ديبلوماسية مثقفة وشاعرة
دعا قصر الثقافة والفنون ـ سيدني إلى حفل تكريم للقنصل اللبناني ماهر الخير شاعراً حضره حشد من المثقّفين والإعلاميين، وتحدّث فيه كل من الشعراء والأدباء وديع سعادة، كامل المرّ وشوقي مسلماني، وقدّم البروفسّور مكرم جرجس هديّة رمزيّة للقنصل الشاعر الخير بالنيابة عن المحتفين. هنا كلمة الشاعر شوقي مسلماني:
السلك الدبلوماسي اللبناني إلى أستراليا قلّما خلا مِن س فير مثقّف، ومثالاً لا حصراً: السفير اللبناني السابق الدكتور لطيف أبو الحسن الذي اختصّ بمدينة عِلمِ الإجتماع، وبابِها إبن خلدون صاحب المقدّمة الشهيرة المعروفة باسم "مقدّمة إبن خلدون"، وقلّما خلا مِن قنصل أديب أو شاعر، ومثالاً لا حصراً أيضاً: القنصل اللبناني السابق إلى سيدني الشاعر الياس نقولا صاحب مجموعة "عن لمسةٍ سقطتْ"، واليوم: القنصل اللبناني إلى كانبرا الشاعر المحتفى به ماهر الخير.
وقد انعقدتْ صداقة طويلة مع السفير الدكتور لطيف أبو الحسن استمرّت سنوات، كان الزميل أنيس غانم في القلب منها، وتبيّن لي خلالها أنّ الدبلوماسيّة المثقّفة أمينة على الوطنيّة الحقّة البعيدة عن التناحر الطائفي أو العرقي البغيضين من جهة، وأمينة على وجه وقلب ولسان ويد لبنان الحضاري من جهةٍ ثانية. وصداقتي المعقودة اليوم مع القنصل الشاعر الخير تؤكِّد لي هذا المنحى، مثلما تؤكِّد أنّ لبنان أبداً مثلما هو منبر عربي أنواري في الداخل هو كذلك في أي صقع مِنْ أصقاع العالم المحيط.
والقنصل الخير الذي تكرِّمه سيدني شاعراً، وهو خليق بهذا التكريم، لا تكمن أهميّته بإصدار مجموعتين شعريّتين واحدة باسم "عارياً تحت الشمس" وأخرى باسم "شمس لقميص أزرق"، والبومين احتويا قصائد مختارة، بل تكمن أهميّته بهذه الطهرانيّة وهو يتعبّد في محراب الشعر، فيحرص على إخراج لائق لأعماله مِنْ قبل دور نشر محترمة من ناحية، وإرفاقها بالجديد والمبتكَر من ناحية ثانية. والجديد هو حِرصُه، وهو يلقي قصائدَه في البوميه، وأحدهما يُدعى "بكاء الثلج"، أن تكون الموسيقى المرافقة مِنْ وحي القصائد ذاتها، ومِنْ صنيع ملحّنين قرأوا القصائد بإمعان ثمّ اجتهدوا ولحّنوا، وبمعنى آخر هي ليست ألحان جرى اقتطاعها وإلصاقها، بل هي أمداء من صميم القصائد، ومواكِبة لها، ومتداخِلة معها. أمّا المُبتَكَر فهو صنيعه السبّاق عربيّاً، حيث صوّرَ القصيدة وجعلها في فيديو كليب نوّهتْ به مراجع فنيّة وأدبيّة وسينمائيّة عربيّة، ومصريّة بالتحديد، حتى حاز أوسكار الفيديو كليب الدولي مرّتين عن "رسائل سريّة مِنْ بيروت"، و"ستمزِّق العصافير صدر السماء". هذا فضلاً عن حركيّته الواسعة لجهة إقامة معارض تحت عنوان غريب أو شعري بامتياز، وهو "القصيدة الملوّنة"، وأمسيات ولقاءات صحفيّة وإذاعيّة مسموعة ومرئيّة، هو نفسه، فيما ترتسم على وجهه ابتسامة الجنائني المُكِدّ، وقد نهض غرسُه، يؤكِّد أنّه عاجز بعدُ دون إحصائها.
يبقى أن أذكر الجهة التي يطلّ منها قنصلنا الشاعر على عالم الشعر الأرحب، في عالم، وهو ينطلق تكنولوجيّاً يستفرِس إقتصاديّاً وعسكريّاً وأخلاقيّاً وسياسيّاً، وأكبر ضحاياه هو العالم العربي، وأخصّهما فيه: فلسطين والعراق، وهذه الجهة هي الشاعر الراحل نزار قبّاني، وما يُمثِّل مِن قيم ممانِعة ضدّ قهر المرأة، واستغلال الشعوب، ونهب الأوطان، وليس غريباً أن تكون أطروحة القنصل الشاعر ماهر الخير الجامعيّة فيه. وكم آمل أن يستمرّ هبوبه من الجهة ذاتها، بما تختزن من حبّ ووطنيّة جامعة مانعة ضدّ كلّ عابث داخلي أو أجنبي.
شوقي مسلماني
Shawki46@hotmail.com