مهرجان حماه المسرحي في دورته الثامنة عشرة

جوان جان قرأها 6
 

ثمانية عروض مسرحية كانت حصيلة المشاركة في مهرجان حماة المسرحي، ستة منها شاركت ضمن مسابقة المهرجان، وحل عرضان ضيفان عليه هما (كأس سقراط الأخير) و(صدى) اللذان سنبدأ من خلالهما عرضنا لوقائع هذا المهرجان الذي يبدو مصمماً على الاستمرار والنجاح بفضل إدارته المتمثلة بالفنان معمر السعدي وفريق عمله.

كأس سقراط الأخير

كل المؤشرات تدل على أن الفنان زيناتي قدسية قد اتخذ خياراً شبه نهائي في أعماله المونودرامية بالابتعاد عن الشخصية الشعبية النابعة من وجع الشارع وآلامه، التي أتقن تجسيدها في أعماله التي قدمها في عقدَي السبعينيات والثمانينيات، وذلك باتجاه تناول الشخصيات ذات البعد الإنساني الفلسفي، بعيداً عن الهم الوطني الحياتي للإنسان العربي المقهور. وقد بدأ قدسية خطواته (الانقلابية) هذه مع مونودراما (غوايات البهاء) التي قدمها قبل عامين، وها هو ذا يعزز خطوته الأولى بخطوة ثانية بعنوان (كأس سقراط الأخير)، وكلا النصين للكاتب موفقمسعود.

والواقع أن محاذير كثيرة وأخطاراً تحدق بمحاولة الفنان قدسية خلع العباءة التي عرفه بها جمهوره واعتاد أن يراها باستمرار على أكتافه. وهذه المحاذير ليس أقلها خسارة شرائح كبيرة من متابعي مسيرة قدسية الفنية ممن لا يشكل المسرح بالنسبة لهم حاجة ثقافية بقدر ما يشكل حالة نفسية، وظيفتها شد العزائم وتحفيز الهمم وبث الأمل في النفوس بمستقبل يمكن فيه التخلص من حياة التشرد واللااستقرار إلى حياة آمنة بعيدة عن القهر والظلم والتعسف.

وبطبيعة الحال فإن ما سيكسبه قدسية من جمهور نخبوي رصين من خلال عمليه الأخيرين لا يمكن أن يعوض خسارة جمهور واسع كان سابقاً يتهافت على قدسية بالقبلات الحارّة النابعة من صميم المعاناة بدل القبلات الباردة التي يمكن أن تكون مجرد احتفاء بروتوكولي لا أكثر.

ولكن من جهة أخرى لا بد من القول إن تجربة قدسية في عمليه الأخيرين، وخصوصاً في (كأس سقراط الأخير) تثبت عدة حقائق، أهمها أن قدسية مازال أحد أهم من وقف وحيداً على خشبة المسرح، وأن النصوص التي يتعاون بها مع الكاتب موفق مسعود نصوص هامة على الصعيد الفكري، لكنها من الناحية الدرامية أضعف من أن تشكل حالة من الفرادة والتألق مطلوبة في العمل المونودرامي الذي تشكل الدراما أحد أهم ركائزه، وربما بنسبة أكبر من الأعمال الجماعية، باعتبار أن خلو أو فقر العرض المونودرامي من الجانب الدرامي سيحوله إلى محاضرة فكرية في أفضل الأحوال، ويبقى لهذا التوجه الجديد للفنان قدسية خصوصيته التي تتطلب المزيد من التأمل.


صدى


سبق لهذه المسرحية التي كتبها الفنان عبد المنعم عمايري أن قُدِّمت قبل عدة سنوات وقام الكاتب بنفسه بإخراجها. واليوم يتناولها الفنان نضال سيجري بصيغة إخراجية جديدة تؤكد إبراز طبيعة العلاقة بين شخصيتي الرجل وزوجته، ورصد حالات التأزم والانفراج في علاقتهما المتراوحة ما بين الإقبال والإدبار، متخذاً من عناصر العرض المسرحي وسائل لتقديم فكرة العمل، وفي المقدمة من هذه الوسائل الإضاءة التي شكلت عنصراً أساسياً كاد أن ينطق في بعض اللمحات ذات الفرادة.

قدم شخصيات المسرحية ثلاثة من الممثلين استطاعوا أن يرصدوا الشخصيات بعمقها وأبعادها، فقد قدم حسين عباس نموذج الرجل المتمرد على واقعه والطامح نحو التغيير، دون أن يصل به هذا الطموح إلى سحب البساط من تحت قدمي زوجته التي أدت دورها الممثلة رغداء جديد التي جارت زميلها حضوراً وقدرة على شد الجمهور ونيل استحسانه. أما نجاة محمد التي أراها على خشبة المسرح لأول مرة فقد نم أداؤها عن موهبة كرستها محاولة الاقتراب من روح شخصية المرأة الثانية الدخيلة التي لم تمنع فترة وجودها المتقطعة على خشبة المسرح من أن تكون الممثلة التي أدتها إحدى أبرز مفاجآت المهرجان.

