مشكلة الموت في الثقافة العربية
"فكرة أن الحياة ليست شيئاً دائماً
ساعدتني على تنوير ذهني،
إننا لسنا سجناء إلى الأبد
خلف سياج الحقائق المُتحجرة!"
طاغور
عندما أنظر إلى حياتى الداخلية والخارجية ينتابني في أغلب الأحيان شعور بغموض! شعور بأغوار غير معروفة! واني لأحس بظمأ إلى فهم الحياة وإلى دفعها للأمام، وأحس أيضاً بحاجة إلى مُناهضة العبودية، إلزامية كانت أم مُختارة!
ثم يبدو لى أن السبيل لبلوغ هذا كله يتم أساساً عن طريق الذود عن حق أبناء أمتنا في الحرية وفي نُشدان الحقيقة، بحسب ما تهديهم قلوبهم وعقولهم الحرة. مع العلم أني أدرك أنه ليس ثمة إمكانية لمعرفة الحقيقة، الله وحده يملكها!
الصلة ـ على ما يبدو ـ وثيقة بين الانحطاط المُخيف والشامل لمجتمعاتنا، وبين إحجام فلاسفة الضرار(1) عن تعهد مشكلاتنا الفكرية بالبحث الفلسفي الحُر.
أوليس يُساعد على تكريس الانحطاط في مجتمعاتنا الغارقة في التخلف أن الدارس لمشكلة مُلحة ومُؤثرة، كـ "مشكلة الموت في الثقافة العربية"، لا يكاد يقع على جهد فلسفي عربي، يُغري بتثمينه، اللهم إلا دراسة للعملاق عبد الرحمن بدوي، ناقش فيها: كيف يمكن أن تكون مشكلة الموت مركزاً لمذهب في الوجود؟
فلاسفة الضرار ومُحترفو التبرير الديني دائمو التأكيد على أن انحطاطنا المُخيف محض كبوة، وارتداد عن كمال إنساني، بلغه أسلافنا! وأن محاكاة ـ تجديدية وتحديثية (!!) ـ لهؤلاء الأسلاف، تُُبلغنا حتماً كمالهم الإنساني، وتُعيد لنا إمرة الأرض اغتصابا، على نحو ما تُغنينا "أم كلثوم"، في قصيدة "سلوا قلبي"!
حاجتنا ماسة لتأسيس مدرسة أنسنية في الفكر العربي، كخطوة واعدة على طريق بناء صرحنا الفلسفي! لم يعد مقبولاً أن نلوث بتخلفنا نقاء الحياة وطُهرها!
لم يُعد مقبولاً أن تذهب ملكات مفكرينا سدى! "فلسفة الضرار" مسئولة برأيي عن هدر ملكات المفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد. فلو أنه خُلي بينه وبين طريق الفلسفة لربح وربحنا معه فيلسوفاً عظيماً. ولو أنه سلك طريق الفقه لربح وربحنا معه فقيهاً شهيراً! مازج الفقه بالفلسفة، كمازج الزيت بالماء!
لتكن صيحة الحرية: "أعطوا ما للفقهاء للفقهاء، وما للفلاسفة للفلاسفة"
صحيح أن الفهم العربي للحرية مُشوه، حتى أن فُقدان الحرية عند شعوبنا الكسيرة ليس يُفهم على أنه عُبودية، بل يُفهم على أنه وصاية تُمارس لخيرنا وخير الوجود بأسره! وصحيح أن الفهم العربي للاستقلال الوطني أضحى مضرب الأمثال في الرداءة! فالاستقلال حتمي، طالما خلت البلاد من الأجانب المُسلحين!
وصحيح أن الصروح الفلسفية لا تُشيد إلا بقلوب وعقول عاشقة للحرية، عارفة بأهمية النضال من أجل الحقيقة! كل هذا وأكثر صحيح، غير أن الأمل يظل قائماً في قيام مدرسة أنسنية في الفكر العربي، تُعبد الطريق نحو تفكيك البنية التحتية لفلسفة الضرار! خنوثة التخلف العربي تُحتم التمكين للفلسفة في ثقافتنا!
العالم المُعاش شديد الخضوع للأفكار الصحيحة والزائفة على السواء ـ للأسف الشديد ـ، لدرجة دفعت بعض الظرفاء للقول بوجود تناسب طردي بين الأثر الذي تُحدثه أية فكرة في حياة البشر وبين درجة الخطأ الكامنة فيها! أصحاب البصائر النفاذة هم وحدهم القادرون على إدراك الفاصل بين الصحيح والزائف!
في مقدمة أصحاب البصائر النفاذة يأتي الفلاسفة، فالفلسفة مُغايرة لغيرها من طرق نُشدان الحقيقة! إنها بحث مُستدام عن الحقيقة غير النفعية، كونها تتطلب من المشتغلين بها، في أوقات كثيرة، وقوفاً أليما في وجه رغباتهم الشخصية!!
على أية حال، أناقش في هذه المقالة "مشكلة الموت في الثقافة العربية"، رغم ضآلة الميراث الفلسفي العربي في هذا الصدد! تحدوني في ذلك رغبة صادقة في تزخيم رؤيتي المُقترحة للفكر الأنسني! ولسوف أبدأ بحثي بعرض مُطول نسبياً لما أورده الراحل عبد الرحمن بدوي في دراسته المُهمة المُشار إليها سلفاً(2).
ولتسمح لي قارئي الكريم ـ قبل أن أُخلي بينك وبين عرضنا المُطول لدراسة العملاق عبد الرحمن بدوي لمشكلة الموت ـ أن أضيف كلمة عن رأيي في الطريقة التى أنصحك بها في قراءة هذا العرض، وهي أن تتصفحه كله أولاً كما تتصفح "جرنال"، دون أن تُحمل انتباهك من أمره عسراً ودون أن تقف عند الصعوبات التى قد تعترض سبيلك فيه حتى تُلم الماماً عاماً بالنقاط التى تناولتها دراسة بدوي التشريحية. فإذا رغبت بعد ذلك في المزيد من الفهم استطعت أن تقرأ العرض مرة أخرى لكي تلتفت إلى إرتباط أفكار بدوي واتصالها. واعتقادي أنه إذا بقيت بعد ذلك بعض الصعوبات، فلتمض قارئي قُدماً في قراءة بقية المقالة..
هل للموت مشكلة حقيقية؟
ـــــــــــــــــــــــــــ
هل للموت مشكلة؟ أوليس الموت واقعة ضرورية كلية لابد لكل فرد أن يعانيها يوماً ما؟ أو لسنا نعرف جميعاً هذه الواقعة، لأننا نشاهدها لدى الآخرين؟
لقراءة بقية الكتاب في مكتبة جماليا
أهلاً وسهلاً بكم في موقع الجمال الأدبي والفني
جمـاليــا
الجمال.. لحظة الحياة تكشف عن نفسها