غازي القـُصيبي والبحرين! - تأبيناً للمرحوم الدكتور غازي عبدالرحمان القصيبي
غازي القـُصيبي والبحرين!
الَمَّت بالمرحوم الدكتور غازي عبدالرحمان القصيبي وعكة سرطانية معوية بُعيد حلول عيد ميلاده السبعين الميلادي. (ولد في الاحساء، المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، في يوم السبت، 2 من مارس 1940م؛ الموافق 22 من المحرم 1359هـ؛ ثم نشأ وترعرع في البحرين).
كان د. غازي قد اتمّ دراسته الى نهايات المرحلة الثانوية في مدارس البحرين..ثم سافر الى مصر للمرحلة الجامعية الأولى، وكان معه عدد من ابناء البحرين، كان منهم: الشاعر/ عبدالرحمان رفيع، ورجل الأعمال/ محمد كانو، والقاضي/ محمد صالح الشيخ.
أشيرَ الى هؤلاء الأربعة ببعض بنان عند صدور اول رواية للدكتور غازي، شقة الحرية، بأنهم ربما كانوا المقصودين برفاق "فؤاد"، الشخصية الأساسية في الرواية. لكني سمعتُ كلاً من الأربعة وهو لا يقرّ بذلك؛ أما د. غازي نفسه، فكان يشير الى كون الكتاب "رواية"، وأن شخصياتها الأساسية الأربعة قد تنطبق على أي من رفاق الدراسة في القاهرة حينئذ، أو كل من رفاق الدراسة الأربعة اولئك.. (الذين بالفعل تشاركوا معه في سكناهم في شقة في الدُّقي في حي العَـَتـَبة خلال دراستهم الجامعية في القاهرة). لكنني لاحظتُ ان كلاً من الأربعة لم يؤكد.. ولم يدحض.
لقد لاحظت في البحرين ان كانت هناك محبة غادقة للدكتور غازي وحظوة في مختلف طبقات وفئات البحرينيين والبحرينيات. كما كان قد عـُدّ ضمن الشعراء "البحرينيين" في معظم المواقف، وخاصة في كتاب أعده د. هاشم العلوي، بعنوان: شعراء البحرين المعاصرون، فضم الكِتابُ 24 شاعراً "بحرينيا"، جاء د. غازي في اوائلهم.. بُعيدَ الشاعر إبراهيم العـِريِّض ومن كان في سِنه.
كما لاحظتُ حظوة خاصة ومحبة عند امير البحرين ولدى عموم شيوخها.. مثلما بين ادبائها واعيانها وعموم مواطنيها. ذات مرة، رأيت المرحوم الشيخ عيسى بن سلمان (والد الشيخ حمد، ملك البحرين الحالي).. وهو يعود د. غازي أثناء وعكة المّت به في 1985م، وقام شخصياً بزيارته في مستشفى البحرين الدولي.. قرب مسكن معاليه حينها في منطقه المقشاع،على طريق البُديّع. كما كان ملاحظاً ملاقاة الشيخ عيسى له ببشاشة وحفاوة، أكثر من البشاشة المعهودة منه اصلاً للجميع.
وكان مما لاحظتُ، عبر السنين، اهتمام د. غازي الدائب الدائم بالبحرين وشؤونها ومتطلبات التنمية فيها بعامة وبصفة متواصلة. فكان هناك الكثير مما شاهدته واستنبطته من وثيق صلاة د. غازي وحميم متابعته للتنمية والبناء في البحرين حتى وهو بعيد عنها في مختلف المناصب التي تقلدها.. في الرياض او خارجها.
