في رحيل الروائي الجزائري الطاهر وطّار

شاكر فريد حسن قرأها 1,095

في رحيل الروائي الجزائري الطاهر وطّار

مبدع آخر يودع الحياة ويرحل الى عالمه الأزلي، انه الكاتب الألمعي المتألق الطاهر وطار، أب الرواية الجزائرية المعاصرة، وصاحب "اللاز" و"الزلزال" و"العشق في الزمن الحراشي".. تلك الروايات الشهيرة والجميلة، التي قرأناها بلهفة وتمتعنا بها وتعرفنا على عالم كاتبها  في أواخر السبعينات من القرن الماضي.

في رحيل الروائي الجزائري الطاهر وطّار

والراحل الطاهر وطار أحد روّاد الرواية الجزائرية والعربية الحديثة، انحدر من جذور شعبية ريفية، امتهن الكتابة الصحفية والروائية منذ شبابه المبكر، وانتمى للفكر اليساري التقدمي، والتحق في صفوف جبهة التحرير، وشارك من موقعه الفكري في تحرير بلاده من ربقة الاستعمار الفرنسي.

والطاهر كان انسانا عنيداً وصلباً، ومثقفاً ثورياً وعضوياً صاحب مواقف وطنية وتقدمية أصيلة وراسخة، أخلص لرسالة الأدب والفكر، وشكل مع مجموعة من المثقفين الجزائريين مؤسسة الجمعية الثقافية الجاحظية، التي لعبت دوراً حقيقياً وطليعياً مهماً في الحراك الثقافي وتنشيط الحياة الفكرية والإبداعية في جزائر المليون شهيد.

لقد تعرّف القارئ العربي على الطاهر وطار حين صدرت روايته " اللاز" التي تصور مرحلة الكفاح والنضال من أجل التحرر والاستقلال. وهي رواية ملتزمة ترسم بشكل رائع بلاده، التي قال عنها في المقدمة "بلاد التسيير الذاتي والثورة الزراعية وتأميم جميع الثروات الطبيعية". كما وتطرح واقعاً سياسياً وفكرياً مرت به الثورة الجزائرية وما اعتراها من صراعات داخلية.

وفي هذه الرواية التي تحكي قصة الثورة الجزائرية استطاع الطاهر وطار ان يصور بدقة متناهية وموضوعية أهمية الوعي السياسي في النضال من أجل التحرر والتحرير. الا ان العقلية الرجعية المتخلفة والعفِنة لم تقبل بهذا الوعي فخنقته واغتالته هو ورفاقه، الذين جاؤوا للدفاع عن الجزائر ونصرة الشعب الجزائري في ثورته الماجدة في سبيل الخلاص من براثن الاستعمار الفرنسي. كذلك وفق الطاهر في رسم موقف الأمميين الفرنسيين الأربعة الذين جاؤوا ليحاربوا في صفوف الثورة ضد المستعمر الفرنسي، فهم أمميون، والأممية عندهم التزام، والالتزام قضية ومبدأ.

اما "الزلزال" فهو عمل روائي فني يبرز وجه الجزائر بعيد الاستقلال، ومن خلال الأحداث نتعرف على واقع الشعب الجزائري وعلى التحولات النوعية، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية، التي طرأت على المجتمع الجزائري. ونتفاعل ايضاً مع أبطالها، مع أطفال قسنطينة وشبابها الواثق المؤمن بالمستقبل.

والطاهر وطار يخلط بين الأساليب المباشرة والأساليب غير المباشرة، ويقول على لسان إحدى شخصياته بأن المباشرة السياسية، اذا أُحسن استخدامها، أداة نضالية يحاول البعض تحطيمها". وفي الجزء الأول من روايته "العشق والموت في الزمن الحراشي" نجد اهتماماً بالجانب الفني بينما تحتل الايديولوجيا معظم الجزء الثاني.

وبالإضافة الى هذه الروايات فقد ترك لنا الطاهر أعمالاً إبداعية أخرى، أبرزها: "عرس بغل"، "الولي الطاهر يرفع يديه بالدّعاء"، و"الشهداء يعودون هذا الاسبوع".

وغني عن القول، الطاهر وطار كاتب وروائي مشاكس ومميز، ومن أعلام "الواقعية الاشتراكية"، آمن بأن الأدب للحياة والشعب ويجب تكريسه في خدمة النضال من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، وبقي طوال حياته مشتعلاً بالإحساس الوطني والثوري الصادق. وهو على كل حال علم كبير من أعلام الادب الروائي والجزائري المعاصر، ووجه من وجوه الثقافة العربية المضيئة.

وفي النهاية، فان الطاهر وطار، الروائي، الضمير والإنسان، والمبدع الحق، والموقف الوطني التقدمي الجذري، عصيٌّ على النسيان، وسيظل باقياً في ذاكرة ووجدان الشعب الجزائري والعربي ومثقفيه ومبدعيه.