المطران جورج خضر

أخطار قائمة وعابرة قرأها 70
 

لا يسعك ان تعرف اذا كان من ظننته محتضراً ذاهباً الى الموت. على رغم اقتراب الموت يصوغ اللبنانيون نظريات في بلدهم.4444444444445yuio09999999999998765.JPG لبنان الرسالة، أية رسالة؟ الواقع المرير يذهب بنا الى الخيال وهو مكان التسلِّي الكبير والانفتاح على المجهول. كفوا عن التساؤل أي لبنان نريد لأنكم مهما أردتم لن يكون لبنان إلا بكم، كما أنتم على عصبياتكم وخذلانكم أمام تحديات التاريخ، لانكم لا تريدون ان تتلاقوا. كل منكم يريد لبنان على صورة العظمة التي يقرأها في تاريخ طائفته. يأتيك بمعميات عن لقاء المسلمين والمسيحيين ولم أسمع أحداً يقول شيئاً عن عناصر هذا اللقاء او كيفية هذا اللقاء. أيّ لبنان؟ كلكم يريد لبنان الماضي يأتيه من هذا الجبل او من صحارى العرب، يأتيه من هذا الكتاب المقدس او ذاك ولأنه يؤمن في أعماق نفسه ان الصورة التي يستلهمها من كتابه سيلصقها على البلد فينشأ البلد. لا أحد يجيء من الكل إلا اننا جميعا نتكلم على الكل. كيف الأقسام بما هي عليه من تراث تصبح كلاً؟ على أيّ أساس تحيا متشاركة. عندما ينص الدستور على مخالفة العيش المشترك نستشفّ استشفافاً فقط انه يرفض مشروعاً تقسيمياً او مشروعاً يؤدي الى التقسيم لكنه لا يقول شيئاً عن مدلول المشاركة او السبيل اليها.

ويسحر اللبناني بالكلام على التعدد ولكنه لا يقول كيف بهذا التعدد يحقق شيئاً من الوحدة ولا يعرف شيئاً عن طبيعة هذه الوحدة او أبعادها او تطلعاتها. اللبناني معجب بنفسه وبما يتصوره كيانا له ولا يزال تالياً ابن الفكر السابق للوجود اللبناني. لا يحب الوجود. يحب التأمل في الوجود ويعطي نفسه شهادة في الفرادة. يظن نفسه عالماً بالآخر ولكن عنده ان الآخر يتكوّن بمقدار تشبهه به.

هو مضطر ألا يلغي الآخر ولكنه يتمنى لو كان الآخر مثله لانه هو النموذج. اللبناني يتلهف الى الوحدانية التي فيها نجيء من قالب واحد ولا يجيء من الوحدة التي بها ننسجم بالآخر ولا نلغيه او عندنا شهوة ان يلغيه القدر بطريقة او بأخرى او ان يفنى تأثيره او يضمحل. اللبناني في أعماق نفسه تقسيمي او انقسامي. اللبناني شاعر بحيث انه كالشاعر يخلق لنفسه عالماً خاصا به والشاعر عنده غواية عظيمة وعيشها أسهل من عيشنا في العالم كما هو في كل تمزيقاته وصدماته لان هذا العالم في جراحة يتطلب منك مواجهة وكل مواجهة تعرّضك للخطر او للصدق ولأن تكون واقفاً في الوجود.

هذا الخلل الوجودي، الكياني في شعبنا يقتضي أولا ألا نعتبر أنفسنا شيئاً كبيراً. لا بد ان نؤمن اننا نجيء من لبنان كائنة ما كانت ينابيع الفكر والإحساس التي يستقي منها هذا الفريق او ذاك واننا لسنا مرتهنين لهذه الينابيع ولا مرتهنين لما هو خارج الحدود.

انا هنا لا اشير الى اية شريحة ولا اتهم اية شريحة. ولكني اقول انه ينبغي ان نعيش في الحق الحاضر. لا أكسر القلوب. والخيّرون منا يجيئون من ينابيع كثيرة ومختلفة وقد تكون في كل نفس ميول متناقضة او متضادة. ولكن لنا ان نناقش كل فرد وكل جماعة في ما تدعيه ميزة لها. فكل شريحة تحت التشريح ولها وجهها المجتمعي ولكن ليس من جماعة مقدسة. أما اذا لم نطرح جدلية الوحدة والتنوع نكون أسرى في حالة التلاقي.

وحالة كهذه تعني ان ما سماه الدستور "عيشاً مشتركاً" انما هو أمنية وليس مسيرة. وفي هذه المسيرة نحن – حسب الدستور الاول – أمة لبنانية – أمة لبنانية ليست جزءاً من أمة أخرى وهنا لست أشك في انتمائنا الى العالم العربي وقد تكرس ذلك في الدستور الحالي. ولا مانع من ان نعطي معنى مزدوجاً لكمة "أمَّة". غير ان علماء السياسة اصطلحوا على عبارة دولة – أمة Etat – Nation . ولكن ما هو أهم من مفهوم الأمة مفهوم الوطن أي الأرض ذات الحدود الدولية ووحدتنا في هذا الوطن وبهذا الوطن ومن أعمالنا فيه ان ننشئ دولة واحدة ذات سلطان على كل التجمعات الدينية على مستوى هذه الدنيا. اما ان نقول ان "لبنان فوق طوائفه" فيجب ان نعني ان مصلحته فوق المصالح الطائفية المنفردة ولا تعني روحياً انه اهم من كل طائفة لها علاقتها بالله، بهذا الإله الذي فوق الاوطان.