وكان شريكه المباشر في تنسيق وتنفيذ المشاريع البحرينية المرحوم المهندس يوسف احمد الشيراوي-الوزير السابق للتنمية والصناعة في البحرين. فلقد كان الأخير دائب التواصل مع الدولة السعودية بواسطة د. غازي وعلاقاته الشخصية معه.. أو بحكم عضوية كل منهما في مجلس وزراء بلده.. أو مع تشابه التخصص الإداري بينهما احياناً ايضاً، مثلما حين كان القصيبي وزيرا للصناعة وللكهرباء حينما كان الشيراوي وزيراً للصناعة والتننمية.
ولكن اوجه التعاون والمشاركة السعودية في مشاريع البحرين لم تقتصر على باب او ناحية معينة. بل احسستُ وكأنّ المملكة كانت تنظر الى البحرين، وفيما وراء دور د.غازي، وكأنها قطعة من جسدها وتضعها قريبة الى قلبها. فمن بين مختلف المنشآت الكبيرة العامة فيها.. وفيما وراء مشروع الجسر الذي كلـّف -وقتها- ملياراً ونيَّف من الدولارات مَوّلتها المملكة. وكانت شركة "البلاد" السعودية المقاول الرئيس للمشروع.. (الذي نفذته شركة بالاست- نيدام الهولندية).
ولقد فهمت أثناء إقامتي في البحرين (لتي بدأت بإعارتي من جامعة البترول الى عضوية هيئة التدريس في جامعة البحرين، ثم مَدّدتها -أنا- فأقمتُ بعد ذلك لمدة عقدين وسنتين وشهرين ويومين!!)؛ أقول لاحظتُ أن مشروع الجسر كانت له جذور قديمة، منذ أيام الملك فيصل، حينما قدِمَ سمو الشيخ خليفة بن سلمان -رئيس وزراء البحرين- للقاء جلالته في 1969م.
وكان ولا زال هناك عدد من مشاريع التنمية والبناء التي ساهمت وتساهم فيها المملكة في البحرين، فكان من ذلك انشاء الاستاد الوطني (توأم استاد مكةالمكرمة الرياضي)، والمركز الطبي بمشفى السليمانية الملاصق لكلية الطب في منطقة المنامة، وغيرهما. وذلك إضافة الى تسيير رواتب عدد كبير من الممرضين والممرضات المتعاقدين في المشفيات، وعدد كبير من المدرسين والمدرسات المتعاقدين في وزارة التربية والتعليم، كانت معاشاتهم تصرف من مكتب الملحق الثقافي في السفارة السعودية، قبل وأثناء وبعد فترة خدمة د. غازي سفيراً في البحرين. فلم أستغرب مطلقاُ أن قام الملك عبدالله منذ شهور قليلة خلت بتقديم حوالي المليار لبناء مجمع طبي ونحوه في مملكة البحرين.
والذي فهمته ايضاً خلال إقامتي في البحرين ومن خلال قراءاتي، ان السعودية قامت وتقوم بهذه المساهمات.. ليس فقط من باب حسن الجوار، أو لتواشج أواصر الصلات الممتازة والمتميزة بين البلدين، ولا فقط حماية للبحرين من الضغوط الخارجية.. ولصون استقلالها (منذ استفتاء الامم المتحدة لشعب البحرين حيال رأيهم إما الانضمام الى ايران كما كانت الأخيرة تطالب.. او الاستقلال؛ وقد صَوّت شعب البحرين في 1965م لصالح الاستقلال)؛ ولا فقط لعضوية البحرين في مجلس التعاون الذي أُنشئ في 1981م؛.. بل أيضاً لسبب آخر سابق هو دور للبحرين في تأسيس الدولة السعودية الثالثة وإنشاء المملكة العربية السعودية أثناء قدوم المرحوم الملك عبدالعزيز بن سعود إلى شيخ البحرين قبيل مطلع القرن العشرين وحصوله على دعمَيه الأدبي والمادي.. في سيرورة محاولاته لاسترجاع الرياض من ابن الرشيد.
