نحو مجتمع متصالح عندنا
ما أرى في مجتمعنا، وما رأيته عبر عقود من السنين.. فيه الكثير مما يُحزن؛ وما أتوق إليه هو أن يتغيـّر الوضعُ، وأن يتحسن.
بعضُ ما سياتي في هذا المقال مُزمنٌ، وبعضه مُحْدَث نتيجة طفرات النعمة الحديثة؛ وكلاهما متزايد ويحسن التوقف عنده والتناصح حوله. حاولت هنا الاقتصار على الموضوعات “الاجتماعية” بعامة وما كان للتربية فيه النصيب الأوفر بخاصة. ستأتي هذه المقالة في 16 بنداً، كما هو مُبين في العناوين الفرعية أدناه .. لتمثل مجموعة أولى مما عندي.
نحن لا نقرأ:
نحن شعبٌ في عمومنا لا نقرأ الا النزر اليسير، وأقل القليل .. (عدا ربما عن الكرة) حتى أن عدداً من دور الصحافة والنشر دأب على التجاوب مع ذلك التوجه.. وذلك بتخصيص صفحات وصفحات في الجرايد؛ بل وبرزت أعداد من الصحف والمجلات ومطبوعات الرياضة بأنواعها. وبالطيع لا بأس في ذلك.. خاصة اذا كان ذلك -ضمن- القراءة العامة اليومية.. وإذا لم تقتصر القراءات الكروية فقط عن فريق معين مفضل او لاعب معين ورغم حرص كثيرٍ ممن يـُعدّون “سيرتهم الذاتية” على ذكر “القراءة” كأول ما يُسرد من “هوايات” او “مهارات”، إلا اننا نجد ان ذلك هو مجرد تقليد وتعَوّد في نمط إعداد السير الذاتية! فإننا نجد في واقع االحال، وكواحد من مؤشرات قلة القراءة.. هي قلة التأليف والنشر أصلاً؛ فلقد تواتر ذكر عدد الكتب التي تنشرها دولة اسبانيا وحدها.. بما يتقارن مع أكثر من مجموع ما ينشر في الدول العربية برمتها! وهلـُمّ جراً.
أطفالنا مغيبون:
نجد أننا نكثّرهم ونكاثرهم، فتتناقص بالضرورة موارد الوقت والجهد والمادة. ثم يمضي ويمعن بعضنا في إكثارهم. بينما المعدل السوي لصالحهم (آباءً وأطفالاً.. ومجتمعاً..) هو حوالي اثنين.
كذلك، وفي المقابل، نجد ان “الوقت النوعي” مع اطفالنا يتضاءل الى ما يقرب التلاشي. وحتى حينما يتسنى لبعضنا الالتقاء بهم، هب أثناء وجبة الغداء، فإن فـُرَص ومجالاتِ التحادث النوعي والتفاعل الودودي مع كلٍ منهم ربما تراوحُ بين القليل والنادر.. خصوصاً في بيوت العوائل المكثرة للأطفال.
“الوقت النوعي”، بين الأبوين وأطفالهما، هو أساس تكوين العلاقة الحميمة بينهما، وعبر الأجيال؛ وفيه فرصة لتفقد الأحوال العامة.. والشخصية؛ ولتأصيل المودة. وهذا الوقت النوعي يمكن ان يأتي في شكل جزء من ساعة او حتى بضع دقائق.. طالما جاء في شكل “نوعي” فعلاً، وبشكلٍ مركَّزٍ ومنتظمٍ وحميم.. بعيداً عن المعتاد من التركيز على التوجيهات والأوامر والزواجر.
ومع تكرار التغيب والغياب.. ربما يتم تـَجيير فرص التحادث والتفاعل إلى الشـّغالة / المساعدة. فيكون الأطفال في نوع من اليـُتم، او كما قال شوقي:--
ليس اليتيم من انتهى أبـواه من هـَمِّ الحيـاة وخـَلـّفـاه ذليلا
إنّ اليتـيم هـو الـذي تَلقى لــه أُماً تخـلت او أباً مشغـولا!
