عن تجربتي في الأدب الساخر

خطيب بدلة قرأها 1,680

-1-

أنا، أخاكم الأقل شأناً بينكم، لا أزعم أنني ناقد، أو صاحب معرفة ودراية بالأسرار العلمية والفلسفية والنقدية التي تلزم لمن يريد أن يُنظِّر للأدب الساخر، ولكنني حَصَّلت بعضَ الثقافة المتعلقة بهذا اللون الأدبي (بالمطابشة)، أي بالأخذ والرد، والسين والجيم، أو- كما يقولون في لغة ضبوط مخافر الشرطة- بطريقة الـ (سُئل فأجاب).

قبل نحو سنتين، أو بالتحديد يوم 18/ 12/ 2008، دعتني الإعلامية المجتهدة علا عباس إلى  لقاء إذاعي، مدتُه ساعة أو أكثر، ضمن برنامجها الأسبوعي الذي يحمل عنوان (في القلب).. وكان الحوار ممتعاً بسبب تمكُّنها من أدواتها، ومعرفتها المعمقة بشخصية الشخص الذي تحاوره.

استهلّت علا الحوار بسؤالي عن وجود علاقة ما بين الأدب الساخر والسوداوية؟
 وأذكر أنني قلت: لا، إنه لا توجد علاقةٌ بين (السوداوية) وأي نوع من الأدب، سواء أكان هذا الأدب ساخراً، أم غير ذلك.

فبرأيي أن الإنسان بمجرد ما يمد يده في الأيام القديمة إلى القلم، وفي أيامنا الحاضرة إلى أزرار كيبورد الكومبيوتر، ويباشر الكتابة، فهو أبعد ما يكون عن السوادوية. الرجل السوداوي مريض، موسوس، (مهستر)، قانط، انطوائي، انزوائي، لا يصلح للخلّ ولا للخردل، أو للصيف، أو للضيف، أو لغدرات الزمان.

الأديب الساخر قد يكون، في داخله انزعاج، أو ضيق، أو غضب، أو ثورة، ولكنه بالضرورة ليس حزيناً، وليس سوداوياً، ولا قانطاً.. بل إن العكس صحيح، فهو إنسان مُشرق، مُحب للحياة مثل زوربا كازانتزاكي (ودفشة لقدام، متفائل بقدرة الإنسان الموجود على سطح الأرض على التصدي لأعدائه، وللفساد، وللاستغلال، ومستعد دائماً لكشف الأكاذيب والأضاليل، والزيف الذي تراكم في حياتنا عبر توالي الأيام وكرّ السنين.

من جهة أخرى، إن الأدب الساخر يجب أن يؤدي، بطريقة أو بأخرى إلى (الإضحاك).. ولئن كان معظم النقاد قد ذهبوا إلى أن أديبنا الكبير الراحل محمد الماغوط كان حزيناً من الداخل، وأنه برع في (التراجيكوميديا)، أو السخرية السوداء.. فهذا برأيي، ينطوي على نظرة مُشَوَّشَة إلى أدب هذا الأديب الكبير، والتسرع في تقييم (وأرجو عدم تصحيحها وجعلها: تقويم) تجربته.

عندي أن محمد الماغوط واحد من أهم الكتاب الناثرين في تاريخ اللغة العربية. مَن يقرأ المقالة الصحفية التي كان يكتبها، بل يبدعها، سوف يتخيل أن عباراته أمواهٌ تتدفق من نبع منبجس من صخرة مهملة موجودة في مكان مهمل في الوطن السوري.. كل كلمة في مقالة الماغوط الصحفية، وكل حرف، وكل فاصلة تشع، وتتألق، وتحمل الكثير من المعاني والإضاءات، وحتى حينما كتب الشعر، فإن قصيدته كانت تنمُّ عن ناثر كبير، لا يجارى، ولا يشق له غبار.. أكثر من كونها تنمُّ عن شاعر، مع أنها طافحة بالشعر، وصوره الغريبة المبتكرة.

وعدا هذه المقدرة الاستثنائية على النثر، فإن الماغوط ساخر كبير، ممتلىء بالغضب من أحوال الأمة، والأوطان، والشعوب، والحكام، والمثقفين، والدعاة، والرعاة، والرسامين، والخطاطين، والخطباء، والوعاظ، والمتحدثين، والساكتين، والفاعلين، والمنفعلين، والمتفرجين.. ومن في حكمهم.

حسناً، إذا كان الأساس في المسألة أن يكون المرء كاتباً (ناثراً) متمكناً من أدواته، صانعاً لنفسه لغةً فريدة خاصة تميزه عن غيره من الكتاب الناثرين.. فلماذا يكون ساخراً إذن؟

ههنا تكون الحالة مختلفة عما قبلها.. فالنظر إلى بعض ظواهر الحياة الشائهة، المهلهلة، الفاسدة، المترهلة، بعين الجد والاحترام والتقدير سيكون نظراً قاصراً ينطوي على الشيء الكثير من السذاجة.. ولعل معظم المقولات القديمة المتداولة في تاريخ الأدب العربي قد بطلت، وفقدت قيمتها عبر الزمن، إلا تلك المقولة التي تنص على أن (لكل مقام مقال) فهي باقية، صامدة، وصحيحة مئة بالمئة.. والكتابة الساخرة، واللغة الساخرة التي تتعالى على تلك الظواهر، وتهزأ منها، قد خُلقت، أو جعلت لها، مثل الطنجرة التي وجدت غطاءها، فقرقعت من شدة الفرح!.