هذا كله ليس فقط سياسة. هذا فلسفة وجود او اذا شئتم هذا تحول روحي وبتعبير اوسط هذا توبة وعندنا تعني أولاً رجوعاً الى الصدق الكامل ومحبة لكل الذين نعايشهم وذلك احتراماً كاملاً لما هم عليه من عقائد ورجاء لقاء انساني حر وتفاعل يومي لا يخفي خوفنا وذلك بسبب رجائنا ان الخير والبر قائمان في كل مجموعة وان كل مجموعة تستحق الحياة الكريمة وهذا ما يشكل وطنا اي "أرضا وناسها" فلا يحجب أحدٌ أحداً ولا يُكَمُّ فاهٌ ويُبقي مجالاً لمواجهات سلامية وشرعية في ديموقراطية ما ينبغي ان نبحث عن صورتها في معطيات البلد ليس وفق تراثاته المختلفة فحسب ولكن وفق تطلعات واحدة لمنفعة كل المناطق في عدل كامل فيعتاد بعضنا بعضاً ونذوق بعضنا بعضاً ولا نتراص عددياً فقط ولكن نتداخل روحياً وعقلياً وفي مجالات العمل وهذا ليس فقط سياسة ولكنه بنيان حضاري لا يقوم فقط على ذاكرات جماعية ولكن على تطلعات الأزمنة الآتية بما هو توفيق الرقيّ العلمي والرقيّ الروحي معاً.

هذا يعني طغيان السياسة على حياة الوطن وان كان كل شيء يتصل بالسياسة بطريقة او باخرى. في بلدنا السياسة ان تتدبر شؤون كل شعبنا مجتمعاً وان يتدبر هذا الامر الناس جميعاً متمثلين بمن يحسُّون انهم يمثلونهم مجتمعين. هي اذاً تتنافى وسيادة اية طائفة كائنا ما كان عددها لانها عند ذاك تحس بانها هي الأفضل. والتواضع يمنعها من ذلك ولو كانت لها ميزات كثيرة تؤتاها من تراثها او خبرتها او نضالها. نحن في وطن نعطي بعضنا بعضاً ما نتميز به ولو كان هناك ما لا يُعطى بسبب من عقيدة او تاريخ. والوطن لا يعني ان نزيل عن كل شريحة لونها ولكن ان نقتبس منها ما يروقها اذ ليس من طائفة لا كِبَر فيها ولا بهاء. ولكنا نحن بما نعطي. وان لم نعط يعني اننا نخاف ومن استغنى بثروة روحية له يبددها كي يدخل الكل باب العظمة الحق.

وهذا يعني ان السياسة هي قبل كل شيء تربية، نربي بها بعضنا بعضاً فننتظر نمو الآخر ونسرُّ لنموه اذ يمدنا هذا بشعور الاتكاء عليه. اما اذا كان بيننا التفاوت الثقافي عظيما فهو خطر على الوحدة لانه يتضمن شعور التمرد على الوطن مجتمعاً.

ولو كانت السياسة في كل شيء الا ان من اهم غايتها ان تسوس الاقتصاد اي عيش الناس بكرامة لان نمو الانسان ليس بما يقوله في ادارة الشأن الوطن ولكن بما يعمل. ففي الانتاج الفكري او المادي بعد الرقي الروحي يحقق الانسان ذاته ويحب الارض التي فيها يعترف بقيمته اية كانت مهنته وايا كان مستواه العقلي. والسياسة العظيمة هي الاعتراف بان هذا الوطن فيه طاقات طبيعية كبيرة وانه يجب تفعيلها الى الحد الاقصى لنعيش معا بعدالة وباعظم ما يمكن تحقيقه من كفايات. وهذا ما لم يدركه القيّمون على البلد بصورة مرضية منذ الاستقلال اي ان البلد لم يكن مسوساً وفق المعايير المتعارف عليها في البلدان الراقية. وشعبنا اليوم فقير لا نزاع في ذلك اي انه غير حاصل على التقدير الذي يستحقه ولا على المحبة التي يحيا بها كرامته. انا اعرف أولاداً لا يستطيعون ان يتعشّوا واعرف أولاداً سقطوا في ملعب مدارسهم لانهم حُرموا العشاء والفطور معا. وهذا لا يرصفنا مع البلدان الراقية. هناك حد ادنى من العيش هو حق لكل المواطنين. واذا ما ركزنا جهودنا على هذا العيش البسيط لكل من اللبنانيين تأخذ السياسة وجها آخر وتفقد الكثير من ثرثرتها. فلتكن مواجهاتها السياسية باغية الطعام والدواء وتدريس أطفالنا بما يجعلنا غير مهدَّدين بالجوع لنستطيع ان نفكر ونقلع عن الهجرة ويكون حبنا للوطن مرتكزاً لا على مدح الشعراء له ولكن على اعتراف الوطن بنا بشراً خلُقوا على صورة الله ومؤهَّلين لأمور عظيمة.

أفهم ان يكون الانسان محتاجاً و"المحتاجون عندكم في كل حين" على قول يسوع الناصري ولكني لا أفهم في وطن يدعي الفرادة والحرية أن يعجَّ بالبؤساء. هؤلاء اخوتنا ولهم مثلنا جميعا الحق في حياة طيبة وعيشة عائلية هنيئة. هذا هو الخطر الحقيقي علينا واذا واجهناه بجدية نكتسب بحرية الحق وبركات السماء.

ggggggggggggggty76544444444444444432.JPG