ومع تغيبنا عن اطفالنا، وتركهم إمّا في احتضان وصحبة الشغالات داخل المنزل، او في أحضان رفاق السوء في خارجه، يتبع ذلك ما يتبع من ضياع سلوكي وصحي وشخصي.
وبالنسبة للضياع.. خاصة خارج المنزل، فلعلّ من المناسب النظر فيما أعلنت عنه إدارة الجمارك العامة عندنا (18من يوليو، 2010م/6 من شعبان1431هـ) عن القبض على 17 مليون قطعة من المخدرات خلال الشهور الستة السابقة لذلك التاريخ.. منذ بدء ذلك العام (بي بي سي/عربي، نشرة اخبار 5م). فهل لنا أن نسأل: يا ترى إلى من كان مجرمو التهريب وغاسلو الأموال، الى مَن كانوا متوجهين ببضاعتهم هذه.. وهل هم غير اطفالنا؟.. مراهقينا.. شبابنا وشاباتنا؟!.
مناهجنا مزحومة.. ومفككة:
اتذكّرُ منذ عقود كثرة تبادل الأهالي التعليق على “مشكلة المناهج”.. وعادة ما كان في بالهم كثرتها؛ وأنها عبر السنين طفِقت تزداد. بل صِرنا نسمعُ بين حين وآخر رغبات بعض المسؤولين في ادخال مادة كذا او تلك.. زيادة عن الجدول الدراسي الأسبوعي القائم.
ومن اسباب اكتظاظ المناهج حالياً تجزيء بعض المواد.. مثل مادة اللغة العربية، الى عدة مواد.. تصل الى خمسة.. بدلاً من تكاملها وتجميعها؛ وكذلك موضوعات الدين.. فنجدها في عدة “مواد”.. بدلاً من تجميعها في تكامل متماسك.
فإذا ما تم التكامل الكـَمي والنوعي، فإننا سنجد تخفيضاً لتضخم مجموع المواد من حوالي 17 مادة الى 10 مواد فقط --مع التركيز على الشمولية والتعزيز والترابط والتكامل. في المناهج-- وفي طرائق ووسائل وجدولة تدريس تلك المواد.
زيفُ درجات “نجاح” اطفالنا:
مضينا عبر السنين في تفاقم وتعاظم توقعاتنا (أطفالاً وأهاليَ) في طموح متزايد لارتفاع درجات التحصيل العالي في نتائج الاختبارات في المدارس والمعاهد والجامعات. وأصبح في حكم النادر رؤية علامات مثل “مقبول/60” او حتى “جيد/70” (ناهيك ذكر تقديرِ “راسب”، وكأنّ في ملايين طلابنا وطالباتنا من لا يحقّق، ومن لا يمكن ان يستحق، ذلك المستوى).
وبذا نجد أنه صار من المعتاد رؤية كفة ميزان “التقدير الدراسي” مائلة كلَ الميل (او ما يسمى في علم الإحصاء بالانحراف المائل (أو الانحراف الشـَّزري!). وبذا تجد النتائج عامرة بـ”جيد جدا”.. والكثير من “ممتاز”.. مع القليل من “جيد”.. (وكأنَّ الآخير ليس هو النمط والوسط الوسيط، وكأنه ليس موقع السواد الأعظم من الناس).
كما نجد ان كثيراً من المدرسين والمدرسات.. لضغوط أو أخرى.. للمجاملة أحياناً أو حفاظاً على الوظيفة في احيان اخرى.. فنجد انهم فقدوا بوصلة التقييم والتقويم.. وتخلوا عن معايير مثل “المنحنى” الطبيعي (في شكل الجرس الإحصائي لتعداد وإخراج نتائج الاختبارات، حيث تأتي شريحة “الممتازين” في حدود 5% في جانب، وبمقابلها فئة الضعاف --نعم وفئة “الراسبين”-- في الجانب الآخر؛ ثم حوالي 60% في الوسط ممثلاً للمتوسطين و“الجيدين”.. مع كون ذلك يمثلُ القلب (والغالبية)،.. محفوفاً بجناحي “الجيد جدا” من جهة؛ و“المقبول” في الجهة الأخرى،.. بنسبة في حدود حوالي 15% لكل منهما).