من جملة نقاط القوى المميزة للدكتور غازي أنه جاء من بيت ثراء وأيدٍ بيضاء؛ فلم يكن حتى يُظن به اي مظنّة مادية وراء اي من المناصب والمراكز الحساسة التي تقلدها؛ بل خدم وطنه كإداري مسؤول لا يحتاج هو الى الوظيفة يل هي تحتاجه؛ ولا يحتاج الى المردود المالي لمركزه الإداري.. بل المركز يحتاجه ويدر مردوداً مادياً بسببه.
وهو ابن التاجر الذي كان من كبار أثرياء عصره. فلقد كان والده، عبدالرحمان القصيبي، وهو الأحسائي المنشأ.. اول رئيس للغرفة التجارية في البحرين. ولم يتردد في مؤازرة ودعم المملكة في فترة من فتراتها التأسيسية أو العصيبة.
ولقد تمت تسمية والده من قبل المملكة، في خمسينات القرن العشرين، بمسمى "وزير دولة"، وبلقب "معالي". وكانت تلك التسمية وذلك اللقب، فيما أعلم، فقط له ولثلاثة آخرين من المواطنين الذي أسهموا مثله في خدمة ودعم الدولة/ الوطن. (و كان من الأربعة: "معالي" حسن عباس شربتلي، و"معالي" عبدالله بن عدوان.. (وللأسف، لا أذكر الآن الشخصية الوطنية الرابعة). كان تشريف أولئك الأربعة، بتلك الصفة، هو الأول من نوعه، وفيما أعلم.. الأخير.
من مواقف نبل المرحوم د. غازي، الحادثة الشهيرة التى وقعت في أواسط سبعينات القرن الماضي/العشرين. كانت حدثاً فريداً، حينما عرضت شركة كورية في قطاع الكهرباء مبلغاً من المال جاوز الثلاثة ملايين (وكان مبلغاً ضخماً وقتها) رشوة للمرحوم معالي المهندس محمود خليل طيبة، المسؤول وقتها عن المؤسسة العامة للكهرباء.. ذات التبعية لوزارة الصناعة والكهرباء ووزيرها د. غازي؛ فما كان من المهندس/طيبة، وهو صاحب زهد عميق، الأ أن اخبر د. غازي فوراً. وما كان من الأخير إلاّ وشجع المهندس طيبة على "قبول" المبلغ! وعلى ترتيب موعد ولقاء مع الكوريين في مكتب المهندس لتلقي المبلغ. وحينما أتى مندوبو الشركة حاملين شنطة سامسونايت فيها المبلغ نقداً، ومع بدء "الاجتماع"، اكتشفوا ما كان مُعداً لهم: ثلة من افراد الجهات الأمنية؛ ووقعوا في المصيدة!.
فهل من الكثير او من المبالغة حينما قمتُ بعنونة قصيدة من قصائدي في د. غازي.. بعنوان: مِن مثلِ غازي.. هاتِ يا أيامي! (القصيدة مشمولة في هذا المقال).
لقد سعدتُ بمعرفة المرحوم د. غازي منذ 1973م في الرياض حين كان أطفال كلٍ منا في مدارس الرياض الأهلية. ثم دام تواصلنا، على الأقل أسبوعياً، بما في ذلك في ديوانيته في السفارة السعودية في البحرين بعيد تعيينه سفيراً هناك (بعد ربيع ساخن في الرياض في 1984م).
حدث ان شرعتُ في نظم الأبيات مع بدايات فترة د. غازي.. في دولة البحرين. فطفقت آتي بين ثلاثاء وآخر.. من فترة لأخرى.. ببعض الأبيات..في قصائد غير مطولة.. كانت تتفاعل مع الأحداث.. مثل استشهاد "عروس الجنوب" (سناء يوسف محيدلي)، كردٍ على غزو لبنان؛ ثم مناسبات اجتماعية في الديوانية؛ وبعض الأقوال الغزلية؛ او ما كان في أبواب النصيحة؛ ثم عن حدث العصر المتمثل في غزو الكويت (الذي انبرى له د. غازي إعلامياً بالكاع والذراع)؛ وكذلك عدد من القصائد في مختلف الموضوعات.. كان فيها للرومانسية نصيب.
