ثقـافـة النقـد وقبـول الآخـر والـمختلف

سـهـيـل جـمـيـل الـحـاجّ قرأها 569
  

يقول البروفيسور حليم بركات، في كتابه "الهويّة"، في سياق تناوله لتنشيط العمل المدني، إنّه من الضروريّ أن نقدر أهمّيّة تعدّد الهُويّات ضمن الهُويّة العامّة المشتركة، وإنّ هذا الأمر هو إغناء للتجربة، والتوفيق بين التعدّد والوحدة في مناخ من الاحترام المتبادل والحرص على تشجيع إشراك مختلف الاتجاهات والقوى الفاعلة في المجتمع، بدلاً من تهميشه ومقاطعته وربما قمعه وإلغائه.

لقد انفتحت الثقافة العربية على الثقافات الأخرى، في الشام ومصر وفارس واليونان وغيرها، ونتيجة لهذا الانفتاح والتفاعل أنجبت الثقافة العـربية مجموعات كبيرة من العلماء والفلاسفة، جعلت الثقافة الغـربية تعترف بهذا الأمر وما نتج عنه من تطور وإغناء. هذا الانفتاح كان أساسه الحوار المتبادل القائم على احترام الآخر والاستعداد للتعلّم المتبادل، الذي يعكس أمرًا شديد الأهمية مُفادُهُ أنّ للآخر مكانة عالية عندي ويمكنني أن أستفيد منه، وبالتالي فهو يثريني ويساعدني على التطور، وهذا الأمر يكون متبادلاً.

هذا الحوار المتبادل، القائم على احترام التعددية الفكرية والحضارية، يُنتِج تنوُّعًا ثقافيًّا يحتّم قبول مبدأ التعايش والتسامح واحترام الآخر والمختلف، والابتعاد عن التسلط الفكري ونرجسيّة التفكير، التي تعتبر مرضًا يزداد خطورة مع مرور الزمن.

 الحوار هو مسؤولية كل إنسان عاقل في المجتمع يهتم بتحسين أسلوب التخاطب، ويوفّر مساحة كبيرة لاختلاف الرأي والنقاش الحرّ والتنوّع، بعيدًا عن الخلافات الناتجة عن تفكير يسير في اتّجاه واحد؛ فبعضنا يريد قولبة تفكير الناس في اتجاه واحد، حتى تَسْهُل قيادتهم وانقيادهم له، وفي هذه الحالة إنّ أبسط أسس الحوار قد انعدمت.

للحوار الصحيح مميّزات، أهمُّها:

·       الموضوعية والابتعاد عن الهجوم الشخصي.

·       الإيجابية بحيث لا ينطلق من سوء الظنّ، بل من البحث عن الأفضل.

·       الصدق -وإنْ كان مؤلمًا أحيانًا.

أمّا كيف نصل الى هذا المستوى، فإنّ التربية المبنية على هذه الأسس كفيلة بالوصول بالنشء الى هذه الدرجة، وتحتاج الى تكاتـف الجهود بين الأسرة  والمدرسة، بين أفراد الأسرة أنفسهم، بحيث يصبح هذا الأمر طبعًا إنسانيًّا ومزاولة يومية بعيدة عن التصنّع والمداهنة. علينا أن نحترم الإنسان بهُويّته المختلفة وعقيدته المخالفة لعقيدتي، فليس هناك حقيقة واحدة مطلقة.

وعليه فإن الحوار الديمقراطيّ الحقيقيّ كفيل بأن يوصل أبناءنا الى مجتمع متعدد الثقافات يحترم الإنسان لإنسانيته، لإبداعه وإنتاجه، ويفخر به ابنًا لهذا المجتمع لتحصيله وسلوكه بعيدًا عن النرجسيّة.