ونتيجة لكل لتضخم علامات التقويم، فإننا نجد في نهاية كل فصل دراسي.. وخاصة عند نهاية المرحلة الثانوية، نجد من يتباهي بمستوى تحصيله (أو تحصيل ابنه) الدراسي، وأنه جاء بين 93 و97%.. أو مثل هذا من التباهي الزائد. ثم يشتكي ويتساءل (بإخلاص): كيف لم يتم قبوله في هذه الكلية او في تلك! وبتحاشينا النظام الرسمي العالمي الموضوعي العلمي للتقييم والتقويم؛ فيتلاقى عندنا-للأسف- تعاظمُ الخيال مع الإحباط والاحتباط.
فوضى المزواجيات.. وانفلات التناسل:
يلاحظ، منذ سنين عديدة، كثرة السكان عندنا، ليس فقط مقارنة بمعدلات النمو السكاني في الدول المتقدمة.. بل ومع المعدلات “العالمية” بعامة.. بل، وهو الأهم، مقارنةً بالموارد البيئية والزراعية والبقع المحدودة القابلة فعلاً للتواجد السكاني، ناهيك عن ضآلة مختلف المرافق الترفيهية والمطلوبة للحياة “النوعية”، مثل صيانة الطرق السليمة والطرقات الجميلة، والحدائق العامة، والفصول الدراسية المتخمة، ومواقف السيارات، ومواعيد العيادات الطبية، وأسِرّة وحجرات المشفيات.
ومع كل هذا، وبخاصة بعد تتالي الطفرات النفطية، فإننا نلاحظ التوجه العام للأسف الشديد عندنا فيما يشبه التسابق في كثرة الزواجات وترادفها، وأصبحنا مبدعين في اختراع أنواع وأنواع من الزواجات والمزواجيات (تجمع عندي ما وصل الى 10 أنواع، بدءاً بالمسيار والمسفار والمصياف...)، مما يساهم بوضوح بمعدلات عالية في تفاقم المشكلة السكانية التي هي أصلاً متخمة. (معدل النمو السكاني في الدول المتقدمة: 0.8%؛ وفي العالم بعامة: 2.5.%؛ أما عندنا فيبلغ ويزيد عن 3.5%!).
وكان البنك الدولي في تقرير له في بداية سبعينات القرن الماضي ومع خطة التنمية السعودية الأولى، قد قرع جرسَ الإنذار ونبّه الى ارتفاع نسبة النمو السكاني تلك. ولكن، ومع تدفق إنتاج النفط وخاصة مع تدفق ريعه المتزايد (من دولار واحد وثلث للبرميل في أوائل سبعينات القرن العشرين.. الى 18 في أواخر ثمانيناته، ولفترة معينة -قبيل حوالي السنة- وصل الى 170، ثم عاد يراوح الـ70 مؤخراً).. فلقد دخلنا في سبات عميق، وطفقنا نواصل الافتراض (الضعيف جداً) بأن “الفلوس” تحلّ كل شيء. ولم تفعل. ولن.
وفيما يخص التزاوج، فتجد عندنا ان ليس من النادر تكراره وتعدده؛ وبالطبيعة يؤدي ذلك التكرار الى كثرة “التظريب” / التناسل المفرط، وينتج عن ذلك.. بالطبيعة.. انتماءُ 8 أو 10 او حتى 12طفلاً لكل “أب”، مما لا يسهل معه أحياناً حتى تذكُّره أسماءَهم!.. ناهيك تتبّع الوضع الشخصي او النفسي عند هذا الطفل او ذاك؛ او تحسّس وضعه الصحي عن كثب؛ او النتائج الدراسية لهذا او هذه او ذاك او تلك.
