جبرا ابراهيم جبرا بين الوفاء والذكرى

شاكر فريد حسن قرأها 1,036

جبرا ابراهيم جبرا بين الوفاء والذكرى

قبل (16) عاماً، وتحديدا في كانون الأول من العام 1994 فارق الدنيا الشاعر والناقد والروائي والمعرّب والتشكيلي الفلسطيني، وفنان الكلمة والريشة المثخن بجراح الإبداع، جبرا ابراهيم جبرا، الذي مضى إلى حيث لا مكان لا وطن.
     ينتمي جبرا إلى جيل المبدعين، جيل التجربة وقد أشغل موقعاً هاماً وبارزاً في المنجز الثقافي العربي الفلسطيني والعراقي، وهو شخصية أدبية وثقافية وأكاديمية مرموقة امتلكت من الخصب والإبداع الأصيل والعطاء الأدبي الحقيقي ما يجدّد حضورها الدائم في المشهد الأدبي والنقدي العربي، وثقافتنا العربية المعاصرة.

     في بيت لحم الفلسطينية، مهد المسيح، ولد جبرا سنة 1920 ونشأ في عائلة فقيرة الحال، وعاش طفولته في بيوت لا قوام لها، حيث تجرّع كؤوس الفقر والمعاناة والمرارة والألم، وأتمّ دراسته الأولى في المدرسة الرشيدية ثمّ تعلّم في الكلية العربية في القدس، وبعد ذلك حصل على منحة للدراسة في بريطانيا، فسافر والتحق بجامعة كمبردج وتخرّج منها ثم عاد وعمل في المدرسة الرشيدية.

في العام 1948 سافر جبرا إلى بغداد الرشيد، بلد الحضارة العربية الاسلامية ومركز الاستقطاب الأدبي والثقافي آنذاك وموطن فرسان المنابر الشعرية والأدبية: الجواهري والبياتي والسياب ونازك الملائكة وسعدي يوسف وبلند الحيدري ولميعة عباس وسواهم.
وبين فلسطين والعراق تشكّل أفق جبرا الثقافي، واصطفى من خيارات الثقافة أصعبها وأغناها: الشعر والرواية والنقد الأدبي والفن التشكيلي والترجمة. وكان في كل هذه المجالات والميادين مبدعا يصغي إلى هواجس ذاته بالقدر الذي يحسن فيه الاصغاء إلى الآخرين، متحرّراً من جميع التيارات الأدبية والتنظيمات السياسية مما جعله حاضرا بقوة لدى جميعها.

     حمل جبرا ابراهيم جبرا الهمّ والجرح الفلسطيني وعبء القضية، ومن معاناة شعبه سطّر ملحمة التصادم اليومي بأدق تفاصيلها، ورسم وصور وأرّخ تاريخ ملحمة العذاب الفلسطيني بكل ما فيها من مرارة وبؤس وشقاء، ليتحول إبداعه الشعري والروائي أشبه بلوحة لضمير المثقف الفلسطيني، هذا الضمير الذي عكسه للعالم بكل عذاباته وجراحاته، وهزائمه وانتصاراته.

     قدّم جبرا ابراهيم جبرا كل ما أنتجه وأبدعه اعتماداً على تنوع وغنى الثقافة العربية، ولم يخفِ إعجابه بنموذج المثقف العربي القديم حين قال في "أقنعة الحقيقة واقنعة الخيال": "يخيل إليّ أن الكاتب العربي القديم كان في معظم الأحيان، ولا أقول كلّها، أخلص إلى نفسه وإلى رؤيته فيما يقول وفيما يكتب من كاتبنا العربي اليوم، لم يكن الكتاب القدامى اذا تمثلناهم في أحسنهم ليقفوا عند حد شكلي فيما يريدون ان يقولوه، ولذا كانت عندهم الخطابة والقصة والمقالة والرسالة والحكاية والأمثولة وغيرها، كانت كلها وسائل للجهر أو التضمين أو الترميز لقول ما يلحّ على ذهن الكاتب استجابة لعصره وظروفه واستجابة لحاجته النفسية والعقلية.

