أم من أجل تحرير فلسطين؟ . فإذا كان التشبث بالحكومة سيعرض الشعب الفلسطيني لحرب أهلية، فهل يجوز لحماس أن تتمسك بها؟ وبعبارة أخرى: ما هو الأهم في البرنامج الوطني لحركة حماس؟ وما هو الأهم لمستقبل الشعب الفلسطيني؟. لقد كانت حماس - حسب مواثيقها - ترى في سلطة الحكم الذاتي مجرد إفراز من نتائج اتفاقيات التعايش مع العدو الصهيوني، ومجرد ستار لإضفاء الشرعية على الإحتلال. فلماذا تتمسك حماس الآن وإلى هذه الدرجة بحكومة قامت في شروط ترفضها حماس؟
إن أخطر نتائج الصراع الحالي بين حماس وفتح على الحكومة، هو التحول في خط حماس من القتال لتحرير وطن، إلي القتال لتحرير حكومة. الأمر الذي يشوِّه مبادئ النضال الوطني التي مكَّنت حماس من الفوز. وربما تكون حركة فتح في أمس الحاجة إلى الحكومة لمواصلة طريق التسوية، والحكومة في هذه الحال أداة تتسق مع الأهداف العامة لحركة فتح، لكن هل تتفق الحكومة كأداة مع الأهداف العامة لحركة النضال الفلسطيني؟. والسؤال هو: لماذا لا تتخلى حماس عن تلك الحكومة صيانة لوحدة الشعب الفلسطيني، وتواصل المقاومة التي رسَّخت سمعتها كحركة وطنية؟. ألا تضرب حماس بتلك الخطوة مثالاً لحركةِ مقاومةٍ تعلي من شأن الوحدة الوطنية على حساب خسارة حكومة هي في كل الأحوال ديكور؟. نعم. الحكومة حقٌ لحماس انتزعته بانتخابات شرعية، لكن نجاح حماس في الإنتخابات كان بفضل برنامجها السياسي أولا. أما مع اشتداد الصراع الحالي، فإن الاعتقاد الآخذ في الانتشار أن المقاومة لم تكن تستهدف سوى مقاعد حكومية! وأن الخلافات بين الخطوط السياسية تَبْهُت بمجرد ظهور السلطة! فتصبح السلطة هي هدف الجميع، وليس تحرير فلسطين.
وفي اعتقادي أن تخلِّي حماس الطوعي عن الحكومة، لأجل درء حرب أهلية، سيُكسِب حماس المزيد من التأييد الشعبي، والالتفاف، والتعاطف، حول قضية أهم: هي تحرير فلسطين. أما التشبث بالحكومة - مع تجاهل خطورة نشوب حرب أهلية - فسيضع حماس سياسياً في الكفة نفسها مع فتح.
كاتب وصحفي مصري