عن تجربتي في الأدب الساخر
-1-
أنا، أخاكم الأقل شأناً بينكم، لا أزعم أنني ناقد، أو صاحب معرفة ودراية بالأسرار العلمية والفلسفية والنقدية التي تلزم لمن يريد أن يُنظِّر للأدب الساخر، ولكنني حَصَّلت بعضَ الثقافة المتعلقة بهذا اللون الأدبي (بالمطابشة)، أي بالأخذ والرد، والسين والجيم، أو- كما يقولون في لغة ضبوط مخافر الشرطة- بطريقة الـ (سُئل فأجاب).
قبل نحو سنتين، أو بالتحديد يوم 18/ 12/ 2008، دعتني الإعلامية المجتهدة علا عباس إلى لقاء إذاعي، مدتُه ساعة أو أكثر، ضمن برنامجها الأسبوعي الذي يحمل عنوان (في القلب).. وكان الحوار ممتعاً بسبب تمكُّنها من أدواتها، ومعرفتها المعمقة بشخصية الشخص الذي تحاوره.
استهلّت علا الحوار بسؤالي عن وجود علاقة ما بين الأدب الساخر والسوداوية؟
وأذكر أنني قلت: لا، إنه لا توجد علاقةٌ بين (السوداوية) وأي نوع من الأدب، سواء أكان هذا الأدب ساخراً، أم غير ذلك.
فبرأيي أن الإنسان بمجرد ما يمد يده في الأيام القديمة إلى القلم، وفي أيامنا الحاضرة إلى أزرار كيبورد الكومبيوتر، ويباشر الكتابة، فهو أبعد ما يكون عن السوادوية. الرجل السوداوي مريض، موسوس، (مهستر)، قانط، انطوائي، انزوائي، لا يصلح للخلّ ولا للخردل، أو للصيف، أو للضيف، أو لغدرات الزمان.
الأديب الساخر قد يكون، في داخله انزعاج، أو ضيق، أو غضب، أو ثورة، ولكنه بالضرورة ليس حزيناً، وليس سوداوياً، ولا قانطاً.. بل إن العكس صحيح، فهو إنسان مُشرق، مُحب للحياة مثل زوربا كازانتزاكي (ودفشة لقدام، متفائل بقدرة الإنسان الموجود على سطح الأرض على التصدي لأعدائه، وللفساد، وللاستغلال، ومستعد دائماً لكشف الأكاذيب والأضاليل، والزيف الذي تراكم في حياتنا عبر توالي الأيام وكرّ السنين.
من جهة أخرى، إن الأدب الساخر يجب أن يؤدي، بطريقة أو بأخرى إلى (الإضحاك).. ولئن كان معظم النقاد قد ذهبوا إلى أن أديبنا الكبير الراحل محمد الماغوط كان حزيناً من الداخل، وأنه برع في (التراجيكوميديا)، أو السخرية السوداء.. فهذا برأيي، ينطوي على نظرة مُشَوَّشَة إلى أدب هذا الأديب الكبير، والتسرع في تقييم (وأرجو عدم تصحيحها وجعلها: تقويم) تجربته.
عندي أن محمد الماغوط واحد من أهم الكتاب الناثرين في تاريخ اللغة العربية. مَن يقرأ المقالة الصحفية التي كان يكتبها، بل يبدعها، سوف يتخيل أن عباراته أمواهٌ تتدفق من نبع منبجس من صخرة مهملة موجودة في مكان مهمل في الوطن السوري.. كل كلمة في مقالة الماغوط الصحفية، وكل حرف، وكل فاصلة تشع، وتتألق، وتحمل الكثير من المعاني والإضاءات، وحتى حينما كتب الشعر، فإن قصيدته كانت تنمُّ عن ناثر كبير، لا يجارى، ولا يشق له غبار.. أكثر من كونها تنمُّ عن شاعر، مع أنها طافحة بالشعر، وصوره الغريبة المبتكرة.
وعدا هذه المقدرة الاستثنائية على النثر، فإن الماغوط ساخر كبير، ممتلىء بالغضب من أحوال الأمة، والأوطان، والشعوب، والحكام، والمثقفين، والدعاة، والرعاة، والرسامين، والخطاطين، والخطباء، والوعاظ، والمتحدثين، والساكتين، والفاعلين، والمنفعلين، والمتفرجين.. ومن في حكمهم.
حسناً، إذا كان الأساس في المسألة أن يكون المرء كاتباً (ناثراً) متمكناً من أدواته، صانعاً لنفسه لغةً فريدة خاصة تميزه عن غيره من الكتاب الناثرين.. فلماذا يكون ساخراً إذن؟
ههنا تكون الحالة مختلفة عما قبلها.. فالنظر إلى بعض ظواهر الحياة الشائهة، المهلهلة، الفاسدة، المترهلة، بعين الجد والاحترام والتقدير سيكون نظراً قاصراً ينطوي على الشيء الكثير من السذاجة.. ولعل معظم المقولات القديمة المتداولة في تاريخ الأدب العربي قد بطلت، وفقدت قيمتها عبر الزمن، إلا تلك المقولة التي تنص على أن (لكل مقام مقال) فهي باقية، صامدة، وصحيحة مئة بالمئة.. والكتابة الساخرة، واللغة الساخرة التي تتعالى على تلك الظواهر، وتهزأ منها، قد خُلقت، أو جعلت لها، مثل الطنجرة التي وجدت غطاءها، فقرقعت من شدة الفرح!.
-2-