عن التطبيع الثقافي ومضامينه غير الثقافية
إشكالية لقاء وتفاعل الثقافات بين مجتمعات في عداء سياسي وقومي
ثقافة الدولة المتفوقة اقتصادياً وعسكرياً تتصرف كثقافة متفوقة ومستعلية وقادرة على السيطرة، وهذا في صميم رفض الثقافة العربية التطبيع مع الثقافة الاسرائيلية
طُرح ويُطرح بتواصل، موضوع الحضارات والثقافات وقضايا التطبيع الثقافي بين الشعوب، وتحديداً بين العرب واليهود، بين الثقافة العربية والثقافة الإسرائيلية.
هذه النقاشات وصلت أحيانا لمستوى من الحدَّة تجاوز حدود الحوار الى حالة تبادل الاتهامات بين المتحاورين، ولا أرى في ذلك أمراً غريباً، فالنقاش يتجاوز المفهوم الفكري المجرد الى قضايا أكثر عمقاً وخطورة بالنسبة للمجتمعات العربية وآفاقها المستقبلية.
ضمن الرؤى السائدة، كانت رؤية ان اللقاء بين الحضارات او الثقافات، هو لقاء ممكن، بينما اللقاء بين المصالح السياسية هو الصعب والمعقد. وحدثت لقاءات سياسية واتفاقات سياسية، لبعضها كان أثراً سلبياً على الموقف السياسي العربي ـ مثل اللقاء والأتفاق الاسرائيلي المصري، الذي أخرج مصر من المواجهة وحولها الى وسيط، أحياناً لا قيمة ولا وزن لوساطتها ولمواقفها السياسية ... بل وأكثر من ذلك، لم يعد لمصر دوراً عربياً في أخطر قضية عربية. وقد يكون تحييد مصر سبباً مباشراً وحاسماً في إعاقة بناء استراتيجيات العالم العربي الاقتصادية والعلمية والثقافية والسياسية، حول قضايا عربية بالغة الأهمية والتأثير على تطور العالم العربي .. ودولية تمتد الى قلب العالم العربي، وقد تكون مأساة العراق وواقع لبنان وما يحيط به من مخاطر، واستمرار المأساة الفلسطينية، وظهور الاسلام الجهادي، هو نتيجة غياب فعل سياسي عربي مؤثر وقادر على التعامل مع الواقع الدولي والعربي.
اللقاءات والاتفاقات السياسية لم تنجح في التأثير، كما يظهر حتى اليوم ...على أخطر قوة عربية في المواجهة – الثقافة العربية.
الثقافة وقفت بمعارضة كل الاتفاقات، ومثقفو النظام لم يفلحوا في تحقيق تحول ثقافي الى جانب سياسة التطبيع السياسية للنظام المصري، وفيما بعد الأردني وأنظمة أخرى مارست التطبيع السياسي بالخفاء او بالعراء.
البعض رأى ان خوف العالم العربي/ الشعوب العربية، والأصح القول ممثلي الثقافة العربية، من التطبيع الثقافي مع اسرائيل، هو خوف مبالغ فيه، ولا قاعدة منطقية له، وأن الثقافة العربية تملك أدوات متينة، وتشكل قاعدة مثالية للتفاهم وحل الاشكالات الباقية والصعبة، خاصة وأن الثقافة العربية ذات جذور عميقة في الأرض ووراءها تاريخ عظيم وواسع وممتد من الانجازات التي لا يمكن هزيمتها بالمواجهة مع ثقافات أخرى، وبالأساس مع الثقافة الاسرائيلية التي لا تزال ناشئة وبلا جذور عميقة. واستنتج البعض ان التطبيع الثقافي يجب ان يخيف الاسرائيليين الذين يضغطون ويتحمسون للتطبيع، ويرون فيه قاعدة من القواعد الأساسية وألأكثر أهمية للتطبيع الشامل في الشرق الاوسط، ولجعل التطبيع السياسي حقيقة قابلة للتعايش في الشرق العربي، تتسابق اليها سائر الدول العربية، وألأهم ان قبول اسرائيل ثقافيا سيعزز حقيقتها الشرق أوسطية.
