عجوز رصيف المدرسة

أنطوان السبعلاني قرأها 790
  

-1-

كانوا يشاهدونه، صباح كل يوم، أمام باب المدرسة.

يجلس على حافة الرصيف، في يده عصاه، كأنه شحاذ ينتظر العطاء من جماعة التلامذة الوافدين الى المدرسة. وكم مرة ناوله بعضهم المال، وكان يرفض ذلك بحركة من يده الراجفة وبابتسامة، على تمتمات، ترسلها شفتان مختلجتان.

وكانت عيناه تروحان وراء وفود التلامذة. وكان قلبه...

أكثر من مرة جرّب دخول المدرسة، غير ان البوّاب كان له بالباب، ينهره بشدة، ويطرده دافعا بكفّه جسم العجوز النحيل.

وأحيانا كثيرة، كان يمضي نهاره على ذلك الرصيف، على أهدابه تعب السنين، وفي عينيه بسمات الرضا. ثم كان يمسك بعصاه، ويندسّ في شارع المدينة، سالكاً طريق الأزقّة القديمة.

-2-

ذات يوم، استطاع دخول المدرسة في غفلة من بوّابها، وبلغ أرجاء الملعب الوسيع، فراح ينتقل فيه من حي الى حي، ومن زاوية الى اخرى، يقف تحت هذه الشجرة ويبوس تلك. وكان في قلب السعادة، كأن له جناحي طائر، واذا هو يرمي عصاه، على أرض الملعب، ويصعد السلّم بنشاط، متلفّتاً الى كل جهة، مؤدياً حركات بيديه.
واذا به يتوجه الى صف بعينه، يدخله فجأة ويقول: قفوا ايها التلامذة. عاد اليكم المعلم فؤاد.
فضحك من ضحك، وخاف من خاف، وصرخ بعضهم: هذا عجوز الرصيف. وارتبك معلّم الصف الشاب. ووقف جليس الرصيف، على رصيف الصف قائلاً: "لا تخافوا يا أولادي، لا تخافوا. وانسكبت على وجنتيه دمعتان. وجلس على الكرسي لحظة. ثم وقف أمام اللوح الأسود، وأخذ الطبشورة، وهَمَّ بكتابة شيء، عندما دخل مدير المعهد، ومعه المفتش العام، وبعض التابعين للإدارة".

صرخ به المدير قائلاً: "أخرج ايها المجنون. كم مرة قلت لك: ممنوع عليك حرم المدرسة. واذا تكررت الحادثة فسوف أستعين بالشرطة. كيف سمح لك ذلك البواب الأبله؟". ثم أخذه بكلتا يديه، وأخرجه من الصف، وقاده الى الدرج، فالملعب، حيث عصاه، ورماه في الشارع، وأغلق الباب الحديد.

-3-

عشية عيد المعلم، أقيم مهرجان خطابي كبير، في تلك المدرسة، في رعاية وزير التربية. ودُعي اليه جمهور غفير من الرسميين، وأعيان المدينة، ومديري المدارس، وهيئات المعلمين والتلامذة، وممثلي الصحافة، والاعلام. هناك عدد من الخطباء، بينهم مدير المدرسة، ووزير التربية، ونقيب المعلمين.

ذلك اليوم أمضى العجوز نهاره على الرصيف. وعند الساعة الرابعة بعد الظهر، أخذ الناس يتوافدون على القاعة الكبيرة. جاؤوا قبل ساعة: فالمهرجان كبير، وهم يخافون على مقاعدهم. وجرّب العجوز ان يدخل مع الداخلين، فطرده البوّاب، ثم استعان المدير برجال الشرطة الواقفين أمام باب المدرسة، لاستقبال الوزير، قائلاً لهم: هذا الرجل مجنون. ممنوع عليه دخول القاعة.

وعند مرور موكب معالي الوزير جرّب اللحاق به قائلاً: "أنا المعلم فؤاد يا معالي...".
غير ان معاليه لم يلتفت اليه. ودخل القاعة وسط عاصفة من التصفيق. وكان حضرة المدير يمشي تارة أمامه، وأخرى وراءه، وعن يمينه، وعن شماله، وهو ينخِّي القوم للتصفيق. وبدأ المهرجان بالنشيد الوطني، ثم بكلمة مدير المعهد. وساعة وصل نقيب المعلمين هجم العجوز عليه قائلاً: "يا حضرة النقيب مهلاً، أنا المعلم فؤاد. ألا تذكرني؟ انا الذي زرتك في النقابة منذ عشر سنين يوم رافقتني لقبض تعويضي". وقدم الى النقيب بطاقته النقابية التي تحمل رسمه وهو شاب. نعم تذكرتك، قال النقيب، تذكرتك يا معلم فؤاد، انما تغيرت عليَّ كثيرا، وقبّله قائلاً: "كيف حالك؟ وكل عيد وانت بخير، يا معلمي الكبير. ماذا بك؟ ولماذا انت هنا في الشارع؟".

أجاب العجوز: "هذه هي المدرسة التي أخبرتك عنها في ما مضى. انهم لا يسمحون لي بدخولها، لا يسمح لي حضرة المدير، والشرطة، بحضور عيد المعلم".

فأمسك النقيب بيده، وأمسكت عصاه بالأخرى، ودخل الثلاثة القاعة الغاصة بالناس الجالسين والواقفين، وكان المدير في خطابه يشيد بوزير التربية الذي شرّف العيد، والمدرسة، بحضوره شخصياً هذا المهرجان التربوي الكبير. وعندما لاحظ العجوز داخلاً القاعة توقف عن الكلام وهمَّ بإعطاء الأوامر، لحرس الإدارة، لولا ان عاجلته إشارة من كفّ النقيب. فمضى في خطابه المكتوب. وكان الثلاثة يعبرون القاعة، وسط ذهول عام.

