فـي لـغـة الـكـتـابـة
فـي لـغـة الـكـتـابـة
(بعض من كلام غير متكامل في اختيار المستوى اللغويّ
في الكتابة الشعريّة)
اختيار المستوى اللغويّ في الكتابة الأدبيّة (استخدام اللغة الفصيحة أو استخدام اللغة المحكيّة) لا يقرّر على نحوٍ حاسم في شأن أهمّيّة الأفكار، أو لا يعكس بالضرورة أهمّية الأفكار أو عدمها. باللغة المحكيّة يمكن التعبير عن أفكار عظيمة مُهِمّة. في المقابل، يمكن أن يُعبَّر عن أفكار غير مُهِمّة وغير مثيرة، أو عديمة الأهمّيّة والإثارة، بلغة فصيحة مثْقَلة بمفردات معجميّة "من العيار الثقيل"، وببلاغيّات هي أقرب إلى البهلوانيّات، بلاغيّات لا تحمل سوى اللَّغْو والهذر والثرثرة والفراغ. في حالةِ توافُر الفكرة، قد يأتي الاحتفال باستخدام البلاغيّات وغريب الكلام على نحو مسرِفٍ، قد يأتي ذلك على حساب الفكرة، بل قد يكون عاملاً تنفيريًّا، وقد يساهم -في حالة الإعجاب به- في تشويه الذائقة الأدبيّة (كالذي نلحظه -على سبيل المثال- في كثير من حالات التسجيع المفتعَل والشديد التكلّف في نصوص يُدّعَى أنّها تنتمي إلى أدب الأطفال).
في بعض الحالات، يأتي اعتماد المستوى اللغويّ نابعًا من اختيار واعٍ مبدئيّ مدروس محسوب (إلى حدود العقائديّة أحيانًا)، لا من اختيار عفويّ أو استعلائيّ أو عاجز. بعض الشعراء يَنْظمون أشعارهم بالعامّيّة أو المحكيّة. هاتان تسميتان لمسمًّى واحد: اللغة التي يستخدمها العرب في الحياة الاعتياديّة اليوميّة. التسمية الثانية من بينهما ("المحكيّة") تسمية محايدة محدِّدة؛ فالمحكيّة -في هذا المَقام- هي لغة التخاطُب الاعتياديّ اليوميّ التي تنطق بها ألْسِنةُ العرب. أمّا التسمية الأولى ("العامّيّة")، فهي تسمية مشحونة بتحديد استعلائيّ يحمل افتراضًا أراه نائيًا عن الدقّة وعن الحقيقة وواقع الحال، مُفادُه أنّ تلك اللغة هي لغة عامّة الناس، وأنّ الخاصّة أو النخبة أو الصفوة (تعدّدت التسميات والاستعلاء واحد!) لها لغة خاصّة بها أرفع شأنًا لا يتقنها العَوَامُّ.
بعض الشعراء (كاللبنانيّ سعيد عقل -على سبيل المثال) يختارون النظْم بالعربيّة المحكيّة تعبيرًا منهم عن نزعة إقليميّة انفصاليّة، وترويجًا وترسيخًا لها، متنكّرين للانتماء العروبيّ، مدّعين أنّ المحكيّة التي يستخدمونها ليست لهجة بل هي لغة (كما في حالة سعيد عقل ذاته الذي يصرّ ويتعمّد استخدام التعبير "اللغة اللبنانيّة"). وتُرافقُ كلَّ هذا محاولاتُهم أن "يُؤَدْلِجوا" موقفهم بأفكار وادّعاءات هي مثار خلاف شديد، يضيق المجال هنا بتناولها وبتناول غيرها من المسائل التي نكتفي هنا بالإشارة إليها على نحو عاجل ومقتضَب.