هذا الموضوع أثار اهتمام أوساط واسعة من الأدباء وأصحاب الفكر والرأي ... ولكن الكثيرين مع الأسف تحدثوا من منطلق سياسي عام أو عاطفي أو ديني .. وما زال الموضوع يحتل حيزاً من الكتابات والحوار في العالم العربي ... ومراجعة لما ينشر تشير الى ان أكثرية المواقف انطلقت من قناعات سياسية ودينية وعاطفية، وتفتقد للرؤية المتكاملة الموضوعية، ولأي منطق فكري يمكن اعتماده كقاعدة للتعامل مع طروحات التطبيع التي تروجها بعض الأوساط السياسية والثقافية المرتبطة بانظمة عربية متحمسة للتطبيع.
رؤيتي ان الموقف من التطبيع في اطار الاتفاقات المذلة، والظروف السائدة في الشرق الأوسط، لا يترك مجالا آخر غير الرفض، خوفاً من ان تتحول ثقافة الأقوى اقتصادياً وعسكرياً وعلمياً الى الثقافة السائدة والمسيطرة والمقررة.
هذه وجهة نظر .. يمكن تطويرها أوالأضافة اليها، او رفضها ومعارضتها. الموضوغ بالغ الأهمية والتركيب، ومليء بالتداخلات المتناقضة والمتماثلة، مما برز حتى اليوم في كتابات الرافضين للتطبيع. وما أستغربه هو غياب أصحاب الشأن من سائر ذوي الاختصاصات الأكاديمية والفكرية من الخوض في هذا النقاش، من منطلقات رؤية علمية للمخاطر أو الإيجابيات، اذا وُجدت إيجابيات ...
الثقافة ليست وقفاً على الإبداع الروحي فقط .. الثقافة تشمل كل الابداع المادي للمجتمع، وقد يكون خطر التطبيع أعظم شأنا على الجانب المادي في الثقافة – أي الانتاج الأقتصادي والتطور العلمي والاجتماعي للمجتمعات العربية ... بتحويل العالم العربي الى سوق للانتاج الاسرائيلي المادي، وأضيف اني أرى ملامح سلبية في الاقتصاد والتطور الاجتماعي والعلمي في العالم العربي كله وفي مصر على وجه الخصوص، بدأت تفرض نفسها، ربما نتيجة للتطبيع السياسي بين مصر واسرائيل، او بتأثير لا يجوز الاستخفاف به للتطبيع واضيف ان تأثير هذا التطور السلبي سيطول، أو طال بنسب معينة، الفكر والابداع الثقافي المادي والروحي.
ان موضوع الحضارة بحد ذاته هو مادة واسعة للغاية، وهناك تضارب في مفاهيمنا الحديثة عن الحضارة، ولكني أطرح وجهة نظري بتعميم، وانا على قناعة ان الحضارة في جذورها هي " المدنية " وتشمل كما أوضحت وأكرر مجموعة الانجازات المادية والروحية، وهناك دمج دائم بين مفهوم الحضارة والثقافة. ومع ذلك نجد أن المعنى السائد في المجتمعات الدمقراطية الغربية عن الحضارة هو كونها إنجازات المجتمع المادية والتكنلوجية ولا يشملون الثقافة بتعريفهم، ويستعملون اصطلاح الثقافة للدلالة على القيم الروحية فقط – أي الإبداع الأدبي والفني والأخلاق والدين .. لذلك من المهم ان نفهم ان صيغة صراع الحضارات تعني في المفاهيم الغربية الصراع بين التقدم الاجتماعي، العلمي، الاقتصادي والتكنلوجي العاصف، وبين مجتمعات متخلفة بمراحل تاريخية مخيفة عن ركب التطور، وتعيش على هامش نظام العولمة – على هامش الحضارة، وبدل المساهمة الحضارية، تنشأ ثقافة روحية تبريرية متمسكة بالماضوية كطريق آخر في مواجهة المجتمعات الغربية المتطورة – هي ثقافة العجز، تقود الى العدائية والخوف وكل الظواهر المقلقة التي نشهدها في العالم العربي أساساً ودول أخرى تسودها نفس الثقافة، وتنعكس عالمياً في صور بشعة من الدموية المنفلتة.
