كي يصبح حقُّ الاختلاف قانوناً

عطية مسوح قرأها 9
  

في السنوات الأخيرة، غدت الكتابة عن (احترام الرأي الآخر) واسعة الانتشار إلى درجة قد تثير ملل القرّاء ونفورهم، ومع ذلك، فإن المتابع للأحداث والمواقف، والأفعال وردود الأفعال، يجد أن (احترام الآخر ورأيه) ما يزال كلاماً يكتب ويردّد، دون أن يصبح أصيلاً في وجدان الناس،  ولا سيما المسؤولين والمتنفّذين، ودون أن يظهر في ممارساتهم العملية وسلوكهم إزاء الآخرين ممن يتعاملون معهم ويختلفون عنهم في النظرة والرأي.

فغالباً ما يتحدث الشخص عن ضرورة الموقف الإيجابي من الآخر ورأيه، حين لا يكون صاحب موقع وقرار، ولكنه حين يغدو مسؤولاً، يتحرك في داخله موقف آخر، كان كامناً، أو مكبوتاً، أو مغلّفاً بالسماحة والتسامح، فيظهر التناقض بين ما كان يعلنه بالأمس، وما يمارسه اليوم.

وحين يُسأل عن ذلك ـ وهو يميل عادة إلى تجنّب هذا السؤال ـ يبتكر الأدلة ويطلق الحجج التي تبيّن أنه لم يتغير، وأن موقفه من الآخر المختلف ورأيه ما زال كما كان، لكن الظروف هي التي تغيرت، والظروف الجديدة تفترض أن يمارس الحزم لأنه وسيلة مؤقتة لتجنُّب الفوضى.

مثْلُ ذلك نراه كثيراً في حياتنا العملية، في كل مجالات الحياة، ولا سيما السياسية. ذلك لأن السياسة هي أكثر المجالات تأثّراً بالظروف، ولأن السياسيين هم أكثر الناس مسؤولية وقوة وقدرة على التسلط في المجتمع إن شاؤوا ذلك.

لكن المتابع المحلّل، يمكن أن يرى أن الظروف لم تتبدل بالاتجاه أو الدرجة اللذين يبيحان لصاحب الموقع والقرار أن يرتد عما كان يعلنه من احترام الآخر والتعامل الإيجابي مع رأيه، وأن الذي تبدَّل حقاً هو وضع المسؤول نفسه، الذي كان يعلن ما يساعده في اكتساب تأييد الناس ورضاهم أو ينسجم مع مصلحته بوصفه رجلاً عادياً يرغب في التعبير عن آرائه التي قد تكون مختلفة عن الرسمي السائد أو المألوف، أو للأمرين كليهما، ثم صار مسؤولاً قد لا يناسبه أن ترتفع في وجهه أو إلى جانب رأيه وصوته آراء وأصوات مخالفة، فيتحرك في داخله عنصر الخوف من الآخر، ويستيقظ عامل القمع النائم أو المنوّم، ويبدو على حال من القول والممارسة مختلفة عن ذي قبل.

ما الحل في مثل هذا الأمر الذي يكثر أن نراه، والذي يفعل فعلاً سلبياً لاجماً في مجالات السياسة والفكر والثقافة؟

ليس الأمر سهلاً، والنفس الأمّارة بالسوء قد تدفع صاحبها إلى الانطلاق من مصالحه المباشرة وقد يضعف الرادع القيّمي والأخلاقي أمام إغواء المنفعة والمصلحة.

وليس الأمر سهلاً أيضاً، لأن لموقع المسؤولية جانباً إدارياً، وفي هذا الجانب يُعدّ تحقيق الاستقرار نجاحاً، وقد يظن الكثير من المسؤولين أن سيادة الرأي الواحد، هي سبيل الاستقرار، وأن تنوّع الآراء واختلافها سبيل الفوضى والبلبلة والضعف.

ليس الأمر سهلاً، إذ يصعب على الكثيرين أن يدركوا أن الاستقرار، بمعنى الهدوء والتجانس والموالاة والتفكير في اتجاه واحد، هو نوع من أنواع الركود، بل هو مولّد الركود الذي إذا تفاقم واستمر طويلاً يصبح شبيه الموت. وأن الحركة النشيطة المتعددة الجوانب والأشكال والاتجاهات والصراعات بأساليب حضارية، هي دليل الصحة والقوة.

ليس سهلاً إذاً، أن يتطابق القول والفعل، وخاصة في مسألة متروكة للإرادة، ونابعة من طبيعة الإنسان مثل مسألة التعامل الإيجابي مع تعدد الآراء واحترام الرأي المخالف.

نعود إلى سؤال: ما الحلّ، وقد بيّنت التجارب أن الأمر على غاية من التعقيد، وأنه ـ لعوامل مجتمعية وتاريخية وذاتية ـ مرشّح للظهور في كل لحظة وموقع؟

قد يكون الحل هو في وضع قواعد ناظمة وصارمة، تمنع وتردع، لكنها لا تمنع التعبير عن الرأي، ولا تحظر وجود الآراء المختلفة، ولا تضيّق أمامها مجالات النشر والإفصاح عن الذات، بل تمنع لجم حرية الرأي وتردع جنوح المسؤول أو المسؤولين، أفراداً وهيئات، إلى تضييق تلك المجالات، وتحاسب، لا صاحب الرأي المختلف، بل من يقمع هذا الرأي ويعيق ظهوره. عند ذلك يخرج الأمر من نطاق إرادة الأشخاص، ويصبح نظاماً يطبّق ويطمئن له كل ذي رأي وموقف. ينطبق هذا على الحكومات والأحزاب والمؤسسات الإدارية والاجتماعية المختلفة.

 وقد أثبتت تجارب البشرية عامة، وتجارب الحركات الاشتراكية واليسارية والقومية في القرن العشرين، أن الحرص على التماثل وسيادة اللون الواحد والرأي الواحد، ومنع التعبير عن التباين، والسَّعي إلى طمس التنوّع وإخفاء وجهات النظر، وحصر المناقشات في أطر محدودة، أن ذلك كله كان طريق الركود والفشل. ولعل هذا الذي أثبتته التجارب يكون درساً تستلهمه هذه الحركات وهي تسعى لترميم الذات والنهوض من جديد، وليت ذلك يكون ممكناً.