الـسـور الـقـديـم - (كـنـوز عـبـلّـيـن - الحلقة الأولى)

سـهـيـل جـمـيـل الـحـاجّ قرأها 862
  

حين يقوم المرء برحلة خارج وطنه، فإنّ البرنامج لا بدّ أن يشمل زيارة المعالم الأثرية لتلك البلاد، وفي أحيان كثيرة يدفع رسوم دخول، ويقتني بعضًا من المعروضات الفنية التي تمثل أثريات ذلك البلد. مَن زار مصر عاد وفي جعبته الصور الفوتوغرافية، والتحف الفنية التي تمثل الأهرامات وأبا الهول، وبعضنا اشترى مجموعة صور مرسومة على ورق البردي. كذلك الأمر حين نزور تركيا واليونان وإيطاليا وفرنسا وسواها... نعم، نهتم بشراء هذه التحف التذكارية لتبقى معنا فنتذكر بواسطتها اللحظات الجميلة لتلك الزيارة، ونتذكر الباعة وَ "البسطات" المختلفة. بعضنا يعود ومعه بعض المنتجات الغذائية والحلويات والصناعات التقليدية.

هذه المقدمة أوردتها كي أقدم لبعض كنوز عبلين، التي لا نهتم بها الاهتمام الكافي، وكي نطورها. وتحضرني هنا قصة ذلك الشيخ الذي جمع أولاده حين شعر بدنوّ أجله، وأخبرهم بأنّه ترك لهم في قطعة الأرض كنزًا عظيمًا. وبعد وفاته بدأ الأبناء يبحثون عن الكنز، أخذوا المعاول وبدأوا  يعزقون الأرض شبرًا شبرًا ولم يجدوا شيئًا، وظنّ بعضهم أنّ والدهم قد خدعهم وكذب عليهم، لكنّ الابن الأصغر فهم ما قصده والده فاقترح على إخوته أن يزرعوا الأرض، خاصة أنهم قد عزقوها عزقًا جيّدًا بحثًا عن الكنز، فوافق الإخوة على الاقتراح وبذروا البذور... وجاء المحصول غنيًّا وفيرًا على نحوٍ لم يعتادوه قبلاً. حينئذٍ فهم الأبناء وصيّة والدهم: الأرض هي الكنز العظيم.

كانت عبلين محاطة بسور كبير وجميل، يمتد ليحمي هذه القرية القلعة الجميلة. لا ندري على وجه التحديد متى أقيم السور الأول حولها، لكنّ الحفريات الأثرية الأخيرة أظهرت بقايا بيوت تعود إلى أكثر من ألف عام -حسب ما أعلنته دائرة الآثار.

من الصور التي أحتفظ بها في مكتبتي الخاصة، يظهر السور بشكل واضح من الجهة الشمالية والشمالية الشرقية، حيث يطلّ على منطقة المقبرة الشرقية، سيرة العَجّال، وحارة الفِـسّ، حتّى منطقة الشمالي، ويمتدّ من بيت السيد صالح الخليل ("أبو الوليد")، إلى بيت المرحوم جميل أبو غنيمة ("أبو الأديب") وبيت المرحوم إبراهيم أبو غنيمة ("أبو الحدّاد")، مرورًا ببيت المرحوم إلياس أبو غنيمة ("أبو نديم") ثم بيت المرحوم يعقوب الداهود ("أبو جريس اليعقوب") فبيت المرحوم علي المحمود ("أبو محمّد") الذي يحدّه من الناحية الشرقية الجزء الأخير الباقي والواضح من السور القديم. ويصل السور من هناك الى الجهة الشمالية الغربية حيث بيت المرحوم الشيخ علي الخطيب المجاور  للمسجد القديم.

ما يميز هذه البيوت أنّها مبنية على السور، بكاملها أو على نحوٍ جزئيّ. وحين يقارَن بين صور السور وخط البناء الحاليّ للبيوت المذكورة وتعرُّجاته وانكساراته، يظهر نفس خطّ البناء. ونقلاً عن الروايات الشفوية التي جمعتها، كانت بقايا السور في أكثر من ثلاثة مواقع واضحة ومعروفة، وبقي جزء منها (إضافة الى الجزء المذكور أعلاه) بالقرب من "البابور" في مدخل الزقاق القديم الذي يُفْضي إلى كنيسة الروم الأورثوذكس، محاذيًا لمنزل وديع خوري ("أبو عايد") ومنزل المرحوم حبيب خوري ("أبو فتحي"). تلك المنطقة كانت المكان المفضل لرجال القرية لقضاء الوقت ولقاء الأصدقاء، ولتجاذب أطراف الأحاديث وللتسلّي بالألعاب المختلفة (وسنأتي على ذكرها في المستقبل المنظور بتوسّع تحت العنوان "حكايا ورا السور"). وفي أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، قام المجلس المحلي بتوسيع الشوارع وتعبيدها، وشقّ الشوارع الجديدة ورأى أعضاء المجلس والمسئولون فيه أن "يضربوا" عدة عصافير بحجر واحد...

·       توسيع الشوارع ورصفها وتعبيدها.

·       التوفير وعدم "تبذير" أموال المجلس لنقل حجارة الرصف من بعيد.

·       "التخلص" من "أكوام الحجارة" (بقايا السور).

وهكذا "دُفِنَتْ" حجارة السور تحت طبقة الإسفلت، وخسرنا مَعْلَمًا أثريًّا ثمينًا كان من الأفضل أن نُبقي عليه ونحفظه من الضياع، ليكون رمزًا من رموز قريتنا الأثرية. أمّا ما تبقى من السور في الناحية الشمالية، فقد حوفظ عليه نظرًا لأنّ بعض البيوت تقوم أو ترتكز عليه. فكما أنّ هذا الجزء يحفظ بيوتنا، علينا أن نحافظ عليه من أجل أولادنا والأجيال القادمة، وينبغي أن يكون ضمن آثار عبلين التي نريد أن يؤمّها السياح في المستقبل.

...لأنّ عبلين تستحقّ أكثر...

23.7.2010