-2-

قبل نحو عشر سنوات كنت أزور الصديق المخرج المتميز حسن عويتي في أحد مواقع التصوير، حيث كان يلعب دور البخيل الطماع في مسلسل كوميدي (علماً أن حسن، في الواقع، كريمٌ جداً، ومال الدنيا كله ليس في عينه). وبينما كان أمام الكاميرا، بقيتُ في مكان الاستراحة برفقة الفنان الظريف أندريه سكاف، سألته عن دوره في هذا العمل، فقال لي:

-       إنني ألعب دور الفتى الأهبل.

 قلت: لعبتَ الدور نفسه مع المخرج هشام شربتجي في مسلسل (عيلة خمس نجوم).

فقال: صح. ولكن أعلم أن السادة المخرجين السوريين، كلما لمع ممثلٌ في دور معين، يسارعون إلى طَلْيِهِ بـ (زومَين) من الدهان من لون الدور الذي لمع فيه! الآن إذا أرادوا ممثلاً لدور الفتى الأهبل يأتون بأندريه سكاف، ولدور العاشق يأتون بقيس الشيخ نجيب، ولدور القبضاي يأتون بمحمد خاوندي، ولدور البخيل الطماع يأتون بحسن عويتي، ولدور المرأة الشامية المخضرمة يأتون بالسيدة هدى شعراوي.. وقلما تجد مخرجاً يغامر بإعطاء دور واحد ذكي لأندريه سكاف، بعدما لمع بدور الأهبل.

تذكرت هذا الكلام وأنا أهيئ نفسي للحديث عن الأدب الساخر، فالسادة الصحفيون، ومَنْ في حُكمهم من معدّي البرامج الإذاعية والتلفزيونية، ومراسلو الصحف والمجلات العربية، بمجرد ما يقترب واحدُهم مني- أنا أخاكم الأقل شأناً بينكم- يسارع إلى سؤالي عن الأدب الساخر، وما ذلك إلا لأنهم قد ضربوني (زومَين) دهان على أني كاتب ساخر! وربما وضع أحدهم عليَّ لصاقة مع سهم باتجاهي كتب عليه: انتبه، هذا كاتب ساخر!.. لذلك تراهم، مع بدء كل مقابلة، يسألونني عن الأدب الساخر، وتجربتي في الأدب الساخر، ورأيي بالأدب الساخر.. إلخ.

لا أنكر، بالطبع، أنني كاتب ساخر، ولكنني دائماً أعترضُ على سرعة انتقالهم إلى الجانب الساخر في تجربتي القصصية والصحفية، بعد طي، أو تجاهل الحديث عن تجربتي في السرد الأدبي والصحفي بشكل عام.

ذات مرة قلتُ للزميل الصحفي الذي كان يحاورني:

حينما نصف امرأة ما، نقول إنها (حسناء سمراء)، أو (حسناء شقراء)، أو (حسناء حنطية)، أو (حسناء أقاحية)- على حد تعبير السيدة فيروز- ولكن إذا لم تكن تلك المرأة حسناء، فبماذا تفيدنا ويفيدها السُّمرة أو الشقرة أو لون الحنطة أو اللون الأقاحي؟

قلت له: أنا، على سبيل التوضيح، أعرف أناساً ساخرين، ولكنهم لا يجيدون السرد.

قال: عفواً.. كيف عرفت أنهم ساخرون؟

قلت: ثمة طرق كثيرة توصلنا إلى مثل هذه المعرفة. كأن يقول الكاتب عن نفسه إنه ساخر! أو يقول عنه أحد أصدقائه إنه ساخر! وهو أيضاً يصدق كلام صديقه متأثراً بالمثل الشعبي القائل (صديقُك من صَدَقَك القول).. أو تقول عنه صديقته (حبيبته) إنه ساخر! بدليل أنها قرأت له مقالة ففرطت من الضحك! مع أنها ربما تكون ضحكانة (من وكالتها) وهذا يعني أنه بريء من (تهمة) إضحاكها! وقد تجده هي ظريفاً لأنها تحبه، وعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ.. أضف إلى ذلك أن هذه الصديقة تعتقد جازمة بأن مفهوم الأدب الساخر ينحصر بالإضحاك.. وهذا ما حدا بها لأن (تسِمَ) حبيبها بأنه- اللهم عافنا- ساخر!

وثمة طريقة أخرى نستطيع أن نصل بموجبها إلى أن الكاتب (المذكور) ساخر، وهي أن يكتب هو على أحد مؤلفاته- بقلم الشنيار المخصص للأعدال ذات القلم الأحمر- عبارة: (قصص ساخرة)، أو (مقالات ساخرة) أو (نصوص ساخرة).. مثلما يفعل الطفل الذي يتعلم الرسم في الصف الأول. فهذا الطفل إذا رسم منظراً طبيعياً فإنه يكتب على  الشجرة (شجرة) وعلى السماء (سماء) وعلى العصافير (عصافير) ظناً منه أن مثل هذا الشرح ضروري.

ما أردت قوله، باختصار: كن يا حبيبي قبل كل شيء كاتباً، متمكناً من أدواتك الإبداعية، وبعدها كن ساخراً أو لا تكن ساخراً.. فهذه ليست مشكلتك.. وإذا لم تكن ساخراً (الله وكيلك مو عيب).