الكاتب العراقي-الإسرائيلي سامي ميخائيل – سيرة حياة غنية في كتاب مثير
صدر عن " كاف ادوم " من منشورات "هكيبوتس همؤحاد" كتاب حوارات مثير للاهتمام, مع الكاتب العبري الكبير سامي ميخائيل, أجراها معه الصحفي العبري المعروف, روبيك روزنتال، والكتاب، عدا مقدمة سامي ميخائيل, ومقدمة روزنتال, عبارةٌ عن ثمانية أحاديث يتناول فيها سامي ميخائيل قضايا متنوعة ومتشعبة من مسيرة حياته وتجربته الادبية والسياسية والانسانية, منذ كان طفلاً في العراق, وخروجه من العراق وقدومه الى إسرائيل. أبناء جيلي يرتبط بذهنهم اسم سامي ميخائيل باسم " سمير مارد " وهو الاسم "العراقي" لسامي ميخائيل, الذي نشر تحته أول أعماله الأدبية ( باللغة العربية ) في الصحف المحلية, خاصة صحف الحزب الشيوعي الإسرائيلي, ثم غير اسمه ولغته, ومع ذلك بقي سامي ميخائيل ذا حس إنساني, وموقف تقدمي متنوّر وصادق, رغم الفجوة التي اتّسعت بينه وبين جذوره العراقية والعربية ...
في مقدمته يطرح سامي ميخائيل معادلة سقطت على أساسها سذاجة الإيمان, بدءاً من سقوط الوهم حول حقيقة الحضارة الأوروبية، والألمانية خاصة, بفشلها في وقف المد الإجرامي للنازية, وصولاً الى انهيار الشيوعية الذي يعني, كما يقول: "انهياراً للاتجاه الإنساني للثقافة الأوروبية، وصولاً إلى الاشكالية التي لم تُبقِ أمام الإنسانية إلا وضعاً يتحول فيه الدولار, والمجتمع النووي الأمريكي, الى القوة الحافظة للنظام والسلام وحقوق المواطن". ويشير سامي ميخائيل في مقدمته بان إنساناً طبيعياً لا يترك بيته وأملاكه ولغته الأم, وأجواء طفولته من أجل فكرة عليا, ويقول ان خيانة القرن العشرين " لهم " هي التي وجَّهت خطواتهم الى إسرائيل, وانه حتى اليوم " لا يأتي الينا " ( إلى إسرائيل ) اليهود المتخمون والآمنون من الولايات المتحدة وانكلترا, انما يجيء يهود من البلاد الفقيرة.
يطرح سامي ميخائيل التناقض الذي ألَّم به في هذا الانتقال من تاريخه العراقي الى تاريخ "أرض إسرائيل", ويطرح قلقه الشخصي من الواقع المتقلب في الشرق الاوسط, ويعترف بانه يعيش في عالمين مثل كل الذين تركوا واقعاً إلى واقع آخر, وان بينه وبين إسرائيل لم ينشأ حبٌ من اول نظرة, انما تطورت علاقة خاصة من الحب والإخلاص والتقدير, وانه بقي بعيداً عن النظرة الرومانتيكية المزيفة في نظرته للواقع الاسرائيلي.
الحديث الأول: عن الهوية والثقافة يقول سامي ميخائيل: "أنا غير صهيوني, لست معادياً للصهيونية, انا وطني إسرائيلي". ويفسر ذلك بقوله: "منذ فجر شبابي عرفت نفسي كيهودي, المقياس الأعلى بالنسبة لي هي اليهودية, ومن هذا التعريف أتساءل: ماذا يضرُّ باليهودية وماذا يفيدها؟ ماذا يضرُّ بي كيهودي وماذا يندمج جيداً مع هويتي كيهودي؟ " .ويقول: " كان في العراق يهود نشطاء في الرابطة المعادية للصهيونية". ويضيف: "انا غير صهيوني من الناحية الآيديولوجية. ولكني غير معادٍ للصهيونية عاطفياً, انا معادٍ للصهيونية حتى الحد الذي يؤدي هذا الفهم للأضرار باليهودية ودولة اسرائيل. أنا لا أعرِّف نفسي كصهيوني, وأختلف مع طروحات كثيرة للصهيونية قديماً وحديثاً, الصهيونيون الحقيقيون اليوم هم اؤلئك المستوطنون, اليهود الآخرون يشملون أنفسهم بالصهيونية, ويتجملون بأمور لم تعد قائمة". ويوجه سامي ميخائيل نداءه لأولئك الصهيونيين الذين يعرضون أنفسهم ومستقبل أطفالهم للمخاطر بمخاطبتهم: "عودوا الى البيت!" ويقول ان نداءه لا يجيء شفقة على العرب, فالعرب ليسوا بحاجة لشفقتة وحبه.
يأخذ الصحفي المحاور سامي ميخائيل لمواضيع متنوعة للغاية, ويدفعه للافصاح عن مفاهيمه حول قضايا اجتماعية وفكرية وفنية وأدبية متنوعة, تتعلق بتجربته الاسرائيلية, وبما ترسب في وجدانه من هويته الشرقية ... من عراقيته والتناقضات المثيرة التي أوجدها المجتمع الاسرائيلي الخاص والمميز, وليس شرطاً بالمفهوم الإيجابي !! وينتهي الحديث, كما في سائر الأحاديث بمقطع أدبي من كتابات سامي ميخائيل.