هاي شكسبير


وبالانتقال إلى العروض المشاركة ضمن مسابقة المهرجان، تطالعنا مسرحية (هاي شكسبير) لفرقة مديرية الثقافة في حلب. يقدم العمل توليفة لبعض نصوص شكسبير من خلال خط واحد ربط بين المَشاهد تمثل بشخصية شايلوك التي تحاول مواجهة شكسبير. حاول العمل الذي كتبه صهيب عنجريني وأخرجه حكمت عقاد أن يقدم مادة مسرحية دسمة، لكنه كمن تاه في وسط الطريق ونسي إلى أين يريد أن يصل. فقد تمحور العمل حول نقطة واحدة هي توجيه الاتهام من جانب شايلوك أحد أهم الشخصيات الشكسبيرية إلى شكسبير بتهمة الإساءة إلى شخصياته، ومن ثم محاولة شكسبير نفي هذه التهمة. يلي ذلك استرجاع المشهد الشكسبيري على نحو لا يخلو من فجاجة واستهتار، وإن كنا لا يمكننا التغاضي عن الجهد المبذول لتقديم اقتراح فني جذاب كان يمكن أن يكون أكثر فائدة وجدوى لو صب في أقنية أخرى.

بقايا أشواك


وقدمت فرقة المسرح العمالي في حماة مسرحية بعنوان (بقايا أشواك)، نص وإخراج عبد الكريم حلاق. رصد العمل بعض المظاهر السلبية البائدة التي مازالت بعض مجتمعاتنا تعاني منها، ضمن إطار هزلي ساخر حاول ألا يكون ثقيلاً على قلوب المشاهدين. وقد قدم العمل العديد من الشخصيات ذات الطابع الشعبي عكست بأخلاقها ومفاهيمها المغلوطة في بعض منها العديد من القضايا الاجتماعية الراهنة.

قدمت مجموعة العمل التمثيلية شخصياتها بمستويات متفاوتة، وتميز عدد قليل منهم، كان في مقدمتهم المخرج ذاته الذي كان ركناً أساسياً على الخشبة وتمكن من الحصول على ثالث أفضل ممثل في المهرجان.

نهدا ساطور

وشاركت فرقة المسرح الشبيبي في ريف دمشق بمسرحية (نهدا ساطور) المقتبسة من مسرحية (نهدا تيريزياس) لـ جيوم أبولونير وأخرجها كميل أبو صعب.

تقوم المسرحية على حدث افتراضي يتمثل برغبة شخصيتَي المسرحية الأساسيتين (الرجل والمرأة) بإجراء تغييرات جذرية على مهماتهما الاجتماعية والطبيعية، الأمر الذي يتسبب بفوضى عارمة وتدهور في طبيعة الحياة البشرية مما يجعلهما يعودان إلى صوابهما في النهاية ويدفعهما إلى الإقرار والقبول بمهامهما التي صنعتها الطبيعة.

تميز العمل بغناه بالحلول الإخراجية التي شغلت عين المُشاهد، كما ابتعد أسلوب الأداء عن الجدية والرصانة وساهم في تثبيت لاواقعية الحدث، رغم اقتراب الفكرة المطروحة من صميم التطورات التي تطرأ باستمرار على المجتمعات البشرية وخاصة تلك المعتمدة على زجّ البشر في أتون دوامة الحياة اليومية التي لا ترحم. ويمكن القول إن الجنوح باتجاه حصر الأمور ضمن قالب معين عن طريق زج بعض أسماء الشخصيات المعاصرة قد حجّم الطرح الشامل للعمل ووضعه ضمن دائرة ضيقة. لكن هذا الأمر لم يستمر طويلاً من حسن حظ العمل الذي تمكن مخرجه من نيل جائزة أفضل إخراج/مناصفة مثلما تمكنت بطلته عتاب نعيم من الحصول على جائزة ثالثة أفضل ممثلة.

غابة عيدان الثقاب


وقدمت مديرية الثقافة في حماة عرضاً مسرحياً بعنوان (غابة عيدان الثقاب)، نص وإخراج محمد خوجة الذي يرتاد من جديد آفاق مجتمع الولايات المتحدة، راصداً جانباً من سلبياته. حيث تسيطر قوة الرأسمال على كل شيء. لكن المشكلة في هذا العمل، وفي العمل الذي قدمه المخرج في مهرجان حماة قبل الماضي، أنه يصر على استكشاف عوالم أماكن ومجتمعات دون الإحاطة بتفاصيلها بما يكفي. فتغدو الأعمال المقدمة هجينة لا لون لها ولا رائحة ولا خصوصية. ولا شك أن المخرج بما يقدمه من إمكانات من خلال هذه الأعمال لا يوظفها توظيفاً صحيحاً لما فيه مصلحة عمله المسرحي، وبالتالي مصلحته الشخصية.

