الفيتوري: في هذا الزمن السَّاقط يسقطُ حتى الشّعراء
حالتنا الشعرية : تفاهةالأعمال وعظمة الأوهام (قول لماركس)
كثرت الإجتهادات الشعرية في الآداب العالمية لتفسير معنى الشعر، أو لإعطاء مقاربة تكشف المضمون الحقيقي للشعر. ولو اني لست من المهتمين بهذة التفسيرات وأرى فيها انشغالاً غير مجد، الا أن بعض التفسيرات تُظهر المستوى المتدني للوعي الشعري، وللأسف أصحابها يرفلون بملابس أدبية ونقدية أوسع كثيراً من حجم أجسامهم وأكثر امتداداً من ارتفاع قاماتهم، والأساس في الموضوع، أن ما يطرحونه من تفسيرات، سطحي ومتيبّس في نظرته ومضامينه، ويعتمد أحياناً على دلالات تراثية، جميلة بحد ذاتها، ولكنها لا تخرج عن كونها صيغة جمالية، بعيدة عن التفسير الحضاري والعقلاني لمفهوم الشعر وماهيته وهذا يؤكد سطحية التفكير ورعونته، والابتذال في الفهم الجمالي، الأمر الذي يحطُّ من القيم الروحية للأنسان، ويهبط الى مستويات من الفهم المحدود، السُّوقي الضيّق.
إن الابتذال في الفهم الأدبي، هو من أخطر الإجتهادات الثقافية، ويقود الى التستّر بالأقوال الطنّانة، المنمّقة على الغالب، أو التستّر بالحكمة الكاذبة. ويجيئني قولٌ لكارل ماركس عن الإجتهادات الثقافية المماثلة التي عملياً لم تتوقف منذ بدأ العقل البشري مسيرته الفكرية، إذ وصف ماركس الإبتذال في التفكير بـ "تفاهة الأعمال وعظمة الأوهام" وهذا ما يفسر الكثير من مجريات حياتنا الثقافية اليوم، إبداعاً ونقداً. مثلاً وصف أحدهم الشعر بأنه "يعبر عن أحاسيس الإنسان الداخلية". المفهوم العلمي للأحاسيس، أنها صيغة أخلاقية تتعلق بالجانب الإنفعالي العاطفي للأنسان وهي تمثل الجانب الذاتي للفرد (الاندفدوال)، أي انها ليست ظاهرة متشابهة في نتائجها لدى جميع البشر. إذن النقطة الأولى, لو كان مفهوم الشعر هو فقط التعبير عن أحاسيس الإنسان الداخلية ... لأصبحنا كلنا شعراء. الأحاسيس لها قيمة ذاتية قد تضيف لجمالية التعبير وللتجربة الذاتية، ولكن من المبتذل اعتماد هذه الصيغة لتفسير ظاهرة أدبية هامة مثل الشعر ... لأن الأحاسيس يكتسبها الإنسان غريزياً، ولا يمكن للغرائز أن تصبح التفسير المعتمد الواعي لمفهوم الشعر، حسب ما قرر البعض انطلاقاً من ذاتيته وقصور وعيه وشيخوخة تفكيره.
وهناك من يستشهد ببيت شعر كلاسيكي لمحمد الفراتي، يقول فيه: "ما الشعر الا شعور المرء يرسله / عفو البديهة عن صدق وإيمان". لو استعرضنا الشعر الذي يكتب في هذه الايام ، لما وجدنا البديهة ولا حتى شعور، ومن نافل القول الحديث عن الصدق والايمان، أنما كتابة من خارج الذاتية الفردية والأنسانية، ومن خارج المشاعر، ومن خارج الصدق والمصداقية الأدبية والفنية - أي بغياب لأبسط شروط الأبداع، لأي إبداع أدبي كان وليس الشعري تحديداً.
رأيت من المفيد في هذه المداخلة، المطروحة ( بلا شك ) للنقاش الفكري والتطوير، أن أطرح ما قاله احد شعراء العربية الكبار، وأجزم أنه لا خلاف على شاعريته ومكانته الشعرية في الثقافة العربية المعاصرة، وأقصد الشاعر السوداني الكبير محمد الفيتوري ... صاحب دواوين شعرية لا تنسى "عاشق من أفريقيا" و "أغاني افريقيا" و"أحزان افريقيا" ومنذ فترة غير بعيدة أصدر ديوانه الشعري الجديد.