ولقد شجعني وقتها د. غازي.. حتى انه، لكرم لطفه، كان يطلب "الإعادة" (و لو انه كان يريد استيعاب البيت المعين.. ليساهم في "تجبيره"!) بل بلغ فضلُه ان طلب من وقت لآخر قراءة قصيدة كنت قد كتبتها في وقت سابق، وكان-ما ألطفه- يقول "أنا راوية الدكتور نتو"!.
وتجمَّعت عَبر السنين عشرات من القصائد.. كنت أدوّنها وأحملها في دفتر صغير.. دأبنا على تسميته بـ"الدويوين"، تصغير الديوان. ثم واصل د. غازي تلطفه بي.. بعد ان انتقل الى السفارة في لندن.. فكتب عني مقالاً في المجلة العربية.. ونوَّه بأبياتي التي صدرت في البحرين في شكل ديوان!.. ثم تمادى مؤخراً في تلطفه بي، فنشر المرحوم عني جزءاً في كتابه الأخير.
استمرت ديوانية د. غازي طيلة فترة عمله سفيراً في دولة البحرين لسبع سنوات سمان.. قبل انتقاله سفيراً في لندن لمدة اكثر من عقد من الزمان؛ وكانت الفترتان جزءاً من سيرورة حياته الزاخرة في كلٍّ من مجاليْ الدبلوماسية والادارة.. خدمة لوطنه في الداخل والخارج.
"ديوانيته" كانت ليلة أسبوعية ابتدعها د. غازي منذ تعيينه سفيراً، مساء كل ثلاثاء في مبنى السفارة السعودية في دولة البحرين، ثم شابهه عددٌ من سفرائنا في عدد من السفارات في الخارج. وكان يحرص على الحضور بانتظام، وعلى استضافة عدد من الزوار السعوديين المشاركين في عدد من المؤتمرات والندوات المنعقدة هناك، اضافة الى استضافة عدد من أدباء البحرين ذاتها.
كانت جلسات الديوانية في مبنى السفارة.. وقام د. غازي بتسمية الطابق الذي كانت الديوانية تعقد فيه بمسمى النادي، فكان من المرتادين منسوبو السفارة، سواء منهم العاملون في مبنى السفارة بالذات أم من الملحقيات التابعة لها: العسكرية، والدينية، والثقافية. وكان د. غازي يشجع على روح التسلية والحبور مع تناول القهوة والشاهي كل ثلاثاء في المساء.. وكل ليلة خلال رمضان. ومع تقديم العشاء كلما يستضاف ضيف.
كان المرحوم قد قام بتثبيت فكرة "النادي" في مبنى السفارة (ليجتمع فيه منسوبو المملكة المقيمون في البحرين مساءً في (الديوانية) في مخططات المبنى الجديد (الحالي) للسفارة، الواقعة بين السفارة الكويتية ومؤسسة النقد البحرينية، في الحي الدبلوماسي، على شارع الملك فيصل. وكان مقر "النادي"..في الدور الأول/ الأرضي، فصار المبنى الجديد يشمل بهو السفارة نهاراً، ثم يصبح في المساء ملتقى اسبوعياً.. وكذلك في الأعياد والمناسبات.. لمرتادي النادي من السعوديين المقيمين.. وللقادمين للسلام والتسامر من أهالي البحرين من أدباء وتجار ونحوهم.
وسرعان ما غادر د. غازي البحرين سفيراً للسعودية في لندن. ثم عُيــِّن الأستاذ عبدالله عبدالعزيز السديري سفيراً جديدا. وتم تنفيذ وتدشين المبنى كما رسم د. غازي له.. فاحتوت طوابقه المتعددة عدداً من الملحقيات المتجمعة، الى جانب مكاتب السفير.