وثمّة شعراء لا يتنكّرون للفصيحة ولا للعروبة، بل يتقنون الفصيحة في كتاباتهم الشعريّة والنثريّة، ورغم ذلك ينحازون إلى المحكيّة، منطلقين من فكرةٍ مُفادُها أنّ المحكيّة أقرب إلى أفهام عامّة الناس وأذواقهم. من بين حَمَلة هذه الفكرة الأخيرة، هنالك مَن "يغامرون" إذ يستغنون عن الانتشار الذي يُفتَرض أنّه من شأن الفصيحة أن تحقّقه لهم في البلدان العربيّة وغيرها، لا في بلدهم المحلّـيّ. ومنهم مَن ينحاز إلى المحكيّة باعتبارها قادرة على إيصال شِعره إلى الفئات الشعبيّة المحدودة من حيث العِلم والثقافة، وهي الفئات التي تُشكّل السوادَ الأعظم في بلدان العالم العربيّ؛ وفي الوقت ذاته يعتقدون أنّ الكتابة بـِ "لغة الشعب" هي انحياز إلى الشعب ذاته. منطلَقهم في ذلك أنّ الفنّ ينبغي له أن يحمل رسالة اجتماعيّة وتثقيفيّة. وكي تصل هذه الرسالة إلى عنوانها خيرَ وصولٍ، قراءةً وتأثُّرًا وتفاعلاً، ينبغي أن تكون مفهومة؛ وضمان الفهم يتطلّب السهولةَ والسلاسة -وهما سِمتان تتحلّى بهما المحكيّة (وَفق ما يرى هؤلاء الشعراء؛ ولنا أن نخالفه أو نتحفّظ ممّا ينطوي عليه من تعميم وبعض تَجَنٍّ على الفصيحة).
مِن بين مَن اختاروا المحكيّة لغةً لأشعارهم منطلقين من هذا الافتراض أو الوعي: الشاعران المصريّان المهمّان سيّد حجاب وعبد الرحمن الأبنودي، اللذان سُجنا في ستّينيّات القرن الماضي بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعيّ.
للأبنودي كتاب نثريّ لا أذكر اسمه في هذه اللحظات، ولا أعرف ما إذا كان له كُتُب نثريّة سِواه. وهو مجموعة من المقالات والخواطر مكتوبة بفصيحة جميلة متينة متمكّنة معبّرة رائقة. رغم تمكّن الأبنودي من الفصيحة كتابيًّا، ورغم أنّه يحمل الشهادة الجامعيّة الأولى في موضوع اللغة العربيّة وآدابها، يصرّ أن يَكتب شعره بالمحكيّة المصريّة.
ولسيّد حجاب نتاجات شعريّة مكتوبة بالفصيحة، بعضها شَدَا بها علي الحجّار في المسلسل الشهير "بوّابة الحلواني". وهي قليلة العدد -قياسًا إلى ما كتبه سيّد حجاب بالمحكيّة المصريّة- وذات جودة عالية، آمل أن أتمكّن من تناول بعض منها في مقالة منفصلة (بل لقد اخترتُ قبل بضعة أعوام أحدَ هذه النصوص الفصيحة -"يا هلالاً يتلالا"- لتدريسه ضمن دورة تعليميّة في إطار دار المعلّمين في حيفا). هكذا "يُثْبِت" سيّد حجاب -والأبنودي كذلك- أنّه يختار المحكيّة لغةً لمعظم شعره متعمّدًا، رغم تمكُّنه من الفصيحة وإجادته للنظْم بالفصيحة. يبدو أنّ الوصول إلى القاعدة العريضة من الجمهور العربيّ (وحالة الأمّيّة المستشرية في صفوف أبنائه مثار قلق وأسى) والتأثير في هذا الجمهور مسألتان مهمّتان في نظر حجاب ومشابهيه من الشعراء. وربّما انطلق هذا من الاعتقاد بأنّ الشعر الذي لا يصل كالشعر الذي لم يُكتَب، وأنّ الرسالة غير الواضحة كتلك التي لم تُرسَل أو لم تُكتَب. بل قد يزعم بعضهم أنّ الشعر الذي يحتاج إلى وسيط ما بين الملقي والمتلقّي ليس من المؤكّد أن يصل فعلاً -وإن وصل-. وقد يرتبط كلّ هذا بالاعتقاد أنّ الشعر القادر على التأثير هو شعر قياديّ: شعر قادر على إحداث تغيير وتحريض على السوء والشرّ والقبح.