البروفسور ادوارد سعيد، في كتابه العظيم " الثقافة والإمبريالية "ربط بين التطور المادي والتكنلوجي للنظام الرأسمالي – الامبريالي وبين تطور الثقافة .. ورؤيته الهامة كانت ان الثقافة كلها هجينة، وبمقدار هجينتها يكون ثراؤها. أي من الصعب الحديث عن ثقافة مجردة مستقلة نشأت خارج الحضارات. اذا كان هذا صحيحاً تجاه الثقافة، فهو أكثر صحة تجاه الحضارة .. التي هي نتاج اؤلئك الذين أوجدوا الثقافة لتشكل مرآتهم الحضارية، لذا ليس بالصدفة، كما يستنتج ... ان تطور الرواية ( الثقافة ) الانجليزية والفرنسية بهذا الشكل الواسع ارتبط مع نشؤ الامبراطوريتين القديمتين، انكلترا وفرنسا، بينما في أمريكا بدأ التطور الروائي ( الثقافي ) مع بداية تطور الامبريالية الامريكية في القرن العشرين ( ونفس الملامح يمكن ان نشاهدها في تطور الثقافة السوفياتية بعد ثورة اكتوبر ) .. هذا يعني أمراً هاماً، بأن للثقافة دورها الإعلامي الشامل الداعم لدولها .. نفس الدور تلعبه ايضا الثقافة الاسرائيلية .. وفي جذر هذا الدور إظهار بدائية الأعداء وتخلفهم وإظهار إنسانية الاحتلال – الاستعمار، والحضارة التي يبشرون بها الشعوب المستعمرة والمتخلفة ... بالطبع ليس بلا ثمن، والنموذج الاسرائيلي قد يكون أقرب وأبرز في إظهار " انسانيتة " !! وليس مستهجناً ان الخطاب السياسي الاسرائيلي له تغطية "حضارية " في الغرب .. والبكاء العربي على التاريخ والأطلال غير مفهوم ومملّ !!
رفْض العرب للتطبيع الثقافي مع اسرائيل يجب ان يكون في جذوره تشخيص صحيح لحالة الضعف والوهن السياسي والاقتصادي والمدني/ الحضاري والثقافي الذي يميز الحالة العربية غير القابلة للتغيير في ظل أنظمة قبلية وطائفية.
الظنّ أن الحضارة العربية، الضاربة جذورها بالأرض والتاريخ هي قوة للثقافة العربية، هو مجرد وهم، ليس فقط لحالة الغربة بين الانسان العربي وثقافته، انما لاستفحال الجهل والبؤس الاقتصادي والعلمي والتكنلوجي والتخلف في التعليم. ان الفجوة الثقافية بين اسرائيل الصغيرة والعالم العربي آخذةٌ بالاتساع .. يكفي ان أعطي نموذجاً صغيراً: بعض الكتب في اسرائيل يباع منها أكثر من مائة وعشرين ألف نسخة. هل يستطيع أحد ان يشير الى كتاب عربي يوزع أكثر من ربع هذا الرقم ؟! وأكرر ما سجلتُه سابقاً في إحدى مقالاتي: ميزانية أبحاث معهد واحد في اسرائيل ( معهد وايزمان ) تصل الى ملياري دولار سنويا .. ولا أتحدث عن التخنيون والجامعات الأخرى .. بينما كل الجامعات العربية لا تتعدى ميزانياتها، من المحيط الى الخليج .. ثمانمائة مليون دولار. قبل أشهر قليلة قرأت في "الأهرام المصرية" خبراً مزعجاً .. بأن ميزانية فريق للبحث العلمي في جامعة القاهرة يصل الى 365 جنية مصري في العام الواحد، اي جنيه واحد كل يوم ...فهل سنلحق بالركب الحضاري لاسرائيل حتى يستطيع العالم العربي ان يطبع ثقافته معها، أو بمفهوم آخر .. حتى يستطيع مواجهة الاستعمار الثقافي الاسرائيلي .. ليس بالأدب فقط، انما بانتاج الخيرات المادية والنهضة العلمية والفكرية، وبناء مجتمع الرفاه، حتى يستطيع إيجاد تغطية حضارية لخطابه السياسي في المحافل الدولية ؟!