قُدِّم العمل على صالة المركز الثقافي القديم الذي لا يمكن مقارنته من نواحي الخدمات الفنية والتقنية مع المركز الثقافي الجديد الذي قُدِّمت عليه بقية عروض المهرجان.

رجال محترمون


وشاركت شركة العين الثالثة بمسرحيتها (رجال محترمون)، إعداد وإخراج نضال صوَّاف وقصي قدسية. وهي عبارة عن مشاهد منفصلة معدّة عن نصوص قصصية للكاتب الروسي تشيخوف، قُدِّمت بأداء ساخر حاول أن يعكس الحالات الإنسانية المغرقة في سخريتها ومأسويتها بآن، عبر انتقاءات لعدد من القصص القصيرة المعروفة لتشيخوف كثيراً ما تناولناها في أعمالنا المسرحية نظراً لغنى شخصياتها وعمق مواقفها المعتمدة على اللقطة المكثفة للحالة المرصودة. ويمكن القول إن صواف وقدسية قدَّما عملاً متماسكاً عبر مجموعة من المشاهد المتتابعة لم ينقصها اقتصارها على ممثلَين استطاعا أن يحوزا على إعجاب الجمهور وتصفيقه مثلما استطاعت مسرحيتهما أن تحوز على جائزة أفضل عرض في المهرجان.


اللص الشريف


من جديد يختار المخرج مولود داود نصاً للكاتب الساخر داريوفو ليقدمه لجمهوره بعد أن قدم قبل أقل من عام مسرحية داريوفو (العاري والأنيق)، وعرضها في أكثر من مهرجان مسرحي. والواقع أن نصوص داريوفو مثال ساطع للنصوص السهلة الممتنعة، إذ تكمن سهولتها في أنها تقدم شخصيات غاية في البساطة وأحداثاً من الحياة اليومية في قالب طريف. أما الصعوبة فهي في القدرة على نقل هذه البساطة إلى الجمهور دون الوقوع في فخ السذاجة أو الافتعال، وهو الأمر الذي حاول المخرج تجنبه في عمله الجديد.

يقوم نص (اللص الشريف) الذي قدمته فرقة نقابة الفنانين في حماة على سلسلة من الأحداث المتتابعة المعتمدة على سوء تفاهم قائم على قيام لص باقتحام منزل لسرقته فتقع مجموعة من الأحداث التي تكشف النقاب في خاتمتها عن الوجه القبيح للمجتمعات التي تطرح نفسها كمجتمعات راقية لكن الفساد الأخلاقي ينخر بها دون هوادة.

يميز في هذا العمل قدرة المخرج على ضبط ممثليه ضمن إطار أسلوب موحّد من الأداء، متطور عما كان عليه الأمر في مسرحية (العاري والأنيق). لكن ما يخشى منه هو أن تتنمط مجموعة الممثلين ضمن هذه الدائرة فلا تستطيع الخروج منها في أعمال قادمة لا تستدعي هذا الشكل الكاريكاتوري من الأداء، خاصة أن المجموعة هي نفسها تقريباً ولم تتبدل.

استطاع مخرج العمل أن ينال جائزة أفضل إخراج/مناصفة كما حصل نضال جوهر على جائزة أفضل ممثل، وفادي الصباغ على جائزة ثاني أفضل ممثل، وحصلت إيناس زريق على جائزة أفضل ممثلة، وندى قطريب على جائزة ثانية أفضل ممثلة، ولا ننسى بالطبع الأداء الطيب الذي قدمه فؤاد كعيّد ورولا قطريب اللذان يثبتان تطوراً ملحوظاً في أدواتهما الفنية عملاً بعد آخر.

المكرَّمونولجنة التحكيم


كرّم المهرجان في حفل افتتاحه الفنانة كاميليا بطرس على مجمل أعمالها الفنية وعلى قيادتها الناجحة لفرع نقابة الفنانين في حماة على مدى عدة سنوات، كما كرّم في حفل الختام المسرحيين نضال سيجري، مصطفى صمودي، يوسف نعمة، حيان داود، وروح الفنانة الراحلة نجاح العبد الله. أما لجنة تحكيم المهرجان التي فضّلت أن تتناوب على مناقشة العروض المسرحية في جلسات النقاش اليومية فقد تكونت من جيانا عيد، هشام كفارنة، زياد سعد، إلياس الحاج، كاميليا بطرس، جوان جان.

النور – 10 ك2 - 2007