قـنبلة سكانية:
في الثلث الأخير من القرن الماضي، دأبَ عددُ كبيرٌ من الكـُتاب والباحثين الجادين على الاهتمام بالبيئة ومستقبل الانسانية.. في السعي الحثيث في محاولة ايقاف -أو الحد من- التدهور الكبير في الموارد الطبيعية في الكرة الأرضية، وفي تنبيههم الى دور الانسان في ذلك، بما فيه المساهمة الدائبة في جرح غلاف الأوزون وأثره الفادح على كوكبنا المسكون.
فكان من الكتب العديدة المنشورة ما سمي بـ”الانفجار السكاني”، ومنها ما كان عنوانه “النمو الصفري للسكان”(حيث الزوجان ينتجان طفلين يخلفانهما)، بل وأيضا: كتاب “القنبلة السكانية”؛ وغيرها من العناوين والمنشورات والدراسات الرصينة. وفي المقابل، طفقنا عبر السنين نسمع من وعن عدد غير قليل من الزميلات والزملاء من مواطنينا.. وهم يعبـّرون عن عدم الحاجة الى النظر الى وضعنا السكاني على أنه “مشكلة”.. مشيرين إلى أن وضعنا “غير”.. وان لنا “خصوصيتنا”؛.. وما أغربها من لفظة!
وخلال “نقاشهم”، نجدهم يشيرون الى “سعة رقعة بلادنا”، ووفرة “المال”، وكأنهم ينسون -أو يتناسون-.. أن المسألة ليست مسألة مال؛ بل أن المسألة هي ذات زوايا وشعب تنموية لا يقوى عليها المال.. حتى ولو توافر.. وحتى لو تم صرفه بشفافية ورشد! ويتناسون، كذلك، أن رقعة الارض الصالحة اصلاً للعيش الكريم او السكنى البشرية- هي رقيعات محدودة وانها تتضاءل باضطراد يوماً بعد يوم.. بسبب التصحّرِ الدائم وزحفِ الرمال الداهم. (في الأردن، مثلاً، رغم تعدد مصادر المياه ونهر الأردن واليرموك الخ، فإن الرقعة الزراعية لا تصل مساحتها حتى الى الـ10% (..9.8% في 2010م)؛ وليس بلد النيل و“هِبته”، مصر؛ وليس بلد “النيلين” -السودان- عن ذلك الواقع الحزين ببعيد!.
ومع ضآلة رقعة الأراضي الزراعية او حتى الصالحة للسكنى، فإننا نجد.. مصاحباً لذلك.. تفاقم الازدحام السكاني، نتيجة لقلة تنظيم الأسرة!؛ فنجد ان مصر، مثلاً، تنتج ما يقارب المليون(900000 نسمة) سنوياً؛ و500000 نسمة في سورياًُ.. كل سنة.
وغني عن حتى الإشارة الى شُح المياه، أهم وأساس مقومات الحياة؛ وإذا أخذنا حتى دولنا الأكثر ثراءاً فإننا نجد معاناة كبرى في توفير المياه في صراع مستميت مع الطبيعة حتى اضطررنا الى تحلية مياه البحر.. وذلك بإقامة محطات بعد أخرى على طول السواحل. ومع ذلك سيبقى شحُ المياه مشكلة قائمة.. دائمة.
في المقابل، يقوم المجادلون (بالكلام عن “توافر السعة والمال”...) وبتناسي شكاواهم أنفسهم وتعبيرهم بحرقة عن: مشكلة القبول في الجامعات، وتكدّس صفوف التعليم العام لتصل حوالي الـ50 او حتى الـ60 طالباً في الصف الدراسي الواحد؛ بل وحتى بفتح بعض المدارس في دوامين في اليوم الواحد.. في محاولة لتلبية حاجات الأعداد الضخمة من السكان؛ ثم.. أيضاً.. شكاوى نفس أولئك المجادلين- من تباعد مواعيد مقابلة الطبيب، أو من طيلة فترة الحصول على قرض عقاري، او من طول فترة الانتظار حتى لحجز قاعة لعقد حفل زفاف.. التي قد تصل الى اكثر من ستة شهور. (حسب تعداد 2010م، وصل الحجم السكاني في المملكة: 27.136.977 نسمة)!.
