لـيـس مـن قَـبـيـل الـتَّـكـرار(!)
عن الخطّ كتبتُ منذ شهور، وقبل أسبوعين نشرتُ ما كتبتُه تحت العنوان "لا تهملوه! هو ليس مجرّد خطّ!". وبالرغم من التأنّي في الكتابة، والتمهّل والإرجاء في النشر، فاتَني أن أشير إلى بعض من التفصيليّات في هذا الصدد، تَحْفزني الآن على تناولها رسالةٌ تتّسم بالظرف والطف والعمق (وليس ذلك بمفاجئ لي، فسمات الرسالة من سِمات المُرْسِل.)
تلـك هي رسالـة إلكترونيّـة وصلتني، بُعَيْد النشر، من "أبـو مـيـشـيـل" -الصديق العزيز الدكتور حـنّـا جـبـران- الذي يتعايش في وجدانه حبُّ الإنجليزيّة (وتلك اللغة هي مجال تخصُّصه) وحبُّ العربيّة. يتعايش هذان الحُبّان بسلامٍ لو تبنّته شعوبُ الأرض لَكادت حالاتُ الاحتراب والاضطراب والاغتراب تختفي من بينها. إليكم في ما يلي رسالة صديقي الدكتور حـنّـا جـبـران، أنقلها كما وصلتني...
"نعم يا حـنّـا، فالخطّ يجب أن يكـون مقروءًا على الأقـلّ، وعلى المدرِّسين -وأنا منهم-أن يشاركوا في دورات أساسيّة لكتابة الخطّ المقروء. أمّا بالنسبة للجماليّة، فلا بأس أن أدخل الموضوع من بابه الفنّيّ إلى المدارس- كحصّة الرسم مثلاً-. عندما كنّا صغارًا -في مدرسة الفرير-، كنّا نتعلّم حصّة أسبوعيّة في الرسم والخطّ، والخطّ كان تحت عنوان Calligraphy (أي فنّ الخطّ). حبّذا لو وسّعتَ دعوتك ودعوتَ إلى إرجاع إدخال الفنون بواسطة الخطّ العربيّ وفنونه. لا مجال لمحاربة الحاسوب؛ فأنا -مثلاً- لا أستعمل القلم إلاّ للتوقيع على الشيكات! وقد حان الوقت لتغيير لغة الشعر في عصر ما بعد بعد الحداثة، حيث بدلاً من القلم والأوراق المصفرّة نتحدّث عن الفأرة والشاشات المغبرّة! على كلّ، ما زلنا بخير؛ فبعد عدد من السنوات لن نطالَب بالكتابة قطعيًّا. عندها سنقرأ أفكار بعض، ونستغني عن الحاسوب كذلك!
أشكرك لمشاركتك. لغتنا بحاجة إلى الدعم في جميع مجالاتها -والخطّ أساس."
مـحـاولـة لـلـردّ
يا أخي أبا ميشيل، إضافتك إضاءة. وها أنا أستعين بك متّكِئًا على كلامك بحرْفيّته، لنوجّه كِلانا معًا دعوةً إلى أصحاب القرار والتخطيط والتنفيذ، وإلى ذوي الشأن جميعًا، كيما لا تُطوى صفحة هذا الموضوع المهمّ الذي قد يخيَّل لبعضنا أنّه هامشيّ أو غير مُلِحّ. من الواجب توفير ظروف تُفْضي إلى الاهتمام بالخطّ جماليًّا ومصلحيًّا، وإلى جعل الرغبة/الأُمنية تتحوّل إلى حقيقة ناجزة حلوة.
في يوم وصول رسالتك، أخي الدكتور حـنّـا جـبـران، قال لي زميلنا وصديقنا العزيز الأستاذ نـايـف حـمّـود، في عُجالة كلاميّة متحمّسة في غرفة المعلّمين: أرى أنّه من الضروريّ أن نعمل بين الطلبة والأهالي على "تسويق" فكرة الخطّ وأهمّيّة وضوحه.