ومن شعراء العرب مَن يختارون النظم بالفصيحة تعبيرًا منهم عن موقف سياسيّ عروبيّ، مؤمنين أنّ اللغة العربيّة الفصيحة هي أحد مقوّمات الأمّة العربيّة، وأحد الروابط المهمّة بين شعوبها. وهنالك -مِن هؤلاء ومن سِواهم- مَن يختارون هذا المستوى اللغويّ (الفصيح) استعلاءً على المحكيّة؛ إذ يرون أنّ الفصيحة أرقى من المحكيّة وأرفع. وثمّة مَن يختارها إيمانًا منه أنّ الفصيحة أثرى من المحكيّة وأرحب، ومن ثَمّ فاختيار الفصيحة لغةً للتعبير الأدبيّ يسهّل عليهم هذا التعبيرَ.
قد تكون العلاقة بين هذين المستويين (الفصيح والمحكيّ) تنافسيّةً عدائيّة إلى حدود الصدام، لكنّها -على صعيد الإنتاج الأدبيّ على وجه العموم، وعلى صعيد إنتاج الأديب الفرد على وجه التحديد- قد تكون علاقةً تجاوُريّة تصالحيّة تعايشيّة تأثّريّة مُفْضِية -أحيانًا- إلى حالة من الوسطيّة. فقد تؤثّر كلّ منهما في الأخرى على نحوٍ يجعل المحكيّة أرفَعَ (إن صحّ التعبير) والفصيحةَ أسْـلَسَ (إن صحّ كذلك). هذا ما نجده -على سبيل المثال- في تجربة الأخوين رحباني اللذين تعايشا مع الفصيحة والعامّيّة فأجادا الكتابة الشعريّة بكلتيهما. وهذا ما نجده كذلك لدى بيرم التونسيّ وفؤاد حدّاد وسيّد حجاب وعبد الرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم، وغيرهم من الشعراء الذين لم يَنظموا إلاّ بالمحكيّة، أو نظموا معظم نتاجهم الشعريّ بالمحكيّة، إذ جاءت أشعارهم -في أحيانٍ غير قليلة- مَصوغةً بلغة محكيّة متينةٍ متانةَ الفصيحة، أو مطعَّمة بمفردات أو تعابير فصيحة، أو مستمَدّة أو مستوحاة من فصيح الكلام، قادرة على مفاجأة المتلقّي وعلى تشييد قنطرة بين المستويين اللغويّين أو هدم بعض الحواجز الفاصلة بينهما. من ذلك (على سبيل المثال، واختتامًا لكلام لا ينتهي) ما يقوله فؤاد حدّاد:
"أحمدك يا ربّْ
أخدت تاري من الشبح التقيلْ
عمار الكدب في الزمن الضئيلْ"
ومنه قول الأبنودي:
..."وهذه الصُّرَرْ
على صدرك المبطّن بالحرير وبالصورْ
ماذا بتحوي من كنوز لعالمي الفقير المتهجّرْ؟
وذلك النور الغني بظلمته الأمان – من خلف بوّابات مهيبه –
فلتشفقي منّه على الزمن الضريرْ"
ومنه قول أحمد فؤاد نجم:
"مُرّ الكلامْ
زيّ الحسامْ
يقطع مكان ما يمرّْ"
ومنه قول سيّد حجاب في مقدّمة مسلسل "ليالي الحلميّة"، في حواريّة رشيقة:
- ومنين بييجي الشجنْ؟
- من اختلاف الزمنْ
- ومنين بييجي الهوى؟
- من ائتلاف الهوى
- ومنين بييجي السوادْ؟
- من الطمع والعنادْ
- ومنين بييجي الرضا؟
- من الإيمان بالقضا
بعد الختام، لا بأس من ملاحظة أنّ التزام الوزن والقافية في الشعر العامّيّ يَضطرّ الشعراءَ –أحيانًا- إلى استخدام مفردات وتعابير فصيحة. الأمثلة في هذا الصدد كثيرة، ويمكن ملاحظة ذلك في بعض المقتبَسات التي اختتمنا بها أعلاه.