إن البطالة أصلها “التظريب”/ كثرة لتناسل:
(لفظة “التظريب”.. في لهجة أهل مكة تشير الى الانفلات في التناسل.) إن المعدل العادي للنمو السكاني في الدول المتقدمة هو حوالي 0.8%، والمعدل العام في العالم يحوم حول 2.50%، بينما عندنا يصل الى 3.50% او يفوق تلك النسبة. وهناك قاعدة عند الباحثين الجادين المختصين في مجالات القضايا السكانية وأزمات الإسكان والتنمية الاجتماعية والتلوث البيئي، فيقولون بقاعدة مؤكدة عبر العصور، مؤداها ان هناك علاقة عكسية بين النمو المضطرد للسكان، من جهة، وبين مدى نمو الموارد. وبعبارة اخرى، فهي علاقة ثابتة سالبة: كلما تكاثر السكان، كلما تضاءل توافر الموارد. كما يحسنُ تذكـّر النظرية الشهيرة للعالـِم “مالثوس” عن هذا: يأتي نمو الموارد الأساسية الطبيعية البيئية بنسبة زيادة حسابيٍة بسيطة --مثلاً: 4+4=8.. بينما يأتي تزايد نمو السكان بنسبة مضاعفة/ هندسية (4×4=16).
فهل يكون من المستغرب ان تتنامى نسبة “البطالة”، التي هي يالضرورة نتيجة حتمية للأعداد الغفيرة للمتخرجين، وقبلها خلفيتها في الأعداد المكتظة الناتجة عن التناسل المفرط! وتشير الأرقام الى ان حوالي 25% عندنا “عاطلون”، وجـُلُّ البقية “مَدينون”.
فكيف لأسرة من 8 أو 10 أطفال ان تصل بهم الى خط نهاية الدراسة الثانوية.. رغم التساهل في الدرجات والتقويم.. ناهيك أن تصل بهم الى خطوة القبول في الجامعة (ثم التخرج منها)؛ ثم كيف لنا -أيضاً- توقــّع أن يحصل كل من اولئك الثمانية او العشرة.. او ربما حتى اكثر من ذلك.. كيف لهم جميعاً حصول كل منهم على أي وظيفة، ناهيك ما يتطامح اليه عندنا من “مستوى” و“مردود مالي”، وايضاً قربٍ مكاني؟؟.
قد يكون من عالي موفـّقية الأسرة اذا تم فعلاً تخرّج ثلاثة من كامل أولئك العشرة؛ ثم قد يكون من حسن طالعها إن تم توظيف واحد من الثلاثة. أمـّا ان نمضي في توقع أن نـُنجب ما لا يُحصى، ثم.. أيضا.. نتوقع توظيف كل ما نـُنجب.. فهو اقرب الى الجناية التي عبـّر عنها شاعرنا أبوالعلاء المُعرّي:
هـذا جـناهُ ابي عـليّ ومـا جـَنيتُ على أحد!
في بيتنا “دَغل”..عُنف:
نقول في لهجة أهل مكة فلان “دِغِل”، بمعنى: قاسي، فظ، غليط القلب (أصلها من الأدغال). نجد أن العنف يتفشّى عندنا؛ ويقوم كثير من الرجال في بيوتنا بما يسمى بالعنف الأسري.) و“العنف” هنا لا يقتصر على العنف “الجسدي”؛ بل يشمل أنواعاً متعددة، المباشر منها واللفظي، بل والنفسي.. قد لا يسْـلم منه الأقربون (الأولاد، الزوجة ولا غيرُهم (الموظفون، المستخدمون)؛ وقد يأتي العنف بأنواعه.. بشكل مباشر؛ وقد يأتي في شكل “سلبي”.. بأسلوب ما يسمى بالـ”صهينة”.. او السكوت القاهر. (اصبح هناك يومٌ أممي مسمى بإسمه: 26 من شهر يونية في كل عامً).