الحديث الثاني: حول الهجرة والقدوم الى اسرائيل: "في الهجرة انت تنتحر بأمل ان تعود الى الحياة". هكذا يلخص رؤيته الفلسفية لمفهوم النزوح اليهودي الى إسرائيل. ويتحدث عن تجربته الشخصية بالهجرة من العراق, والحياة غير المتوقعة والمتناقضة في إسرائيل.
الحديث الثالث: المجتمع الإسرائيلي يطرح تصوراته حول بعض القضايا التي تشغل المجتمع الاسرائيلي, ويحاول الإجابة على سؤال حول تطور القومية العربية، ويرى بها تقليداً لنشوء القوميات الأوروبية, وانها غير أصيلة, لان مضامينها تختلف من جيل الى آخر. لن أدخل في نقاش حول الصواب والخطأ في رؤية سامي ميخائيل, انما أحاول ان أنقل للقارىء جزءاً من رؤيته .. كذلك نجده يتسرَّع فيما يطرحه من ان المركب الديني للعرب, تحول الى مركب اساسي في الانتماء (بمفهوم ما يساوي بين اشكالية الانتماء اليهودي والانتماء القومي العربي، ربما ليخلق انطباعاً اننا لا تختلف – وان واقع الانتماء القومي اليهودي هو نفس واقع الانتماء القومي العربي).. وينتقد سامي بشدة تحول دولة اسرائيل الى دولة حرب, وينتقد بشكل خاص حرب سيناء عام (1956) ويقول: " لاتوجد حرب لا يمكن منعها" ويرى باتفاقات السلام, من مدريد وحتى واي بلانتيشين انه سلام مفروض على الجانبين.
الحديث الرابع: عن الشيوعية يسرد المؤلف ذكرياته عنها منذ كان شيوعياً شاباً في العراق, ويلخص تجربته الشيوعية بانها نتيجة ظروف صعبة ليهودي في العراق. هذا الفصل مليء بانطباعات وذكريات عراقية. يتحدث عن تجربة الخروج من العراق, وظروف القدوم الى اسرائيل, وبحثه في اسرائيل عن الحزب الشيوعي, ويروي حادثة حاول فيها السوفييت تجنيده للتجسس, ويتحدث عن عمله في جريدة " الاتحاد " – صحيفة الحزب الشيوعي الاسرائيلي, وعلاقاته مع الشيوعيين .. ويقول انه يقدر الشيوعيين العرب لانهم يحبون شعبهم, لذلك بقوا في الحزب, وهو لا يفهم بقاء اليهود في الحزب .. وهو لا يوضح ان كان موقفه رفضاً للفكر الشيوعي كفكر سياسي واجتماعي, أم رفضاً لإطار محلي, أم تبريراً ذاتياً لموقفه الاسرائيلي ؟
الاحاديث الخامس: الدين والعلمانية والسادس: عن الطبيعة, والسابع: عن الأدب والثامن: عن دولة اسرائيل، ويطرح فيها سامي موقفه من الدين ومن فصل الدين عن الدولة, ويطرح قضايا مجتمعه اليهودي, وإشكالية العلاقة بين الدين والعلمانية، وهذا الحديث يستحق مراجعة خاصة. ويتحدث عن موقفه من الطبيعة والقضايا العامة السياسية والفكرية والادبية. ويتحدث عن تجربته الكتابية وعن قراءاته, ويقول ان روايته الاولى كانت تحمل اسم " المعابر " (اشتهرت المعابر في السنوات الاولى لاقامة دولة اسرائيل حيث أسكن القادمون اليهود في مجمعات سكنية اشبه بالمخيمات وتفتقد للكثير من الخدمات وهي أحياء للفقراء اليهود الشرقيين بالأساس, اليهود من الدول المتطورة, الأشكناز – أي الغربيين .. لم يعانوا من السكن في المعابر, وأصبحت المعابر من رموز التمييز بين اليهود الغربيين والشرقيين). كتب سامي رواية المعابر باللغة العربية عام 1950 وفازت بالجائزة الاولى في مسابقة لكتابة الرواية نظمها الحزب الشيوعي, والجائزة كانت إصدار الرواية, ولكنه في نفس الفترة ترك الحزب الشيوعي, ولم يشأ نشر الرواية, و"تخلص" منها وهو لا يملك اليوم نصاً عنها، ويتحدث عن أعماله القصصية باللغة العربية التي كان ينشرها باسم " سمير مارد ". في صحافة الحزب الشيوعي بالاساس.
وينهي المؤلف أحاديثه عن تجربته الإسرائيلية من زاوية أخرى، فيتحدث عن قادة الدولة ورأيه فيهم, وارتباط ذلك بشتى الأحداث, بدءاً من بن غوريون وأشكول وغولدا مئير وبيرس ورابين وبيغن ونتنياهو وصولاً لبراك. القارىء يلمس بوضوح, رغم كل محاولات فلسفة الواقع المتناقض, ان سامي والجيل الذي يمثله سامي مازال عربياً عراقياً في أعماق نفسه, ويعيش حالة اغتراب في مجتمعه .. ولكن الأساس ان هذا الجيل يتلاشى ويختفي ويحل مكانه جيل إسرائيلي لا يعرف الماضي, وقيمة كتاب الأحاديث مع سامي ميخائيل, انه شهادة على إمكانية بناء واقع آخر في العلاقات العربية اليهودية, لا دور فيها للبندقية وسفك الدماء !!