نقاط وفواصل - 6 -
كان الشاعر يشكو آلامًا في المفاصل لكثرة جلوسه خلف المكتب، وكان يكتب دون توقف أحيانًا، في أحد الأيام ذهب لطبيبه الخاص ووضع أمامه ورقة موقّعة باسمه. سأله الطبيب قائلا:
- هل أنت واثق من قرارك يا سموّ الشاعر؟
- نعم يا صديقي.. أريد أن أتبرّع بأعضائي الداخليّة للمحتاجين عند وفاتي.
- هذا قرار شجاع يا صديقي الشاعر، أتمنّى لك العمر المديد.
مضى الشاعر ضاحكًا وكان يعرف بأنّ المحطة الأخيرة في مشوار حياته باتت قريبة. بعد شهرٍ من الزمان أو يزيد، وصل الشاعر إلى المستشفى في حالة صحيّة صعبة وسرعان ما فقد وعيه ووقفت روحه على عتبات الأبديّة متحفّزة، كان الشاعر يتمنّى أن يحضر طبيبه الخاص ليفي بوعده حال انقطاع حبل الحياة. وفي غرفة مجاورة كان هناك ضابط أصيب بعيار ناريّ بالقرب من القلب خلال التدريب والمناورة. حضر طبيب الشاعر الخاصّ، وأدرك بأن صديقه قد غادر الحياة، سأل عن الحالات الاستثنائية في المستشفى وعلم بأن هناك حاجة ماسة لنقل قلب بشري، أجريت الفحوصات الطبية بسرعة وتأكدّ الطبيب من توافق جسد الشاعر والضابط الذي يجاهد للبقاء على قيد الحياة.
بعد سنة من تاريخه، وبعد مقاومة جسد الضابط نبيل للعضو الجديد الذي غرز في جسده، بدأت الحياة تعود إلى كيانه بنكهة جديدة. أوّل ما قام به الضابط بعد ذلك هو الإقدام على قضّ مضجع جاره أبي سعيد طالبًا وبإلحاح غير مسبوق يد ابنته هند. حاول والدها أن يماطل لكن نظرة نبيل كانت صارمة، واعدة، متحديّة، جريئة، وسرعان ما وافق والدها على الخطبة التي اختزل نبيل مدّتها بشهرٍ واحد فقط. استغرب نبيل تصرفاته وجرأته الفائقة وهو الذي كان خجولاً قبل ذلك. أدرك بأن قلبه قد تغير حقيقة، أصبح يمتلك قلب شاعر! بعد مدّة وجيزة حاول قائده العسكري إهانته لكن نبيل عصى أمره. حاول القائد معاقبته أكثر من مرّة لكن نبيل كان كالصخرة لا ينحني لأيّة عاصفة تواجهه مهما كانت قويّة. في المرّة التالية رفع قائده يده محاولاً صفعه، لكن يد القائد تدلت بعد ذلك إلى جانبه مكسورة. سرعان ما انعقدت محاكمة عسكرية، كانوا على وشك إصدار حكم الإعدام على الضابط، وأخيرًا تركوا له فرصة أخيرة للإدلاء برأيه. وقف نبيل وقال بصوت جهوري واثق ((لا خير في جيش يذلّ ضباطه!)) أعاد الضباط الحضور هذه المقولة وسرعان ما أخذوا يداولونها فيما بينهم. كبير الجنرالات هزّ رأسه وقال: "هذا الضابط واعد ولا يستحقّ الموت. هذا الضابط يملك روح مقاتل وقلب شاعر".
ترفّع نبيل إلى درجات عديدة في قوام الجيش حتى بات رمزًا يُشار له بالبنان. وقبل أن يصبح قائدًا عسكريا ذهب لمحامٍ وطلب تعديل اسمه، تذكّر بأن الطبيب قال له آنذاك بأن الشاعر محمد تبرع بقلبه لإنقاذ حياته. أصبح اسم نبيل لاحقًا اسمًا مركّبًا.
ألقائد نبيل محمد هو الاسم الأول لرجل قادر على تغيير معالم التاريخ.
***
كانت السحب تسير مسرعة والرياح لا تتوقف عن دفعها نحو الأمام. قالت إحداها "ما رأيك أن نشعل النيران هنا، "هاتِ جزيئاتك السلبية لتحاكي جزيئاتي الإيجابية لعلّنا نتخلّص من بعض حملنا الثقيل من المياه". أجابت السحابة الأخرى وكانت أكثر حكمة من الأولى "لا يستحقون!" غضبت السحابة الأولى وقالت "لكنهم موحّدون!"، أجابت الأخرى "موحّدون ولكن نيام وكسالى، دعينا نبتعد عن هذا المكان" بعد فرسخ من الزمان والمكان قالت السحابة الحكيمة "هنا يطيب الهطول". قالت السحابة الأولى مذعورة "لكنّهم ملثّمون ولا ندري ماهيتهم!"، أجابت السحابة الحكيمة "صحيح، لا نعرف عنهم شيئًا، لكنهم بالرّغم من شدّة الرياح التي تدفعنا يعملون وينظرون تجاهنا، ألا ترين كيف يدعوننا للهطول يا صغيرتي".
سرعان ما اشتعلت السماء وهطل المطر.