كيف لرجل ان يضرب امرأة!.. ناهيك زوجته، شريكة حياته، أمَ عياله! في حال ضرب الزوج زوجته، فإن من أشد العجب التحول “الدراماتيكي” في “العلاقة الزوجية” بين ما كان -خلال مرحلة الخطوبة وما قبل “الزفاف”- ثم ما بعد. وقد يصل التحوّل الى نحو الـ180 درجة. فقد تبدو العلاقة قبل الزفاف/ الزواج “رومانتيكية/رومانسية”، مغموسة في العسل، ملفوفة بالورود؛.. لكن سرعان ما يتحول نفس الرجل، ويصبح قائداً عاماً، و”سيد البيت” الخ، فيبدأ الزجر والنهر والأوامر والنواهي؛ ويتحول الزوج من خاطب، عريس.. الى: آمر، حاكم، ناهً!.
(ومن العجيب ان يمسي عريسُنا مصدراً سلطوياًً لتصنيف المسموح والمحظور، او حتى للخروج من البيت او البقاء.. بعد أن كان أسلوبه --قبل قوله “قبلت نكاحها”-- في غاية الدبلوماسبة والتبادلية والتعادلية، وفي أسلوب من التعامل باللطف والمجاملة والمرونة والتعبير بمختلف انواع الدماثة والحبور والابتسام والافتتان.. بعيداً عن السيطرة والتسلط والعنفوان).
ومن العنف المنزلي ما يأتي في حالات مثل “العظل”، مثل عندما يسوم الأب ابنته بالعذاب (ابنته المعبرة برأيها حيال من تريد ومن لا تريد التزوج به). في مثال قريب، قام أبٌ بعظل ابنته وهي في عشرينياتها، ثم واصل موقفه وعنفوانه نحوها حتى وصلت سن الثلاثين؛ ثم تمادى بعد ان تعدّت الأربعين.. واستمر والدها في سلوكه تجاه ابنته تلك بأنواع القسوة. ومرت سـنوات الإساءة.. فقط لأنها رفضت التزوّج ممن اختاره وفرضه هو.. ولأنها رغبت الزواج ممن أرادته هي!.
تدهور حقوق الزوجة بُعيد بدء “الزواج”:
يبدو ان لطبيعة الرومانسية الغادقة قبل قول “قبلتُ نكاحها” ما يغيّب بعض حقوق المرأة؛ ومن ذلك ما يحق شرعاً للزوجة الاحتفاظ به في عقد الزواج (ضمن حقوق يمكن النص عليها بتوافقهما بوضوح في فقرات العقد، ضمن بنوده.) من ذلك: حق الزوجة في “العصمة”، (او حق المشاركة في ذلك الحق) إن كان ذلك مما تريده هي قبل توقيعها عقد الموافقة على الاقتران بمن جاء “يطلب يدها” - وذلك ضمن شروطها في “عقد النكاح”، والعقد شريعة المتعاقدين؛ أو على الأقل في توافقها مع الزوج/ أو حتى تواجدها وحضورها عند وقوع الطلاق.. بدلاّ من أن يصار الى كونه من حق الرجل حصراً!.
وأثناء عقد النكاح- قد تحُول حالة الرومانسية والتشاغف وأيضا الحياء (بمعنى الخجل).. من امتناع المرأة من ان تنبس ولا بشق شفة، وبذا تفوِّت على نفسها حتى ولو شيئاً من خط الرجعة -أو الخيرة. وبذا تفقد الزوجة حقاً كان من حقوقها، وتمرر فرصة كانت مواتية، ستفقدها حال التوقيع بالموافقة المفتوحة (او غير المقيدة /او غير المشروطة).. أثناء صياغة صك “النكاح”.
عميد سابق في جامعة البترول