"ألله يرحمو كان ما أكرمو" - قصة قصيرة ساخرة

جمال عواد قرأها 995
 

لم أحبه أبداً.... أبداً.. أبداً!! مع أنه كان جدي لأبي، ومشلول أيضا، وكنت أعيش مع أبي وأمي في قصره الخاص أيضاً.. لكني لم أحبه مع كل ذلك، وأنا متأكد أنه كان يبادلني أنا والآخرين نفس المشاعر.

جيش من المرتزقة عاش على فتات ثروته الهائلة، والجميع كان يطأطئ الرأس
أمامه حتى الموظفين الكبار في المدينة.

استهلك خمس زوجات خلال حياته،متن جميعهن بعد الاستعمال الجائر خلال سنوات قليلة.
بخيل....... ودكتاتور........ ولئيم...

كان يناديني دائماً بـ"إبن الجحش"، لأفرغ مبولته المرافقة له في السرير، وتلك كانت مهمة صعبة جداً كلفوني بها أهلي، وقد حمدت الله كثيراً أني كنت
صغيراً غير قادر على حمله إلى الحمام آنذاك.

ولم أعرف سببا يمنعه من "شراء" ممرضة أو ممرض يعتني به رغم غناه الفاحش.
غير أن مهمة تقبيله (على الريق) صباحا كل يوم، كانت أصعب شيء على الإطلاق، خصوصا تحت أنظار "الجحش" وزوجته وباقي الأبناء والبنات والأصهرة والكنّات
المبتسمين بنفاق غير متقن الصنع، إعجابا بهذا الحفيد الذكي... البار...
اللطيف....
كان تقبيله مقرفاً لسبب بسيط، فقد امتلك جدي أكبر أنف في العالم، وعند قبلة
الصباح عجزت دائماً أنا ابن العشر سنوات عن تحاشي تقبيل أنفه الذي غطى
وجهه، والذي كان يمنعني رغم المحاولة من الوصول إلى جبينه أو وجنته،
خصوصاً انه كان يميل بوجهه نحوي مما يصعب المهمة اكثر.

كنت عندما أنظر إليه وهو نائم أحياناً، أكاد أرى دماغه من فتحتي أنفه العملاق.
.
.
.
وفي يوم جميل مشمس، بعد ليلة باردة من ليالي الشتاء، أدركت كرم الله
سبحانه وتعالى، فقد علمت فور دخولي المدرسة أن معلمة الرياضيات، ستغيب بسبب
وعكة صحية شديدة، فرحت لغياب تلك العنكبوت، إلا أن كرم الله سبحانه وتعالى لم يقف عن ذلك الحد، فقد جاء أبي ليأخذني من المدرسة لزيارة جدي "الأنف" في مشفى المدينة الحكومي، وكانت هذه المرة الثانية التي يسعفونه فيها ليلاً بدون أن أحس خلال شهر واحد.
يالهذا اليوم!! ماأجمله، فأعدائي مستلقون على ظهورهم في المشافي وأنا أنعم
بطفولتي، لم ينغص علي إلا بعض المغص في بطني بسبب برد الليلة السابقة.
على كل حال ذهبنا إلى المستشفى... دخلنا غرفة الجد المدعوم، جاهدت كثيراً
بإدخال رأسي بين مؤخرات نساء استعجلن لبس الأسود، لكي أنظر إلى جدي..
ظهر لي أول الأمر أنفٌ رابض على الوسادة يستلقي تحته رجل يفترض بعد هذا
الأنف ان يكون جدي، كان يتنفس بصعوبة ويسال أحد أبنائه عن المبلغ الذي
دفعه مقابل الأدوية التي اشتراها من خارج المستشفى الحكومي.

وقفت بجانب السرير. خشيت أن يطلب مني احد، تقبيل جبينه ولكن ذلك لم
يحصل، بل نهرتني أمي أن أظهر بعض الحزن على حال الجد المحتضر... نظرت إلى
وجهها الذي تغضن حزناً حتى كاد ينزف، طالباً مني إظهار بعض الحزن.. أو
أذرف دمعة.. او أقول.. كلمة ما او.. أو. أو......

تحت ضغط بكاء النساء "الصادق" (خوفا من ان يعود حيا إلى البيت مرة أخرى) حاولت اعتصار الدمع ولم أنجح.. اعتصرت نفسي أكثر ثم أكثر.. أغمضت عينيي، وحبست أنفاسي ورحت أتخيل ان مدرسة الرياضيات شفيت وعادت إلى المدرسة.

بدأ إحساس بالحزن ينتابني، ثم تخيلت اني سأعود إلى حمل المبولة صباحا، وأتسلق كل يوم أنف جدي لأقبّله....

ضغطت اكثر

ثم أكثر

ثم......................... ياللهول

وجدت الغازات المحبوسة طريقها إلى الحرية!، معززة بصوت هائل، ولكن........ كان لها تأثير آخر أكثر شراسة، إذ اضطر الجميع، وخصوصاً ذوو الأنوف الموروثة من ذاك الأصل (وهو ليس الشيء الوحيد الذي ورثوه، بطبيعة الحال) إلى الخروج من الغرفة في نفس اللحظة التي تسمرت فيها نظرات الجد في السقف ولم تتحرك بعد ذلك. و كان ذلك مع الأسف، كل ما استطعت ذرفه حزناً على جدي

جدي...........
حبيبي...........
 رحمة الله عليك، وعلى أنفك!!