قديما رأى العلامة العربي ابن خلدون ما هو صحيح حتى اليوم، قال : " لغة الأمة الغالبة – غالبة ، ولغة الأمة المغلوبة - مغلوبة ". وأكثر من ذلك: اللغة العبرية اليوم أكثر طواعية من اللغة العربية ومليئة بالاصطلاحات المعاصرة التي أصبحت شائعة الإستعمال في العبرية، بينما في لغتنا العربية نستصعب ايجاد البديل العربي للاصطلاح ، كما جاء في دراسة للدكتور سليمان جبران، المحاضر في قسم اللغة العربية في جامعة تل – ابيب، عن التجديد في اللغة العربية، وان الترجمة من الانكليزية الى العبرية اسهل بكثير من الترجمة من الانكليزية الى العربية، الى جانب ان تطور اللغة العبرية في المائة سنة الاخيرة تجاوز تطور اللغة العربية. وآمل ان استعرض هذه الدراسة الهامة في مقال آخر .. لما تتَّسم به الدراسة من أهمية حول التجديد والتقييد في اللغة العربية المعاصرة. ولكنتي أضيف اني كمواطن في اسرائيل ومدير انتاج في الصناعات المعدنية، اجد سهولة اكبر في استعمال اللغة العبرية في كل ما يتعلق بالعلوم والتقنية واصطلاحات العمل .. وحتى العمال البسطاء يجدون سهولة في فهم اصطلاحات العمل العبرية، ولو حاولت تعريبها، وقد حاولت فعلا ذلك، لما فهموا ما اريد منهم. وأريد ان أذكر أمراً هاماً ومعبِّراً .. حاولتُ قراءة كتاب "الاستشراق" لادوارد سعيد بالعربية، وترجمه كما أذكر البروفسور كمال أبوديب .. فعجزتُ عن فهم لغة المترجم، ولحسن حظي وجدت ترجمة عبرية رائعة للكتاب، واضحة ودقيقة. نفس المشكلة واجهتني مع " الثقافة والامبريالية " لنفس المترجم .. فهل يتوقع أحد ان يجد قراء عرب لهذه اللغة غير الميسرة؟! هل يتوقع احد ان يؤثر الفكر المتنوّر لادوارد سعيد على المجتمعات العربية بلغة من الصعب ان يفهمها حتى المثقفون العرب ؟؟
وأضيف ان المثقفين العرب في اسرائيل قرأوا ادوارد سعيد اما باللغة الانكليزية او العبرية، وأعرف عدداً منهم فشلوا في قراءة الاستشراق بترجمته العربية، ويهمني ان اعرف ردود فعل قراء الكتاب بالعربية.
كيف نطبِّع مع من سبقونا في تطوير لغتهم أيضاً ؟
ما أخافه ان يفرض التطبيع نفسه قبل نجاح العرب في خلق توازن مدني/ حضاري. ولن أستهجن، في هذا الواقع المتردِّي والعاجز ان تواجه الحضارةُ العربية ما هو اسوأ من كارثة فلسطين ثقافياً وحضارياً.
نبيل عودة – كاتب واعلامي فلسطيني – الناصرة