يقول الفيتوري: "نحن كشعراء في هذا العصر، فقدنا أنفسنا وفقدنا علاقتنا بالواقع الاجتماعي، وفقدنا قيمنا الإنسانية، ولم نعد نمثّل شيئاً على الإطلاق، لذلك يزعم بعض المدّعين انهم شعراء، أنهم مجرد ضباب ومجرد فراغ، يسيرون في الهواء الطلق بدون ماض، وبدون مستقبل". لو قرأت هذا التقييم بدون اسم الفيتوري، لظننت ان كاتبه أديب محلي ( من العرب في إسرائيل) يقلقه ما يدور في ثقافتنا العربية داخل اسرائيل من شيخوخة مبكرة، وخاصة في شعرنا ونقدنا الشعري والفكر النقدي عموماً. الفيتوري يتحدث عن الواقع الشعري العربي، وهو بالتأكيد أفضل مئات المرات من الواقع الشعري والفوضوي العربي المحلي (داخل إسرائيل)... الشعر الذي ينشر في صحافتنا اليوم ( داخل إسرائيل ) هو شعر بالتشبيه الشكلي فقط، حتى لو اجتهد المجتهدون ( من نقَّاد بلا ضمير ) في "اتهامة "، مع سبق الترصُّد والإصرار ... بالشعر، ورفع شأن أصحابه والكتابه الساذجة ( النقدية ؟ )عنه، والأطناب والتوسّل والتسوّل من القراء للحصول على بعض المصداقية في الافتراء الأدبي الممارس، سيبقى نصوصاً ساقطة بأكثريته المطلقة، لا علاقة لها بالشعر او الأدب، الا بما يحاول بعض الأشاوس من النقاد ربطه عنوة بقافلة الشعر.
هل بالصدفة ان الفيتوري يعلن بقوة "ساقطون نحن الشعراء كلنا .. لأنه في هذا الزمن الساقط يسقط كل شيء حتى الشعراء ؟" أرجو أن يفهم القراء مواقف الفيتوري ومواقفي بالمقاييس النسبية، أي ان الموقف ليس موقفاً مطلقاً إنما موقف يدّعي غياب الشعر عن الأكثرية المطلقة لما ينشر عنوة تحت هذا الباب.
يقول الفيتوري "الشعر لا بد أن يكون له قضية، الشعر لا ينبع من الفراغ والشعر لا ينبع من الأرض فقط، بل ينبع من الإنسان والتصاقه بالأرض والتراب، والشعر في هذا التصور ينبع من البحث في الشكل الشعري". عملياً، يضع الفيتوري الوعي الإنساني سابقاً لكل إحساس غريزي. ويقول: "كلنا ساقطون بنسب متفاوته في هذا العصر" ويعطي نموذجاً هاماً عن الشعر الذي يبقى على مدى العصور، من المتنبي حتى عصر أحمد شوقي الى عصر شعراء المهجر جبران ونعيمة ونسيب عريضة وأبو ماضي، ويقول: عندما نقرأ هؤلاء الشعراء نجد أنهم لا يغادرون مجتماعتهم ... ليس بالجسد، لكن بالفكر ... وليس بالروح. ولكن بالواقع، كانوا دائماً ضمن حركة المجتمع الإنساني والمجتمع العربي والمجتمع الفكري، لذلك وجدوا في التاريخ واستطاعوا أن يغيروا". ويقول: "كشعراء أصبحنا مثل المغنين في هذا العصر، مثل راقصات هذا العصر، مثل جماعات الـ"فيديو كليب" يعتمدون على إيقاعات، على سيقان وعلى أفخاذ .. ثم لا شيء، إلا ابتسامات باهته ورؤوس محنّطة وأفكار ساقطة ورؤى مضمحلة وتوجهات نحو عصر خاو من الإبداع، من الروعة، من الجمال ومن القيم الحقيقية للأنسان".
لن أعطي نماذج محلية، حتى لا أواجَه بالشتم والقذف والتهجمات من بعض صعاليق النقد والشعر في ثقافتنا المغتصبة من التافهين ... رغم اني لست ممن يجفلون من الحثالات الأدبية، ولكن باستطاعة القارىء أن يجبر نفسه على قراءة ما ينشر تحت صيغة الشعر ويقارنه، ليس بما يقوله نبيل عودة أنما بما يقوله محمد الفيتوري أحد أكبر شعراء عصرنا.
الاكتفاء بالجملة المسكينة ان الشعر عبارة عن مجرد أحاسيس هي تسطيح للشعر وتسخيف للإبداع وليس غرابة في هذا العصر الساقط، سياسياً واجتماعياً وأدبيا ودينياً، أن يسقط الشعر والشعراء أيضاً، وان لا يبقى الا بعض التافهين يتصارعون على "السلطة في روما" قبل سقوط الإمبراطورية النهائي.