اسـتـطـرادات
كلام العزيز نـايـف حـمّـود، نـايـف الذي ما ضنّ يومًا علينا بأفكاره الخلاّقة واقتراحاته العمليّة، كلامه يستوقفني ويستدعي لديّ استطرادات ستطيل الكلامَ على نحوٍ لم أحسب له حسابًا. فنـايـف يتحدّث عن "تسويق". والتسويق من مصطلحات التجارة. ونـايـف ليس تاجرًا؛ لكنّ مجال تخصّصه -الرياضيّات- يلتقي في بعض زواياه وأضلاعه بدوائر التجارة! بل ها أنا أرى العدوى قد انتقلتْ إليّ، إذ أجدني منساقًا إلى استخدام مصطلحات رياضيّة هندسيّة: "زواياه"؛ "أضلاعه"؛ "دوائر"! يا لَمعاشرة معلّمي الرياضيّات طويلاً كيف تفعل فيَّ فعْلَها، فأجدني رياضيًّا في مضمار العربيّة، وكنتُ قَبْلاً قد ظننتُني في مَنأًى عن ذلك!
وفي هذا الصدد (تسلُّل مفردات مهنة المرء إلى تعابيره -تحدُّثًا وكتابةً)، يحضرني ما قاله أحدهم عبْر إحدى الإذاعات المصريّة، قبل نحو عَقدين، في سياق حديثه عن الشاعر الغنائيّ -المصريّ الأب التركيّ الأمّ- حـسـيـن الـسـيّـد (توفّي عام 1985)، الذي بدأتْ شهرته الحقيقيّة شاعرًا غنائيًّا وهو في بداية العشرينيّات من عمره، وذلك حين غنّى من كلماته مـحـمّـد عـبـد الـوهّـاب أغنيته الشهيرة "إجري إجري" التي سُجّلت عام 1939، وغنّاها في فيلم "يـوم سـعـيـد". قال ذاك المتحدّث إنّ تأثُّر هذا الشاعر بمهنته الأصليّة (التجارة -وهي مهنة والده) له انعكاسات في بعض أغانيه على نحوٍ لافتٍ، وساق مجموعة من الأمثلة حول تسرُّب أو تسلُّل مفردات التجارة إلى شِعره، حَضَرني منها مثلان واستحضرتُ ممّا أعرف مثلين آخرَيْن، أسوق أربعتَها في ما يلي:
* "بِيعْقلبكبِيعْ وِدَّك شُوف الشاري مين" (عبد الحليم حافظ في "بيع قلبك")؛
* "وباهْرَبْ مِ اللي شاريني وَادوَّرْ عَ اللي بايعني (محمّد عبد الوهّاب في "بافكّر في اللي ناسيني")؛
* "يا مفرّقين الشموع قلبي نصيبو فين؟" (عبد الحليم حافظ في "عقبالك يوم ميلادك")؛
* "والحبّ هتحصل فيه أزمة وتسعيرتو بتزيد" (صباح في "أمّورتي الحلوة").
تـطـبـيـق عـمـلـيّ لا يُـنـسـى
قبل عشرين عامًا، في بداياتي التعليميّة، انضممتُ إلى دورة لتعلُّم خطّ الرقعة امتدّت على ستّ وخمسين ساعة من المتعة، بين جدران مدرسة مـار إلـيـاس الثانويّة في عـبـلّـيـن، علّمنا خلالها الأستاذ الدكتور رضـا غـبـاريّـة بتأنٍّ ولطف وتشجيع لا يُنسى أيٌّ من ثَلاثتها. كنّا أساتذة تلامذة. على ما أذكر، كنّا نحو ثلاثين معلّمًا ومعلّمة، جددًا وقدامى، مدرّسين في الابتدائيّات وفي الإعداديّات وفي الثانويّات. لم يُعدِم أيّ من المشتركين اجتناءَ ثمار الفائدة. كلّنا اجتنينا الفائدة، وأفدنا ممّا استفدنا.
