ذاك الذي استغرق حياته في صنع "نبي"

زينب عسَّاف قرأها 9
  

"جبران خليل جبران" و"أوراق جبرانية" لاسكندر نجار

بعد مضيّ خمس وسبعين سنة على وفاة الكاتب والشاعر جبران خليل جبران، يقول البعض إن حاجة العالم وتعطّشه إلى الأخلاق555555555555555555555yhtdhyetsherghsergesgreg.JPG بعد حربه الأولى هي ما جعله يحتل تلك المكانة المميزة في الأدبين العالمي والعربي. بينما يدحض آخرون هذا القول، معتبرين أن الكتب ذات النزعة التبشيرية لم تكن قليلة في تلك الفترة، ولاسيما مع انتشار المذاهب الروحية الجديدة كـ"التيوصوفية" التي استمدت جذورها من الفلسفات الشرقية، الهندية والصينية والبهائية والدرزية وغيرها. وحده كتاب "النبي"، من بين تلك الكتب كلها، لا يزال "إنجيلاً" بالنسبة إلى الكثيرين، ووحده جبران من بين كتّابها هو من عنونتْ له صحيفة "نيويورك صن" عند وفاته: "مات نبيّ".

يتفق الجميع إذاً على استحقاق هذا اللبناني لرواية سيرته، لما في سيرة ابن بشرّي المهاجر هذا، الذي صعد السلّم الاجتماعي الأميركي من أسفله، من استثنائية، أو تشابه مع سير مهاجرين غيره.

ولأن قرّاء العربية لم يطّلعوا بشكل وافٍ على هذه السيرة، صدر لدى دار "النهار" في اللغة العربية كتابان لاسكندر نجار، أحدهما عنوانه "جبران خليل جبران" يروي سيرته، وسبق له أن نُشر بالفرنسية (نقله إلى العربية بسام حجّار)، والآخر عنوانه "أوراق جبرانية" (أشرفت على نصوصه المترجمة نسرين الصدّيق حداد)، يكشف فيه نجّار عن وثائق تنشر للمرة الأولى في اللغة العربية، كالرسائل التي تبادلها جبران مع ناشره ألفرد كنوبف وزوجته بلانش، ومع الشاعر ويتر باينر والشاعرة مدلين مايزن مانهايم (مترجمة "النبي" إلى الفرنسية)، وشارلوت تايلر وهيلانة غسطين. كما يشير إلى الدور الذي لعبته مساعدته بربارة يونغ وصديقه باينر، في منع نشر عملين له بعد وفاته. هذه الرسائل والوثائق التي حصّل نجار بعضها بجهد خاص وبعضها من ارشيف الجامعات الأميركية، إضافة إلى الوثائق الرسمية من بعض الإدارات الرسمية اللبنانية، تسلّط الضوء على جبران في تعاملاته اليومية: جبران المريض الذي يخفي مرضه عن أصدقائه، جبران المتألّم لظروف وطنه والخائف من العودة إلى لبنان كي لا تلاحقه ديون أبيه، جبران العاشق غير الجموح، جبران المفاوض في شؤون النشر والمتابع لأدقّ تفاصيل إصدار أعماله الجديدة... الخ. كما تطرح أسئلة عديدة حول طبيعة العلاقات التي كانت تربط جبران بمن تبادل معهم هذه الرسائل: هل كانت هيلانة غسطين حبيبته أم صديقته؟ ولِمَ خاطب باينر (صاحب الميول الجنسية الخاصة) بـ"حبيبي"، وهل قال ذلك تحبباً على الطريقة الشرقية، أم ثمة علاقة ما جمعته بباينر؟

يمكننا وصف الكتابين إذاً بأنهما السيرة الرسمية وملحقاتها. السيرة الرسمية أصبحت معروفة تقريباً من الجميع، لكن الملحقات تدحض بعض المزاعم، وتؤدي بالتالي إلى انزياحات في تلك السيرة. فمولد جبران لم يكن في السادس من كانون الأول 1883 بل في السادس من كانون الثاني من العام نفسه، كما أكّد في رسالة إلى بلانش كنوبف (11 آذار 1928)، وهو لم يطلب من ماري هاسكل، ملاكه الحارس، الزواج من باب ردّ الجميل، بل لأنه أغرم بها حقاً. إلى جانب هذه التصحيحات في السيرة، يكشف نجّار عن بعض الحقائق من مثل عمل جبران الشاب كموديل لدى الرسّام فريد هولاند داي، أو عدم انجراره في حبّ حلا الضاهر، كما صوّر البعض، بسبب إدراكه صعوبة علاقات الحب في ذلك المجتمع المغلق حينذاك والتباين الاجتماعي بينهما، متناولاً شخصيته من النواحي كافة: الكاتب، الرسّام، المهتمّ بالشأن السياسي، والعاشق الباحث عن أمّه بين النساء.
منذ وصول جبران إلى أليس آيلند في 17 حزيران 1895، حتى لفظ أنفاسه وحيداً في 10 نيسان 1931، رحلة ذهاب وعودة، بين الولايات المتحدة ولبنان، وباريس وبوسطن ونيويورك، وتذبذب بين أسماء نسائية كثيرة: ماري وميشلين وهيلانة وحلا وسلطانة وشارلوت وبربارة. فبعد استقرار العائلة في بوسطن، بدأ جبران يخطّ حياةً أخرى، لن تجعل منه بائع "كشّة" أو تاجراً، بل كاتباً. أدرك ذلك منذ البداية، فالتحق بمدرسة كوينسي المجانية في الحيّ السوري من المدينة، حيث يتجاور العرب واليهود والصينيون ومهاجرو أوروبا الشرقية، مما أدى إلى ترسّخ قيم التسامح لديه. موهبة جبران، أثارت انتباه أساتذته، بل القدر أيضاً الذي وضع في طريقه أشخاصاً مثل فريد هولاند داي، وجيسي فريمونت بيل، وماري هاسكل وغيرهم، فكانت بدايته من خلال الرسم الذي زيّن معظم أعماله في ما بعد، وانصهر مع أدبه.