كان مما يمارَس من تسالي في الديوانية هما لعبة الكيرم والبلوت. وذات رمضان، أقيم حتى "دوري" للعبة البلوت.. بل وتمَّ تقديم كأس للفريق الفائز! كان د. غازي لا يعرف لعبة البلوت.. لكنه كان يجيد لعبة الكيرم. وكان في النادي/ الديوانية أيضاً طقم لعبة الشطرنج وكان د. غازي يجيد هذه ايضاً؛ الا أنه لاعبني مرة.. وصادف أن فُزتُ، فكانت جولة تلك اللعبة الجولة اليتيمة والوحيدة التي جرت في الديوانية. وليت نتيجة لِعبنا لم تكن!!.
******
ممن اذكر الآن ممن احتفى بهم د. غازي في الديوانية بمبنى السفارة: الفنان/ رئيس الجمعية السعودية للفنون التشكيلية عبدالحليم رضوي؛ الفنان التشكيلي محمد السـِّليم؛ الأديب/مؤسس صحيفة الجزيرة عبدالله بن خميس؛ الأديب//رئيس صحيفة "البلاد السعودية" محمد حسين زيدان؛ د. رضا عبيد، رئيس جامعة الملك عبدالعزيز سابقاً؛ الشاعر البحريني عبدالرحمان رفيع؛ وغيرهم.
وممن أحتفى بهم د. غازي كان شاعرُ البحرين الكبيرُ ابراهيم عبدالحسين العِريّض، حينما منحته الدولة السعودية وسام الملك عبدالعزيز؛ وتم ذلك الاحتفاء في منزل د. غازي في منطقة الجسرة في حفل عشاء ضم عدداَ من المسؤولين والأعيان. كما أذكر العشاء الخاص انه أقامه د. غازي في داره لمعالي عبدالوهاب عبدالواسع.. وزير الحج والأوقاف وقتها.
كما احتفى السفير د. غازي بقدوم الأمير خالد الفيصل في 1985م، ايام كان الأميرُ مسؤولاً عن منطقة عسير، في أمسية شعرية عامرة في المنامة قدّمها سموُه، وشاركه فيها د. غازي بقصائد من بعض دواوينه.
وفي حفل استقبال جلالة الملك فهد في دولة البحرين لافتتاح تشغيل "جسرالمحبة" في عصر يوم الأربعاء، 26من نوفمبر1986م، الموافق 23 من ربيع الأول 1407هـ، ألقى د. غازي قصيدته المشهورة، ذات المطلع:
"ضربٌ من العشقِ، لا دربٌ من الحجرِ # هذا الذي نقلَ الواحاتِ للجـُزرِ"
(واحات الاحساء والقطيف من جهة، ومن الجهة الأخرى جزائر ارخبيل البحرين الثلاث والثلاثون). لقد عقد الافتتاح في حفل خاص في صِيوان أقيم على جزيرة أم الصُـبـّان، وهي الجزيرة الواقعة في منتصف الجسر ذي الطول الإجمالي 22 كيلاً بين البلدين. وهي التي تضمّ حالياً مركزي الجوازات والجمارك وكذلك مصلّى ومطعماً على كل جانب من الحدود (!!) إلا انه تقرر منذ سنوات قريبة إقرار العبور ببطاقات الهوية الشخصية بين طرفي الجسر، وهذا مما يفرح!).
في هذا الحفل، قام سمو أمير دولة البحرين آنئذ/ الشيخ عيسى بن سلمان الخليفة بإلقاء كلمة.. أعلن فيها إعادة تسمية الجسر بإسم جسر الملك فهد. (وكان جلالته قد قرر رفع نسبة البحرين من انتاج النفط بقرب جزيرة أم سعفة في منطقة خليج البحرين وخليج القطيف.. من 50 ألف برميل يومياً الى 100 ألف).