تـجـربـة صـديـق
والتجربة التي أخبرني بها مؤخَّرًا "أبـو جُـول"، صديقُنا ابن الرامة المقيم في الناصرة الدكتور الطبيب يـوسـف حـنـّا، في محادثة هاتفيّة طويلة ممتعة (كالمعتاد معه في كلّ لقاء وفي كلّ محادثة)، جديرة بأن أتناولها في هذا السياق. تلك هي تجربته الخاصّة مع الخطّ العربيّ...
حين أنهى صديقنا العزيز دراسته الثانويّة، كان يستبدّ به إحساس بالعار مَرَدُّهُ أنّ خطّه في كتابة الحروف الإنجليزيّة كان آية في الإتقان والجمال، بينما خطّه العربيّ كان مَدعاة لبالغ الخجل. في أوّل فرصة التقى فيها بالأستاذ الخطّاط طـارق شـريـف، طلب إليه أن يعلّمه الخطوط العربيّة. اليوم، إضافة إلى مستواه الرفيع على صعيد الطبّ والثقافة (في الفكر والأدب والموسيقا والعمل الجماهيريّ -وفي فنّ الطهي كذلك!)، يتقن صديقنا الطبيب يـوسـف كتابةَ ثلاثة عشر نوعًا من الخطوط العربيّة إتقانًا كاملاً!
لستُ أخفي أنّي أغبط هذا الرجل، متمنّيًا أن يثير فينا غَيرةً محرِّكة. كأنّي بالفيلسوف الألمانيّ قد قصده إذ قال: "الإنسان إرادة". شكرًا لك، يا زميلنا وصديقنا أبـا الـعـلاء (أستاذ اللغة العربيّة النحفاويّ بـهـجـت شـبـاط)! شكرًا لك، يا واسع الاطّلاع! لخّصتَ لي ما يقوله شوبنهاور باقتباس من كلمتين: "الإنسان إرادة"..
بـعـض الـذهـبـيّـيـن الـكـبـار
أتأمّل الخطوط الكتابيّة لدى بعض الذهبيّين الكبار، فيعتريني ما يعتريني. خطُّ "أبـو تـومـا" (أبي - نـور إلـيـاس الـحـاجّ) يدهشني، حتّى حين يرسم توقيعه. خطُّ صديقنا العمّ العزيز "أبـو مـنـذر" (سـامـي طـاهـر قـرمـان)، رغم بعض ارتعاش في اليدين، بهيٌّ آسِرٌ. خطُّ "أبـو الأمـيـن" (الأستاذ الأديب حـنّـا أبـو حـنّـا) آيةٌ جماليّة. في حوزتي بعض ممّا خَطَّهُ هؤلاء الأعزّاءُ الأحبّاءُ الثلاثةُ بأقلامهم، أحتفظ به ولا أفرّط. دومًا يسافر بي إلى عالم الدهشة هذا التناسقُ الخطّيُّ وهذا الوضوحُ وهذا البهاءُ. أستمتع بخطوطهم استمتاعي بحضورهم البهيّ وبمجالَستهم.
ترى، ما الذي جعل خطوط هؤلاء الذهبيّين الثلاثة الكبار (هم وأكثريّة أترابهم الذهبيّين الكبار ممّن وُلِدوا في الثلث الأوّل من القرن المنصرم)، ما الذي جعل خطوطهم جميلة متناسقة إلى هذا الحدّ المُعجِب، مبهجة للنظر؟
الإجابة ليست عَصِيّة... قبل عقود وعقود، لم يُظلَم موضوع الخطّ في المدارس، بل لقد أُنْصِفَ ومُنِح ما يستحقّ حقًّا.
عـبـلّـيـن26-07-2010