وكان التلامذة يقولون: "هذا هو عجوز الرصيف، وهذه عصاه. من يمشي معه؟ وكيف وصل الى هنا؟. ثم اجلسه النقيب على المقعد الرسمي المعدّ له، بالقرب من معالي الوزير. فزادت دهشة الحاضرين. وجيء بكرسي إضافي للنقيب، بطلب من المدير، الذي كان قد أنهى خطابه معدداً فيه دور المعلم في المجتمع البشري.

ها هو معالي الوزير يعتلي المنبر، وسط عاصفة، من التصفيق، وسلطت عليه كاميرات التلفزيون، ومسجلات الإذاعة، فقرأ بصورة آلية خطاباً كتبوه له، وتكلم على المعلم الذي كاد ان يكون رسولاً، الى ما هنالك، من كلمات، وعواطف تقال في هذه المناسبة. وقوطع خطابه بالتصفيق الحار. ونزل معاليه من على المنبر، بخطوات ثابتة، وامتدت اليه أيادي المهنئين وفي مقدمهم، وفي مؤخرهم، حضرة المدير. وكان النقيب مشغولاً بالاستماع الى اعتراف المعلم فؤاد.

وتعاقب على الكلام عدد من الخطباء، بالغوا في مدح المعلم الشمعة التي تذوب، لإنارة الآخرين.

-4-

كانت الكلمة الاخيرة لنقيب المعلمين، وكان متوقعاً ان يلقي قصيدة في هذا المهرجان. غير انه وقف أمام مكبّر الصوت، باديا على وجهه الحزن العميق، ثم خاطب الحاضرين، بصوت حزين ايضا، انما واضح النبرات:


"ايها السيدات والسادة،

هذه قصيدتي المكتوبة أمزّقها أمامكم، لانها كلمات تدجيل، ونفاق، كالذي سمعناه من الخطباء جميعاً! ولن اكون شاهد زور

اما قصيدتي الحية، قصيدتي الصادقة، قصيدتي المكتوبة، بغير يدي، والتي، وحدها، يحق لها ان تقول، وتقال، في هذا المهرجان، فهو عجوز الرصيف في مدينتكم، في بلادي. هو المعلم فؤاد الذي سآخذ بيده، ليقف على هذا المنبر!".

ونزل الى الصف الأمامي، وأمسك بيد العجوز، وأمسكت عصاه باليد الثانية، وصعد الثلاثة الى المنبر. وكان الذهول مخيماً على الحاضرين، والاستغراب ظاهراً، على وجه معالي الوزير، والغضب مرتسماً على جبين حضرة المدير

واجلس النقيب العجوز على كرسي، وتابع خطابه قائلاً: "هذه قصيدتي ايها السادة. المعلم فؤاد، الا تذكرونه؟ ارجعوا الى الوراء ثلاثين سنة، أربعين، خمسين سنة!
من منكم يتذكر المعلم فؤاد؟ من منكم كان تلميذه؟"

فارتفعت أصوات في القاعة...

"هذا هو معلمكم! كان معكم، يوم كان شاباً، وهذه هي حاله اليوم، الى درجة، انكم لم تعرفوه". فصفق له تلامذته القدامى، وكانوا كثيرين، وصفقت القاعة. وكانت الدموع تكتسح وجه العجوز، وتكتسح نظارتيه العتيقتين.

"لقد آمن المعلم فؤاد بأن التعليم رسالة، فعاش لها كالنسَّاك المتعبدين. وهذا هو اليوم، في الثمانين من عمره، يعيش وحيداً في دنياه.

اما كيف يعيش؟ فمن تلك الحفنة من الليرات التي أمّنتها النقابة له، تعويضاً، يعطيه خبزه، والماء، والدواء. خمسون سنة طواها ها هنا، في هذا المعهد، في هذه القاعة بالذات، في ذلك الملعب، بين تلك الأشجار. هناك في ذلك الصف، مع اللوح الاسود، والطبشور، والكتاب...

خمسون سنة ايها السادة، وصارت دنياه كلها ها هنا. كل صباح يعود الى هذا المكان، ليعيد دنياه، وسعادته، وكل يوم يطرد، مجنوناً، يخيف جماعة التلامذة. يطرده البواب، والمدير، والشرطة!.

ماذا فعلتم بالذهب ايها السادة؟ ماذا صنعتم بالقناديل؟ ويا معالي وزير التربية، خطابك المكتوب مردود، مع الشكر. والكلمة الان يا سادتي، للمعلم فؤاد". وصفقت القاعة كما لم تفعل من قبل. وانصبّت عليه كاميرات مصوّري الصحف. وقف المعلم العجوز، مستنداً، على النقيب، وعلى عصاه. وقال بصوت متقطع: "انا مسرور جداً لانني في هذا المكان. هنا بيتي. انا سعيد جداً".

ودمعت عيناه وعلا صوته قائلاً: "ايها التلاميذ حضِّروا قصيدة: "المعلم"، الصفحة 319. سوف أشرحها لكم غدا".

وتوقف عن الكلام. وضعف. واسند رأسه على كتف النقيب. وركض الى المنبر عدد من الناس، كان بينهم أطباء... عرفهم، وعرفوه.

ثم شدَّ على عصاه، ومات، وهو يبتسم.

نشرت أيضاً في صحيفة النهار البيروتية بتاريخ اليوم – 27 نيسان 2010