إنّنا نمر اليوم في فترة يستعدّ فيها أهلنا لمزاولة الحقّ الانتخابيّ، في الترشّح والانتخاب، وهي عملية سامِيَة في أساسها، توفّر للإنسان حيّزًا مهمًّا للتعبير عن الرأي في ما يتعلق بكل نواحي الحياة في قريتنا الحبيبة. إنّ قريتنا تعاني منذ أكثر من عقدين من الزمن، وحُرِمنا من حقّنا الديمقراطي بإدارة شؤوننا وذلك بحلّ المجلس للمرة الثانية خلال ثلاثين عامًا. ماذا يعني حلّ المجلس المحليّ؟ الجواب بسيط جدًّا: أعضاء المجلس لم يحسنوا التصرف ولم يعرفوا كيف يديرون مصالح القرية! ووجدنا أنّ الديون الكبيرة التي تراكمت على كاهل السلطة ال محلية(علينا) تحتاج إلى سنوات من العمل الشاق لتسديدها. وجدنا عددًا كبيرًا من الناس لم يسدّدوا ديونهم للسلطة المحلية (بما في ذلك ثمن مياه الشرب). لقد تعامل أعضاء المجلس المحلي (من الرئيس وانزل!) بمنهجية مرفوضة وبجهل تام في إدارة السلطة المحلية: المحسوبية، والتي هي ترجمة شعبية للتمييز بين الأفراد، كل هذا أدى إلى تراكم الديون... والسؤال الذي لا بدّ من طرحه: هل تراكمت الديون بسبب تنفيذ المشاريع العمرانية، أو فتح مراكز تربوية للشبيبة، أو تطوير أجهزة التعليم، أو بناء منطقة صناعية، أو المحافظة على الأبنية القديمة وتطويره، وتنفيذ مشاريع سياحية، وغيرها...؟ هل أُنفِقت هذه الأموال وفق تخطيط اقتصادي صحيح؟ إن كان الأمر كذلك، فلماذا تراكمت الديون؟!

أظنكم تسمعون (كما أسمع أنا وغيري) كلمات تؤكد عدم وجود مرشح مناسب لرئاسة المجلس سوى فلان أو علان... وفي حديث مع بعض المرشحين للرئاسة وأعضاء سابقين، أسمع الكلمات نفسها منهم، وهم الذين كانوا في المكان الملائم لتنمية حبّ العمل وتقوية الانتماء للقرية كي نحافظ على سلامتها! لماذا لا نجد غير هؤلاء المرشحين لقيادة البلدة؟! كيف لم تنجب عبلين، على مدى ثلاثين عامًا الماضية، قياديين يستطيعون قيادة البلدة الى مستقبل أفضل؟! كيف تنتج البلدة أطبّاء ومحامين ومعلمين وخبراء حاسوب وأصحاب مهن مختلفة ولا تنتج قائدًا جماهيريًّا؟! كيف يسمح هؤلاء اليوم لأنفسهم (بعض المرشحين للعضوية أو للرئاسة) بالترشّح للانتخابات وحين يسمعون عن إمكانيّة لترشيح شخصية لها شعبيتها يقوم البعض بإقصائه والتلويح بأنّ هذا العمل من شأنه أن يلوّث ويهين! هل خدمة البلدة بهذه القذارة؟!

الجواب  -طبعًا- هو: لا... إنما هي النرجسيّة التي تتغلغل في نفوس البعض، هي نفسها التي تُقْصي وتلوّث! هي النرجسيّة التي في الإمكان إيجازها في مجموعة من الملامح يتّسم بها النرجسيُّ:

·       الفخر بالنفس واستحالة وصول الآخر إلى أدنى حدودها.

·       يعتقد أنّه لا يخطئ أبدًا.

·       يعتقد أن كل ما يقوم به مميّز ويستحق الثناء والمدح.

·       الاعتقاد بأنه شخصية متميزة وأنه لا يفهمه إلا المتميزون.

·       يتطلب الإطراء دائمًا والتعبير عن قدراته الفائقة.

·       يعتقد أنه يستحق أن يعامَل على نحوٍ متميّز واستثنائي.

·       لا يتعاطف مع الآخرين، ويستغلهم.

·       يغار من الآخرين كثيرًا ويعتقد أنّهم يغارون منه ويحسدونه.

·       لا يتقبّل النقد ولا يسعى إلى الحوار.

نريد أن نبني مجتمعًا منتجًا مترابطًا بأواصر قوية ومتينة وصادقة. نريد لعبلين أن تبقى قدوة لمجتمع متكاتف، كما كانت عبلين قبل خمسين عامًا تعيش أسرة كبيرة، تفرح لفرح الفرد وتحزن لحزنه، تعمل بمبدأ التكافل الاجتماعي دون أن يشغل أحد باله بالتسميات والتعريفات. نريد مجتمعًا يقبل النقد ويناقش، ويستعمل الوسائل الحضارية في النقاش، ولا يفرض رأيه بالعنف والترهيب، بالإقصاء والمقاطعة. هي بلدتنا؛ فيها وُلِدنا وسنحفظها بعين حارسة وسواعد قوية وعقول مفتوحة...

لأنّ عبلّين تستحقّ أكثر...