القصَّة الإماراتية القصيرة بين التّأسيس والتّشخيص

أحمد حسين حمدان قرأها 7
 

مقاربة أولى

لقدجاءت بداية القصة الإماراتية القصيرة متأخرة بالقياس مع القصة العربية والعالمية فتسنى لها الاستفادة منهما خلالتشكلها دون أن تتدرج بمراحل النشوء والتكوين.. ويمكن أن نعزو تأخر ظهور القصةالإماراتية القصيرة لعاملين اثنين مرتبطَين ببعضهما ارتباطاً وثيقاً..‏

العامل الأول معرفي، مؤداه إلى المسيرة التعليمية.. وهو ما ينطبقعلى القصة في دول الخليج وفي الوطن العربي والعالم أجمع.. فلا كتابة قصصية وغيرقصصية بلا علم ومعرفة..‏

والعامل الثاني اجتماعي، يتمثل فيه انتقال المجتمع الإماراتي منالقبيلة إلى الدولة المؤسساتية..

وكلا العاملين يعودان معاً إلى ذلك التاريخ الذيجمعت فيه الإمارات أجزاء تكوينها بدولتها المتحدة باعتبارهما ثمرتين من ثمارهاالأخرى التي دفعت بالأقلام الإبداعية الإماراتية لتعبّر عن همومها الجديدة في ظلالمتغيرات الحاصلة فعبّرت عن خوفها على الذات الوطنية من العمالة الأجنبية الوافدةمن غير العرب وراحت تدق ناقوس الخطر من وجودهم المتعاظم على الأرض بيد محمد المروعلي أبو الريش وإبراهيم مبارك بينما نظر كتاب آخرون إلى هذه العمالة بوصفها بائسةتعاني من الفقر والاغتراب والحرمان وهو ما سعى إلى تجسيده عبد الحميد أحمد وناصرالظاهري وعلي عبد العزيز الشرهان.. وضمّنوا قصصهم آثار التحول من حياة البحر إلىحياة النفط.. وصوّر غيرهم الخطر على الذات العربية الإماراتية بالزواج من الأجنبياتالذي ما انفك يهدد الكيان الأسري من الداخل بعدما أصابه بلغته ووجدانه، فعلى الغالبلا ينشأ طفل أمه أجنبية على لغة أبناء قومه وعقائد مجتمعه بشكل مستقيم مما أدى إلىإحساس بالفراغ وانحراف بالسلوك وتصدع بالعلاقات العائلية وهو ما شرع إلى بيان مآسيهمحمد المر وعبد الرضا السجواني وشيخة الناخي وابتسام المعلا وفاطمة محمد الهديدي.. في حين أن سلمى مطر سيف ومريم جمعة فرج وعبد الحميد أحمد وناصر الظاهري وآخرين كوّنوا معاً قافلة جمعَها حنينٌ فاجع إلى البحر ناشدين الخلاص من راهن متأزم بأيامهالغابرة التي ما بقي منها إلاَّ الذكرى.. كل ذلك لم يوقف القصة الإماراتية عند حدودالرصد المحلي، بل تخطته بقلم سعاد العريمي وحارب الظاهري إلى الحدث العربي وخصوصاًالفلسطيني منه.. فتناولت موضوعات متعددة شملت الهم الخاص والعام وتضمّنت وجوهاًأُخرى من المعاناة التي نتجت عن علاقة الذات بالآخر في ظل دولة استجمعت كيان وحدتهالتخوض بكل قواها معركة البناء والتحديث.. أما ما يتعلق بالجانب الفني فإن القصةالإماراتية القصيرة بسبب بدايتها المتأخرة التي أشرنا إليها جاء ظهورها بتكوين منجزعبر ولادة محاكية للقصة العربية وغير العربية التي سبقتها في الظهور عاكسة مقولةأندريه مالرو بأن الكتابة الشابة تبدأ بخطاب الأدب ثم تنتهي إلى خطاب الحياة... والقصة الإماراتية في هذه المحاكاة للأدب وفي خطابها للحياة ما برحت تعاني من بعضالآفات الفنية التي نذكر منها:‏

1.      الحشو والاستطالات السردية التي لا تتناغم مع السياق القصصيالقائم أساساً على التكثيف والإيجاز.. ومثالنا على ذلك هو ما وقعت به القاصّة شيخةالناطي في قصتها "الرحيل" التي حظيت بعنوان مجموعتها الأولى بعدما تخلّت عن ثلثسياقها السردي المنشور أول مرة في المجموعة المشتركة: "كلنا كلنا نحب البحر"...‏