كما ان "جسر المحبة"/جسرالبحرين/جسرالملك فهد كان قد شمل.. مع وقت اتمامه -و بعده- إنشاء ورصف عدد من طرقات البحرين العامة والكباري والشوارع.. ليس فقط ما كان منها على الامتداد الموصل لانتهاء الجسر في ميناء سلمان في شرق البحرين؛ فلقد كانت فُرضات هذا الميناء تمثل "نهاية" طريق الجسر؛ وكان الدافع المباشر الذي ذُُكر قبيل بدء مشروع الجسر هو تخفيف الضغوط على ميناء الدمام.. ايام تزاحمت وتقاطرت البواخر عليه وكذلك على ميناء جدة.. وسعياً لحل مشكلة تأخر تفريغ البضائع لعدة شهور إبّان الطفرة النفطية الأولى في كل من المينائين. غير ان صيغة هذا التعليق -فيما أعلم- لم يتم تداولها منذئذ!.
كما أقام امير البحرين الشيخ عيسى بن سلمان حفل عشاء ضخم في قصره في منطفة "الرفاع" احتفاءً بمقدم الملك فهد.. ودَعى اليه عدداً من كبار البحرينيين والمواطنين السعوديين المقيمين في البحرين.. بمن فيهم أساتذة الجامعات.. رأيتُ منهم د. محمد محمود سفر، الذي كان رئيس جامعة الخليج حينئذ.
ثم أقام د. غازي ضحى الغد في حديقة منزله في منطقة "المقشع"/ المقشاع حفل استقبال للملك فهد وذلك لتلقي سلام المواطنين السعوديين المقيمين في دولة البحرين. ولقد لاحظتُ ساعتها تواجد الشيخ عيسى الى يمين الملك فهد.. ثم علمتُ ان الشيخ كان قد قرّر أن يكون هو "المرافق" (على وزن "الوزير المرافق") للملك فهد طيلة زيارته وخلال كل جولاته في دولة البحرين.. وذلك إمعاناً في الحفاوة والاحترام لجلالته.
******
في احدى الجلسات الدورية لديوانية السفارة، حدث ان كان الدكتور غازي مسافراً، فقلتُ فيه الأبيات التالية:
مِن مثلِ غازي، هاتِ يا أيامي!
مِِن مِثلِ غـازي، هـاتِ يا أيـّـامي مِن صِنـْفه، علـمـاً على الأعـلامِ
في كـلِّ تنمـية تجـِدْه "جـُبيلـَنا" يحدو الصنـاعةَ.. "ينبعَ" الأحـلامِ(1)
وكذا "الإضــاءة" بلْـوَرتْ أرجاءَنا أنــوارُها تـعـلـو مـع الأيـّـام
و"المَشفـيـاتُ" بـنـاؤُها ودواؤُها صَـرحٌ معـلىّ .. بــَلسمُ الآلامِ(2)
النـّـثر دارِسُـه، والشـّـعر فارسُهُ سِـيـّانَ في الإنـثـار والإنـظـامِ
قد صـالَ في لغة البـديـع يـراعُـه و لدَى الفرنجِِ.. لسـانُ باكنهـامِ(3)
نجـمُ السيـاسة، عـالماً ومـعـلـماً في الجامعـات عَميـدُها المتسامي(4)
هو في الـوزارة والسفـارة لـؤلـؤٌ في صدر منبرِه العليْ (الدِّبلامي)(5)
الجسـر واكبـَه، بـَدءاً بـنشـأتـه للإفـتتـاح.. وكـان فـي الأحـلام
أنظـر وعـدِّدْ في منـاكب أرضنـا تـحـصى منـاقبُــه بلا إيـهـام
هـذي المبـرّةُ للطفـولة أنشـئـت تسعى لصـونِ الجسـم والأفهـامِ(6)
وهو الوفـاءُ، وفي الخليـج شـواهدٌ مـحـفـوفـةُ بالبـِرّ والإسـهـامِ
وهـو الوفـيُّ لكلِّ ضيـفٍ وافــدٍ وهو القـُصيـبـيْ.. مـَفخرُ الآنـامِ!
