مكتبة الشيخ ناصيف الشمر!
مهداة الى الشاعر شوقي أبي شقرا
-1-
صديقنا، الشيخ ناصيف الشمر، كفرحاتا، زغرتا، بيته تعرفه كل الناس في المنطقة. وكما قالت العرب: ناره لا تنطفئ، وكلبه جبان!
الشيخ يحلف على الإنجيل، في كنيسة مار ماما، جارته: أن آل الشمر من الغساسنة، ويقدم اليك المراجع، والتواريخ، ولك أن تصدّق، أو لا تصدّق!
من جهتي، هذا الموضوع لا يقول لي شيئاً، وتاريخ عيلتي يبتدئ بوالدي الرحيم. والغساسنة لا أحبّهم لأنهم فتحوا للنابغة أكبر دكّان لبيع الشعر، وكذلك هو موقفي من أعدائهم، المناذرة، حاشا "المتجردة" إذا صدقت الرواية.
-2-
شيخنا لا يشتغل كمعظم المشايخ، وهو عازب، حلو الشمائل، أجمل ما فيه خدمة الأصحاب، وبيعه المشيخة، "عند اللزوم"، بكأس من العرق.
تلك أشياء يعرفها أهل المنطقة عن الشيخ ناصيف. أما ما لا يعرفون فهو الوجه الآخر له، ولولاه ما كنت، أكتب ما أكتب، الآن.
في بداية السبعينات كنت أراه في مكتبة ميخائيل فرح، طرابلس، وكانت مركزاً ثقافياً، وملتقى أهل الفكر في الشمال.
في بداية الحرب، تعرفت إلى الشيخ، في مكتبة كفرحاتا. منذ ذلك اليوم رحت ألتقيه تقريباً كل يوم.
قهوة الست فريدة طيبة، وطيبة مكتبة الشيخ ناصيف!
يشتري الكتب بشهوة شرائه قنينة العرق، منفقاً، في سبيلها، طارفه والتالد، والمكتبات تعرفه زبوناً سخيّ الكف، ومعارض الكتاب.
يجمع الكتب في بيته، يهدي الى الأصحاب بعضاً منها، وأنا في طليعتهم، يعيرهم ما يسألونه من مراجع، وعيناه تضحكان، واليدان.
شيخنا المحبوب ليس هو من أهل الغنى.
علاقته بالجريدة كعلاقتي بها، من حيث الإدمان، والعشق. غريبٌ أمره في المجلات، كيف يحصل على الأعداد الصفر، حتى الخليجية منها؟
عيب الشيخ ناصيف أنه لا يقرأ كثيراً، ولو هو فعل، لرضي عنه سميّه اليازجي.
-3-
زوّار الشيخ من الأدباء كثر أذكر منهم: محسن. أ. يمين (كلود برنار الكتب القديمة)، الدكتور خريستو نجم، أنطوان القوال، الدكتور جان جبور وأخوه عكر، الدكتور إبرهيم الأميوني، فؤاد نعمان الخوري، أنطوان أبو ملحم، بطرس بطرس، وأخوه الدكتور انطوان. ينزلون معه إلى القبو العتيق: مجلدات، كتب قديمة، مجموعات جرائد، ومجلات لبنانية بعضها من العشرينات.
لم أنزل مرة واحدة، إلى قبو الشيخ المسحور، لوجود حيّة فيه، تحمي الكتب من الجرذان، والفئران، كما يزعم صاحبنا.
وأنا أصلّي كل ليلة، لمار بطرس، كي لا يريني في حياتي حيّة، كالتي كانت في قبو بيتنا العتيق! ناهيك بأن الأشياء القديمة لا تهزّني كثيراً.
ندوات مدرسة الريف، أيطو، التي استقطبت الحركة الفكرية في المنطقة من سنين، كان قبو الشيخ مصدراً لها، ومعيناً لنفض غبار النسيان، عن اثني عشر عملاً أدبياً، وصحافياً، لنخبة فكرية من منطقة زغرتا- الزاوية!
المسرح الحديث، لدير مار ماما، من بنات أفكاره، ومفتاحه في جيبه، وبرنامج عمله الغني يشغل باله.
مرتين أنخلع قلب الشيخ حزناً: الأولى لأنه لم يستطع توفير مرجع محدد، لصديقه جان جبور، عن بيار بنوا. والثانية لعدم تقديمه شيئاً، عن فرانز كافكا، لصديقه انطوان بطرس!
مدير مدرسة الريف، خليل الخوري، يسمّي بيت الشيخ مكتب توثيق.
أنا أسمّيه مكتب استخبارات ثقافياً.
صديقي، الشاعر، خريستو نجم. قال لي: أنا مديون للشيخ ناصيف بالكثير من المراجع في إعدادي للدكتوراه.
ظاهرة مكتبة ميخائيل فرح، في طرابلس، تطل علينا في كفرحاتا!
-4-
الوفاء بالأصحاب إحدى ميزات الشيخ ناصيف. يوم كانت محاكمتي نقيباً للمعلمين قائمة طوال 17 عاماً، واستغرقت 80 جلسة، كان يحضرها جميعاً تقريباً من زغرتا، الى طرابلس، الى بيروت، الى جانب المتطوع الأكبر لها، الدكتور، محمد نديم الجسر.
ناصيف ليس محامياً انما هو الصديق!
ومحمد تلميذي القديم والصديق!
من قال مات الوفاء؟
المصوّر سركيس، بعدما أخذ للشيخ صوراً، في قبوه المسحور، وأنا في الخارج، سمع خربشة قوية قال: أي شيء هنا؟
قلت: انتبه يا سركيس، الحيّة تتحرك.
سقطت الكاميرا من يديه.
وهرب، وفلت لسانه، على الطريقة الزغرتاوية.
وظل الشيخ مشغولاً بتصفيف كتبه وبتنقيح الجزء الثاني من كتابه الجديد "اقلام من عندنا"، الذي دفع به أمس الى المطبعة!
في إحدى مقالاته الثقافية، في جريدة "البناء"، كتب الشاعر ابي شقرا، منذ شهر تقريباً، عن الثنائي محسن أ. يمين، وناصيف الشمر، وعن دورهما المميز في حفظ الآثار الثقافية، والتفتيش عنها، مسجلاً لهما الثناء والتقدير.