2.      اللغة القصصية التي جاءت في غير مجموعة قصصية أكبر من مستوىالشخصيات التي تنطق بها وهو ما وقع به العديد من أدباء وأديبات الإمارات كعلي أبوالريش الذي ساق على لسان شخصياته البسيطة مفرداته ولغته وليس مفرداتهم ولغتهم وذلكمنذ مجموعته القصصية "ذات المخالب" وصولاً إلى آخر رواية أصدرها "زينة الملكة"...‏

وهذهالآفة الفنية أصابت العديد من شخصيات إبراهيم مبارك وخصوصاً في مجموعته القصصية "خان" وكذلك القاصة أسماء الزرعوني في مجموعتها "الشواطئ الفارغة" وآخرين وأخرياتأيضاً.. وماذهب إليه النقد الذي أجمع على أن القصة الإماراتية تنشد الماضي والبحربصورة شمولية هذا ليس دقيقاً...‏

-       فمنيرجع إلى مجموعة قصص علي أبو الريش ورواياته سيجد فيها الماضي ألماً وعذاباً فيأغلب السياق وسيجد البحر عنده ماهو إلا ظلم النواخذا للكادحين والعاملين عنده فيهذا البحر..‏

-       ومنيرجع إلى الحدود المفتوحة على البحر عند إبراهيم مبارك يجدها تنذر بخطر الآتين عبرأمواجه بصورة غير شرعية.. وللأمانة نشير أن بعض شخصياته تترحم على أيام شجرة الغافالماضية المفعمة بالأمان والذكرى..‏

-       أماالبحر عند القاصة فاطمة محمد الهريدي فإنه يبلغ في مجموعتها "آثار على نافذة" إلىالجزر الإماراتية الثلاث المحتلة... وإذا كانت النافذة في الحلم تعني الوصالوالاتصال عند بيير داكو فإنها تحولت إلى ثغرة عند فاطمة محمد نفذ منها الغريب ليدخلإلى بيت بطلتها بصورة غير شرعية انتهت إلى فقدها عذريتها وكادت أخت بطلتها تلقىالمصير نفسه لولا الصحوة التي ولدت من تحذيرات البطلة لشقيقتها المراهقة.. فمن تكونهذه البطلة المسلوبة العفاف؟..هل هي الأندلس أم فلسطين أم الجزر أم لواءالاسكندرونة؟.. أم هي كلهن.. أليست الأرض المحتلة مغتصبة كما هي المرأة المغتصبة؟! ألم يقل رب الجلال: نساؤكم حرث لكم والحرث أرض؟!...‏

ولعلالأسلوب الرمزي وجد من بوابة هذا التعبير مدخله المفضل إلى الوطن المستلب والمحتل راسماً صورته بامرأة منتهكة.. ومن المهم القول: إن القاصة الإماراتية قد بلغتبقصتها آفاقاً أكثر رحابة من القاص الإماراتي تجاوزت فيها حدود همومها المحلية إلىالهموم الأخرى ومآسيها العربية.‏

-       ففيمجموعة رياح الشمال صوّرت شيخة الناخي مأساة الحرب الأهلية اليمنية كما أنها عكستالفجيعة العربية الخليجية عبر الاقتتال العربي-العربي من خلال العراق والكويت...‏

-       وكذلك فعلت سعاد العريمي في كلتا مجموعتيها "طفول وحقول غمران"نقلت عبر قصصهما المأساة الخليجية والعراق وصورت بشمس من الفرح وهي تشرق بالمقاومة الفلسطينية وفي الجنوب اللبناني...‏

-       أماظبية خميس فقد ذهبت إلى أرض أخرى في قصها لتنقل لنا مكابدات المرأة العربية فيالمغترب الأوربي وذلك من خلال قصتها "بعد الخامسة مساءً" وقد لجأت فيها إلى تفتيتالحدث القصصي والاستفادة أيضاً من أسلوب القطع السينمائي معتمدة على الفلاش باك أوما يسمى بالخطف خلفاً..‏

وماقدمته القاصة سلمى مطر سيف في كلتا مجموعتيها "هاجر وعشبة" يعد إنجازاً مغايراًبالقياس مع ما أنجزته زميلاتها الأخريات فقد زاوجت في قصصها بين الواقعي والرمزيوسعت أيضاً إلى تجسيد الهم الإماراتي دون انفصاله عن الهمّ الآخر الإنساني وهو مايتبدى جلياً في قصة الزهرة، والنشيد، وساعة وأعود.. وفي السياق العام بقيت القصةالإماراتية في مجملها أسيرة الأساليب الفنية المنجزة التي حاكتها واطلعت عليها عبرالقصص السابقة لها في الظهور وما برحت بعيدة عن التجريب والمغامرة التي يمكن أنتظفر من خلالهما بقصة أخرى مختلفة لم تكتب بعد...‏

عن جريدة الأسبوع الأدبي السورية