1. عضو الهيئة الملكية للجبيل وينبع، التي عملت على انشاء عدة مشروعات صناعية في تلكما المدينتين، الأولى في شرق المملكة العربية السعودية والأخرى في غربها؛
2. وزارة الصناعة والكهرباء؛
3. المَشفيات= "المستشفيات". أصبح معاليه وزيراً للصحة، وكانت آخر وزارة تولاها قبل نقله الى البحرين سفيراً.
لغة البـَديع: أقصد هنا اللغة العربية.
لغة "باكنهام": اللغة الانگليزية، إشارة هنا الى القصر البريطاني المعروف، باكنگهام.
4. استعمالي للفظة "دبلامي" هو تحوير تجديدي مني، والمقصود "دبلوماسي"؛
5. شغل د. غازي منصب عميد السلك الدِِّبلامي/ الدبلوماسي في دولة البحرين.
6. كانت من جملة اعمال الخير التي قام بها د. غازي– في فترة عمله في الرياض قبل مغادرتها سفيراُ في البحرين.. إنشاؤه مبرّة ترعى الأطفال المعاقين.. وكانت الأولى من نوعها، وكان لي شرف ان أكون وقتها عضواً مساهماً فيها. (بعد مغادرة د. غازي الى البحرين، تلاه في رئاسة مجلس إدارتها الأمير سلطان ين سلمان..رائد الفضاء السعودي.. الرئيس الحالي للهيئة العامة للسياحة والآثار).
المناصب التي تولاها د. غازي:
· أستاذ مساعد في كلية التجارة بجامعة الملك سعود في الرياض 1965م /1385هـ
· كما كان، في فترات: مستشاراً قانونياً في مكاتب استشارية؛ وفي وزارة الدفاع والطيران.. (لعلها شملت استشارات قانونية خلال بعض المشاكل من اليمن)؛ ووزارة المالية؛، وكذلك معهد الإدارة العامة.
· عميد كلية التجارة (كلية العلوم الإدارية) بجامعة الملك سعود 1971/ 1391هـ
· مديرعام المؤسسة العامة للسكك الحديدية 1973/ 1393هـ
وكان يقدم برنامجاً على التلفاز السعودي بعد ظهر الجمعة، تعليقاً على احداث الأسبوع).
· وزير الصناعة والكهرباء 1976/ 1396هـ
· عضو، الهيئة الملكية للجبيل وينبع، (برئاسة الأمير/الملك فهد)؛ 1976م/ 1406هـ
· وزير الصحة 1982/ 1402هـ
· سفير السعودية لدى البحرين 1984/ 1404 هـ
· سفير السعودية لدى بريطانيا 1992/ 1412هـ
· وزير المياه والكهرباء 2003/ 1423هـ
· وزير العمل 2005/ 1425هـ حتى وفاته: الأحد 15-8- 2010
5 من رمضان 1431هـ
******
وبعد،
تمّت مؤخراً معالجة د. غازي في مرضته الأخيرة في أمريكا، وقضى فترة نقاهة في ولاية أريزونا.. ثم في منزله في منطقة الجسرة في غرب مملكة البحرين؛ وبعد معاودة معالجته في مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض.. توفي المرحوم في ناصفة اغسطس 2010م/ في الخامس من رمضان 1431هـ.
حضر الصلاة عليه نائب أمير الرياض الأمير سطام مع جمع من المصلين، بإمامة سماحة مفتي البلاد، في مسجد الإمام تركي بن فيصل.. في الرياض.
وداعاً.. يا غازي!
د. ابراهيم عباس نَتّو
عميد سابق في جامعة البترول.. السعودية