الدَّرجات
" ليرحمنا الله جميعاً، خسارتك يا رافع .. وحياة والدك أنْزِلْني قرب الدرج .. آه هنا .. يلعن الموت وأيامه، ما تشوف إلا الخير يا إبني. كم إدفعْ َلك ؟.. الحمدلله على كل شيء. تْفضَّل يا ابني,, يرحم ألله امواتك. ما عاد قدّ ما مضى، اين كنا واين أصبحنا! المرض يْهِدّ الحَيْل .. إنها مشيئته، يختار من يشاء .. ولا نطلب إلا رحمته. لماذا الباب يستعصي على الفتح ؟ .. آه، ما عاد في اليد حيل، يخلف عليك ويسلِّم إيديك .. وان شاء الله ما تشوف يوم أسود. هالبْلاد من يوم ما تْشرَّد أهلها ما عاد فيها خير .. أيوه .. راح الشَّباب وما عاد في البدن حيل.. ارْحمنا يا رب .. ارحمنا وخلِّصنا .. وارفُق بْحالنا ".
نزلتْ من سيارة الإجرة ووقفتْ تتأمل الدرج الممتد أمامها الى الأعلى ، بشيء من الحيرة والأسى. كانت شمس آب تشوي شيَّا. أمسكتْ بدرابزين الدرج وتلفَّتتْ حولها تبحث عن مساعدة. كيف ستعلو كل هذه الدرجات لوحدها ؟!.. قالت لنفسها: " ما في اليد حيلة " .. بحثتْ عن نسمة هواء تلطِّف بها عن نفسها من هذه الشمس الملتهبة. فتحتْ فمها وأخذت نفساً عميقاً حاولت به ان تبرِّد عن جسدها الممتلئة طيَّاتُه بالعرق المتفصِّد الحار .. وبشيء من الاستسلام لأمر مفروغ منه، صمَّمتْ على الصعود تاركة أمرها لمن في يده الحل والربط .. "الدرجة الأولى، على مهلك يامحروسة .. اطْلَعي درجة درجة .. صحّتك على قدّها .. كل شيء ولا تعب القلب .. ها .. خدي نفَس وطْلَعي .. عبئي صدرك بالهواء .. على راحتك .. من يوم ما شفناهم ما شفنا الراحة. انتبْهي انتبْهي .. تْنفَّسي بْعمْق .. بعمق شديد. العجَلِة مْن الشيطان، ألله يلعنَك ياعزرائيل، ما بْتِتْعب لا مْنِ طْلوع دْراج ولا مْنِ نْزول دْراج. طالِع خفيف وْنازِل مليان. نازِل فاضي وطالِع حامِلْ. لا هم إلك إلا الطيّبين. خذ عنَّا اوْلاد السُّوء .. يا ربي ابْعِدُه عنا .. إنتَ الغفور الرحيم .. إنتَ الجبّار المتمكّن .. أشملنا بِمْحبّتك ورحمتك يا عالما بالاسرار. هبْنا من لدنك قوة. خذ اولاد الحرام .. ذهب الخير يوم جاءوا. خذي نفسك وعلى مهلك .. أيوه .. الدرجة الثانية الطبيب قال لِّك نَزّلي وزنِك .. وإنتِ يا محروسة بطنك فابركة.. ماكينة شغَّالِة ليل نهار. يقبُر الطّب واللّي اخترعوه .. هل نعيش بالحرمان حتى نرضي الطب والأطبّاء ؟ حتى لذّة الأكل يستكثرونها علينا بعد ان فقدنا لذة الشباب. أيام زمان عاشوا فوق الميت سنة، وما عرفوا مرضا.. كانوا يطحنون الصخر ولا يشْكون من ألم الأضراس. لا يعرفون أوجاع المعدة ولا عسر الهضم. اخترعوا الدواء ومرمروا أجسامنا وحياتنا به. حياة والدك كان ينطح جرِّة عسل وعمره ما قال شبعت .. ولا قال آخ. عسل إيّام زمان كان عسلا .. واليوم يا حسرة صار سكرا !! من يوم ما شفناهم راح الخير .. الدنيا ما عاد فيها خير .. دوسي على عزرائيل .. ها.. الدرجة الثالثة (مرمر زماني يا زماني مرمر) عزرائيل مرمر أيامنا .. جاء بركابهم وقعد .. يْصول ويْجول دون وجل مِن حساب. هل صارت رقابنا رهن إشارته ؟ آه يا امّ رافع يا مسكينة .. ماذا أقول لك ؟! جئنا للتعزية .. حياة زفت. الموت دابِكْ نَهْش بالبشر. شباب مثل ليرات الذهب يخطفها عزرائيل في غمضة عين. ماذا ستقولين لأمِّه المسكينة ؟.. اعْتِمْدي على ألله يا امّ رافع .. يا نحس ابْعُد عنا .. تفو على عزرائيل .. تفو عليه أعمى البصر والبصيرة .. هناك من هم أحق بالموت والحرق. مرمروا أيامنا وْلاد الحرام. مصيبتِك لا تُحتَمل يا امّ رافع ... ياعاقلِة، ياخْدومِة، ياكريمِة. تفو على عزرائيل .. ألف تفو عليه وعلى ايامه. على مهلك .. خذي نفْسِك .. ونَفَسا آخر أكثر عمقاً يامحروسة. املئي صدرِك بالهواء .. وعلى راحتِك .. اصْعدي ، أيوه .. ألله معك .. الدرجة الرابعة مات الخاير وترك أطفالاً مثل العيدان الخضراء. القلب قتله .. قاتل ألله الأمراض .. عرض وْطول وْوِجْه مْدوَّر مثل القمر .. كل إمّ كانت تطمع بعريس مثله لابنتها .لا ينفع اللّطم ياامّ رافع .. اوْلاده صغار وبحاجة اليك .. دنيا لا تخضع الا للقوي .. وبعدنا عم نقول مشيئة ألله ؟ هل مشيئته حقاً تيتم أولاده وهم أطفال بحاجة الى رعايته ؟ ترميل زوجته وهي صبية بحاجة الى صدر يحميها ؟ ونقول الموت حقّ ؟ طز في هيك حقّ. حياة لا تسوى .. آه يا صدري .. قال مشيئة الله ؟ يلعن الدرج واللي يحبوه. يقطع النّفَس ويوجِع القلب .. والواحد ما عاد فيه مْروِّة .. يا ساتر .. كله من الأكل اللي يخترعوه .. خيار على شجر .. وبندورة على شجر، كثير وقليل الخير، لا يقوي جسما ولا يمنع مرضا .. ولا يقاوم موتا .. والهمّ والغمّ دافق ..".