     ترك جبرا ابراهيم جبرا أعمالا وآثارا أدبية وفكرية، في الشعر والرواية والقصة والنقد والترجمة. ففي الشعر: تموز في المدينة، المدار المغلق، لوعة الشمس، ألأعمال الشعرية الكاملة، وفي القصة القصيرة: عرق وقصص اخرى. وفي الرواية: صراخ في ليل طويل، صيادون في شارع ضيق، السفينة، البحث عن وليد مسعود، عالم بلا خرائط، يوميات سراب عفان، شارع الاميرات، الغرف المغلقة.

أما في النقد الأدبي: الحرية والطوفان، الرحلة الثامنة، الفن العراقي المعاصر، ألنار والجوهر، ينابيع الرؤيا، ألفن والحلم، جذور الفن العراقي، وغير ذلك. وثمة قضيتان تناولهما جبرا ابراهيم جبرا في قصائده وأشعاره، وهما: أزمة الانسان العربي المعاصر، وأزمة الوطن المغتصب بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان ودلالات.
ومن يقرأ روايات جبرا يكتشف جزءا من شخصيته الحضارية التي تعنى بالتفاصيل الدقيقة قدر عنايتها بموضوع المصائر الكبرى. واذا كانت بيت المقدس هاجسه الفني الأول فقد ظلت في رواياته وأشعاره وكتاباته الإبداعية المختلفة مجسّدة على شكل أقنعة وأيقونات متعددة، واحد منها "وليد مسعود" وآخر هو "السفينة" وبينها احلام "سراب".
     يقول الروائي والناقد الفلسطيني فاروق وادي: "إنّ جبرا ابراهيم جبرا فنّان مدرك لأدواته وواع لهندسته يعرف المكان الصحيح للكلمة التي يقدّم من خلالها رؤياه، ويعرف أين تكون ضربة الإزميل في بنائه الفني، إنه يرسم شخصياته بابعادها المختلفة، الإجتماعية والتاريخية والثقافية والنفسية، فهي تكوين لتلك المحصلة للعلاقات الحياتية المتشابكة، بماضيها وحاضرها، بثقافتها وعواطفها واحاسيسها، وبتشابك علاقاتها الاجتماعية وجدليتها، وكل ذلك يؤكد حضور الشخصية لا كمجرد وفكرة وحسب، وان عبرت عنها، وإنما ككيان إنساني معقّد يحمل فكرة ويمثلها كجزء من كيانه.

     وإذا تأملنا في كتابات جبرا النقدية نجد أن في معظمها قراءات ومتابعات قائمة على "جمالية المتلقي" وهو يرى أن مهمة الناقد تتحدّد بـ "البحث عن الصدق والوشائج والتصاميم الخفية في كل جزء من أجزاء العمل وإبرازها للعين". وغالبية ما كتبه جبرا في النقد يدور حول الشعر والشعراء، وإننا لم نجده غاضبا ومنفعلا سوى مرتين: ألأولى على نازك الملائكة حين وجدها تعمل على تسييج "الشعر الحر" بما هو انكفاء على التراث، لا تقدما بهذا التراث. والمرة الثانية على الشاعر علي أحمد سعيد (أدونيس) عندما وجد التناقض يسيطر على ديوانه "المسرح والمرايا" حيث الوجه موزع بين "أقنعة" متعددة ومتناقضة، وإن موقفه ضائع وأصالة الرؤية مبدّدة.

     وأخيرا، جبرا ابراهيم جبرا علامة فارقة ومميزة في الإبداع الفلسطيني، ومن أبرز وجوه المغامرة النقدية. إنه فنّان ومبدع متعدّد المواهب ومتشعّب الاهتمامات، اتّسم إبداعه بالتعددية والتأثر بالثقافة الأجنبية ولا سيما الانجليزية، وإذا كان قد غاب عن الحياة جسداً لكنّه يبقى فكراً وأصالة وإبداعاً وحضوراً وتوهجاً دائماً في حياتنا الثقافية والأدبية.