اللغة العربية - بين القواعد والابداع والامتحان

فوزي ناصر قرأها 1,118
قال لي محدثي أنه يعرف أن هذه الكلمة في هذه الجملة يجب أن تكون منصوبة، لكنه لا يعرف لماذا وما التسمية التي أطلقها عليها النحويون. سألته وهو الكاتب المتمرس ان كان يعرف ما المفعول المطلق وما المفعول لأجله ومن المنقوص وغير ذلك، فأجاب بأن هذه التسميات طلاسم، لم يسمع بها من قبل، اذ لم تسمح له ظروفه أن يتعلم قواعد اللغة العربية كما يجب، فهو يكتب (على السليقة)، كما قال، ويعرف في أغلب الأحيان الشكل الصحيح للكلمة.
من سعة اطّلاعه على الأدب وكثرة قراءته للكتب أصبح في مخزونه صور وتركيبات لغوية ترشده إلى كتابة ما هو صواب، فهو يحفظ من خلال قراءاته (كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيّته) وصار يعرف أن كلمة (راعي) وكل الكلمات المشابهة تكتب مع تنوين الكسر في مثل هذا الموقع، وهو يحفظ عن ظهر قلب قول السيد المسيح لوالدته في قانا الجليل (لم تأتِ ساعتي بعد) وهو يعرف أن الفعل الذي آخره ياء تحذف ياؤه بعد لم دون أن يعرف ما تعريف (لم) وما تعريف الفعل!.
قلت له مرة ان قواعد اللغة العربية ضرورة للكتابة الصحيحة والقراءة الصحيحة والفهم الصحيح، لكن صقل موهبة الكتابة بالقراءة المتواصلة حل لمشكلة جهل القواعد، فلن يسأله أحد عن إعراب هذه الكلمة أو تلك، فالقارئ يقرأ ويفهم... ولا تخدش معرفته أخطاء نحوية... وهذا يكفي.
ولا يفهمنَّ أحدٌ أنني أدعو إلى عدم المعرفة أو أساوي بين المعرفة وعدمها، لكني لا أقبل أن يكون الكاتب المتميز بلغته الصحيحة وقلة أخطائه مجرمًا لأنه لا يعرف المستثنى والمصدر المؤوّل، سيبقى مثل هذا الكاتب كاتبًا مبدعًا رغم علاقته الضعيفة مع سيبويه/ لم يسأل أحد نجيب محفوظ أو حنا مينا أو يوسف ادريس لماذا ينصب هذا الاسم أو يرفع ذاك، بل قرأوا ودهشوا مما أنتجه هؤلاء الكبار.
لا شك أن المعرفة تقي من الخطأ، ومن يعرف يكون أقلَّ عرضةً للخطأ، لكن، ماذا يفعل كاتبٌ في عقده الخامس أو السادس، لم تسمح له ظروفه في صباه أن يتعلم قواعد العربية، ويملك من الموهبة ما يجعله كاتبًا كبيرًا متميزًا؟! هل يضع موهبته على الرفّ في انتظار الفرج من الغيب؟!!.
هل نلغي عبقرية حنا مينا لأنه لا يعرف الكسائي أو سيبويه عن قرب؟ هل تسقط عن محمود درويش صفة الشاعر المبدع الخلاق لأنه لم يحفظ في حياته ألفية ابن مالك؟!.
من هنا لا بد من الإشارة إلى امتحان اللغة العربية الذي فرض على المعلمين العرب الجدد والذي أثار ضجيجًا في الشارع العربي وفي أروقة المسؤولين الذين طالبوا بإلغائه أو على الاقل إعطاء مهلة للمعلمين للاستعداد له.
أعتقد أن قمة الإنصاف والصواب أن يلزم المعلمون بمعرفة لغتهم، وقد تتفاوت المعرفة بين معلمي اللغة العربية ومعلمي الفيزياء والتاريخ، فالمطلوب من معلم اللغة العربية أن يعرف القواعد معرفة واسعة وهذا ليس ضروريًا في إبداع وتألّق معلم الجغرافيا مثلاً، وماذا يهمني لو عرف معلم علم الاجتماع أو لم يعرف أن شبه الجملة من الجار والمجرور في محل رفع خبر متقدم؟!! ألا يكفي أنه يفهم ما يقرأ ويقول أو يكتب ما يُفهم؟!
من هنا أرى أنه يجب أن يحوي امتحان اللغة العربية (الضرورية) للمعلمين الجدد ثلاث نقاط: أن يقرأ المعلم نصًا ويحلّله، وأن يقوم بشكل نص ويكتب موضوعًا إنشائيًا تفحص من خلاله قدرته على الكتابة والتعبير الصحيح، يضاف إلى هذه الأمور الثلاثة امتحانٌ للنحو وقواعد العربية لمعلمي اللغة فقط!!
فوزي ناصر – مرشد سياحي لمعالم الوطن الفلسطيني، كاتب وشاعر، وله عدة مؤلفات حول معالم الوطن.fawzy@bezeqint.net