عن جبران الرسام، يسأل نجار، الذي سعى إلى الحفاظ على موضوعيته في ما خصّ هذه السيرة: "هل يعتبر رسّاماً كبيراً؟" ثم ينقل قول البعض إنه لم يكن مجدداً بل طالما كرّر نفسه، ثم يقول إن أعمال جبران التصويرية وثيقة الصلة بكتاباته، على غرار أعمال بلايك. وعليه، يستحيل إطلاق أحكام على أعماله التصويرية بمعزل عن فكره.

أما عن جبران السياسي، فيؤكد نجار أنه لم ينخرط سياسياً بالمعنى الصحيح، على الرغم من تأسيسه جمعية "الحلقة الذهبية" للدفاع عن قضايا البلدان العربية إثر عودته من باريس إلى بوسطن عام 1911، وتحذيره العرب في بعض المقالات الصاخبة: "إن لم يقم فيكم من ينصر الإسلام على عدوّه الداخلي، فلا ينقضي هذا الجيل إلا والشرق في قبضة ذوي الوجوه البائخة والعيون الزرقاء".

عن الجانب الصوفي لدى جبران، ثمة بعض الحوادث غير المعروفة التي يكشف عنها نجار، مثل لقائه عبد البهاء في 15 نيسان 1912، ابن بهاء الله، منشئ الحركة البهائية في إيران، وإنجازه رسماً له، ودعوته إلى إلقاء محاضرة أمام أعضاء "الحلقة الذهبية".

أما الأوراق، فيستهلّها نجار بمقدّمة يعرض فيها لهدفه من نشر هذه الوثائق غير المعروفة. يليها اثنا عشر فصلاً تحمل العناوين الآتية:

-       "رسائل جبران إلى ناشره ألفرد كنوبف ومعاونيه"،

-       "رسائل جبران إلى الناشرة بلانش كنوبف"،

-       "رسائل جبران الأخيرة"،

-       "قصيدة للشاعرة جوزفين بيبودي، حبّ جبران الأول، عنوانها الأرز"،

-       "موقف بربارة يونغ السلبي من "الأجنحة المتكسرة"،

-       "رسائل جبران إلى صديقه الشاعر ويتر باينر"،

-       "مسرحيات جبران التائهة"،

-       "هيلانة غسطين: صديقة جبران المجهولة"،

-       "علاقة جبران بمادلين مايزن مانهايم ورسوم تنشر له للمرة الأولى"،

-       "لماذا لم يعد جبران إلى لبنان؟"،

-       "لوحة لجبران من مقتنيات وزارة الثقافة"،

-       "شارلوت تيلر ملهمة جبران".

يقدّم نجار، في بداية كل فصل، نبذة تعريفية عن الأشخاص الذين دخلوا حياة جبران وسيرته، ثم يعرض للمراسلات. في الفصل الأول يصف ناشره كنوبف صاحب دار "ألفرد أ. كنوبف" الشهيرة، الذي ربطته به علاقة تراوح بين الصداقة والثقة والمصلحة، بالقول: "كلما التقيت ألفرد كنوبف زاد حبّي له... ليس رجلاً محسناً للبشر، لكنه رجل مستقيم. ولا يدع شيئاً للصدفة!". ونكتشف من خلال المراسلات بين الرجلين، حرص جبران الشديد على متابعة تفاصيل نشر كل كتبه، وتلبية كنوبف لرغباته، لكن على حسابه الخاص، من خلال اقتطاع جزء من حصّته من الأرباح. كما نستشف العلاقة الشفافة بين الإثنين، إذ يطلع كنوبف جبران على أرقام مبيعات كتبه وخططه التسويقية. أما زوجته بلانش التي امتازت علاقتها مع جبران بالصداقة أولاً، فترشد جبران إلى أفضل الطرق للترويج لكتبه، من خلال المشاركة في المعارض والقراءات. ولا ينسى نجار في هذين الفصلين الإشارة إلى أخطاء جبران في اللغة الإنكليزية، بسبب تعلّمه هذه اللغة في وقت متأخّر من حياته، وتفضيله التعبير في اللغة العربية غالباً.

عام 1931، قال جبران عن "النبي" إن إنجاز هذا الكتاب الصغير استغرق حياته بأكملها، ولكن؟ هل قصد الكتاب حقاً، أم أنه كان يتحدّث عن نفسه؟ هل صحيح أن جبران استغرق حياته بأكملها ليصنع من نفسه نبياً؟

tttttttttttttttttttttttttfdgdfgdsgdfgdfgd.JPG