الحياة الثقافية وحياة خليل كلفت
ارتجفت يدي وأنا أسجل على رأس المقال "يناير 2007" ! إنه عام جديد حقاً، إنه يعلن عن نفسه، ويقول لنا إنه عام جديد حتى لو واصلنا نحن حياتنا القديمة، وتظاهرنا بأن شيئاً لم يحدث ! وكل وقت جديد يرتبط بإحياء آمال ما في النفس، وبعْث ذلك التصور المتفائل بأن الزمن يمنحنا فرصة أخرى، وصفحة بيضاء جديدة، ويرقبنا ليرى إن كنا سننتهز هذه الفرصة ونعيش بشكل مختلف أم لا. أمنيات عديدة تصحو مثلما تتفتح أوراق الشجر، وكلها أمنيات بسيطة، أقرب إلي السير على الأرض منها إلي تحليق يعبر السماء بعنفوان وقدرة ورغبة جارفة. في مقدمة أمنياتي مع مطلع العام الجديد، وربما تكون تلك كل الأمنيات، أن أرى أصدقائي أصحَّاء لا أكثر. لم يعد يهمنى كثيراً ما يكتبون، ولا ما يفعلون ، المهم أن يكونوا أصحَّاء سالمين. أن أرى نعمات البحيري تواصل إطلاق ضحكاتها، وتهب الجميع الأمل الذي هي أحوج ما تكون إليه. وأن أرى خليل كلفت الكاتب والمترجم وقد شفي من مرضه، واستطاع أن يجوب القاهرة كلها من جديد، وأن يواصل الكتابة والإبداع. وأن يتوفر الدواء الغالي لابن الكاتب أمين ريان، فلا يعاني من الضائقة التي تمْسك بخنّاقه. وأن أجد أنور إبراهيم وقد تخلص مِن همِّ تكاليف عملية القلب المفتوح. أريد أن أتمنّى لنعمات البحيري من صميم القلب عاماً جديداً سعيداً، تواصل فيه وهي المريضة شفاءنا جميعاً بالتفاؤل وبثقتها الغامرة في أن كل يوم جديد هو مكسب يجب أن نحياه، حتى لو كانت الدولة واتحاد الكتاب مازالا كالعادة يتظاهران بالعجز عن تقديم شئ لها في محنتها الصحية. ولكني أود أن أتوقف عند حالة خليل كلفت، الناقد، والمفكر السياسي، والكاتب، والمترجم، الذي أثرى الثقافة المصرية بالعديد من الأعمال الهامة. فقد أصيب خليل بفيروس الكبد الوبائي سي، الذي تطور منذ عامين لورم غير حميد، وفي حينه ساهمت الدولة في إجراء عملية قثطرة في المستشفى العسكري بالمعادي، ثم انتهت مدة سريان القرار الكريم، وتوقف علاج خليل كلفت، وأجرى خليل عملية أخرى بمساعدة مالية من أصدقائه، ومع مرور الوقت وتراجع الحالة الصحية، لم يعد ممكناً إنقاذ حياة خليل كلفت من دون إجراء عملية زراعة كبد، وهذا العمل الجراحي لا يتوفر في مصر، وتترواح تكلفته ما بين مائة ألف ومائتي ألف دولار أمريكي، أي حوالي نصف المليون جنية مصري. وقد بدأ أصدقاء خليل كلفت في جمع تبرعات لإجراء العملية. لكن المبلغ المطلوب يفوق قدرات كل الأصدقاء.
لقد رحل من قبل أمام أعين الجميع شاعر شاب وصحفي شريف هو فتحي عامر، وكان بحاجة لعملية مماثلة، فلم يتحرك أحد، وادَّعى اتحاد الكتاب في حينه، والدولة ، ومؤسساتها الثقافية، ومجالسها المختلفة، أنها لم تسمع نداء فتحي عامر، وطلبه العلاج. وها هي نعمات البحيري تعاني من المرض في صمت وكبرياء فلا يعيرها أحد انتباهاَ. وأذكر من قبل الأزمة التي استحكمتْ حين مرض طاهر البرنبالي. والمحصِّلة دائماً واحدة: لا شيء. وقد اعتدنا ألا تتحرك الدولة، لأنها ليست بحاجة لمثقفين خارج إطار السياسة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، ومن ثم فإنها تعتقد وتتصرف على أساس أن ذنب المثقف على جنبه، وعلاجه على حسابه، ما دام قد تخيَّر أن يكون خارج الحظيرة. لكن تكرار حالات المرض المستعصية أصبحت تستلزم أكثر من مجرد إلقاء اللوم على الدولة، أصبحت تستلزم أن يتحرَّك المثقفون أنفسهم دفاعاً عن حياتهم بالمعنى المباشر لكلمة "حياة". وحلُّ تلك المشكلة لا يتطلب من المثقفين معجزة، ولا هو إجراء خيالي. والشعور بالتضامن بين قطاع كبير من المثقفين كفيل بتأمين العلاج لهم، ولغيرهم، ووضع أساس لتفادي ذلك الشعور بالعجز والحيرة في مواجهة كل صديق مريض. لقد أصبح المثقفون بحاجة ماسة إلى شكل محدد، وليكن صندوق الأدب، يشارك فيه من يرغب باشتراك شهري، ويكفي جداً أن يكون هناك ألف مثقف يدفع كل منهم شهرياً عشرة جنيهات، ليتجمع لذلك الصندوق مبلغ ضخم، يوضع كوديعة تتزايد وترصد فقط لعلاج الأدباء والكتاب، على أن يعمل من يريد في خدمة الصندوق، شرط أن يكون عمله بلا مقابل. لقد حاول الكتاب منذ زمن إنشاء أكثر من شكل يجمعهم، ويستجيب لمطالبهم السياسية والاجتماعية، لكنهم لم يتمكنوا للأسف من القيام بتلك الخطوة. أذكر أنه كانت هناك محاولة لإقامة اتحاد كتاب مستقل، ثم جبهة مثقفين، ثم حركة أدباء وفنانين من أجل التغيير، ولكنها جميعها لم تستطع أن تستوعب لا مطالب، ولا حركة الكتاب، واكتفت كلها في الأغلب الأعم بالتجمع لحظات ظهور أزمة هنا، وأخرى هناك، ثم الانفضاض. إنني أدعو الجميع للمشاركة، وللتحرك، ولانشاء الصندوق، وليكن إنقاذ حياة خليل كلفت خطوة أولى نحو ذلك الهدف. إما إذا كنا غير قادرين على حماية أنفسنا، رغم توفر الإمكانية، فلماذا نلوم الدولة ؟
مازلت في مطلع العام الجديد لا أتمنى سوى أن أرى أصدقائي سالمين أصحّاء، يكتبون وقتما يريدون، أو لا يكتبون، يترجمون حينما يعنّ لهم، أو لا يترجمون، فلم تعد القضية حماية الثقافة، لكن الدفاع عن الحياة بالمعنى المباشر لكلمة حياة.
عام سعيد للجميع.