الدرجة الخامسة .. وقفتْ برهةً تلتقط أنفاسَها .. وصدرُها يعلو ويهبط إرهاقاً، وعرقُها يسح مالئا طيات لحمها المتثاقلة. أخذتْ أنفاساً سريعة متلاحقة، محركة الهواء أمام وجهها بيدها. تأملتْ ما تبقى من درجات أمامها، وهزَّتْ رأسها برثاء وعجز وحيرة، وعلى محيَّاها ارتسمتْ خطوط عابسة. ارتاح صدرها قليلا وهدأ تنفُّسُها .. تأملتْ ما تبقى من درجات بحيرة. شدَّت قبضتها على الدرابزين حتى لا تفقد توازنها ويحدُ ما يخيفها .. ليت أحداً يعينها .. حتى هذه الأمنية تستعصي بلحظة الشدة .. أخذتْ أمرها بيدها. وصعدتْ.
الدرجة السادسة .. الدرج طويل يامحروسة. ابنك قال لك: " ارْتاحي يا يمّا .. ما بْيعْتُب عْليكِ أحد ". الطبيب أمَرِك بالراحة ... ولكن الواجب مقدس وله حرمته .. جيل اليوم لا يعرف الواجب الا من خلال مصالحه .. النقود أكلِتْ الأخلاق. كثيرة وما لْها قيمِة .. أيام الليرة العِسْمَلّي كانت الليرة تنطح بقرة، وليرةِ اليوم ما بْتكفي رِكْبِة حْمار ... غيَّروا شكلها مرّات. قطَّعوها وْوَصلوها وغيروا اسمها .. يرحمها ألله .. ما عدت ميِّز بين الاوراق. كِلّها بْلا قيمة. هي أحق بالموت من شباب اليوم. لن يأسف عليها أحد .. والأخلاق صارت زي الليرة .. تْقلّصِتْ مع تقلصها .. قالْ ما بْيعتُب عْليكِ أحد ؟ أنِتْ حرّ .. المواساة في الموت يا ابني ولا الاشتراك بالافراح. ألله يساعدك يا امّ رافع .. زوجك تركِكْ صْغيرِة .. قتْلوه الإنكليز .. جاء النّحس بِرْكابْهم .. خرجوا وما خرج .. عدوى لا فكاك منها .. وابنِك يقتلُه عزرائيل النَّحس، ولا يشفق على شبابه، دنيا مقلوبة.
شعرتْ ببعض الإرهاق فتمهَّلت تلتقط بعض الهواء.
الدرجة السابعة .. بلغت نصف الدرج ولم تسمع لا حِسّ وْلا نِسّ .. "أهذه دار ميت ؟ ! ما الحكاية ؟ ولماذا هذا الصمت ؟!". نظرتْ الى الدرجات المتبقية امامها بألم وحيرة وقالت لنفسها: " يسكنون في العلالي من أجل وجع القلب " !
الدرجة الثامنة .. " لا ترهقي نفسك يامحروسة .. حافظي على أعصابِك .. وْعلى مهلك .. حتى الباب مغلق ؟ ما الحكاية يا عالم ؟ ! ولا تبدو حركة في الساحة ..؟ ربما بكَّرْتِ في القدوم ؟ .. ولكن انت مثل امه .. ارضعتِه مع ابنتك الكبرى .. ولولا ذلك لتزوجها .. الدنيا أسرار، لا يعلم بالغيب الا صاحب الغيب نفسه. حتى قدماك تصبحان ثقيلتين. ارطال اللحم تضغطهما تحتها. قالْ خفّفي وزنك قالْ !! على آخر العمر، دنيا ما بتسوى، ركْض وْشقا والكل واصل للجورة .. صار الناس يترحَّموا على زمان التّرِلَلّي بعد ما ذاقوا الامرين من حكام اليوم. كانت الدنيا بخير .. فانقلبت. رحمتك ياعالما بالغيب .. ها "...
" الدرجة التاسعة .. ها.. ركْض وشَقا والكل واصل للجورة .. ما بيدوم غير عزرائيل وْوَجع القلب ونجّار التَّوابيت. لماذا هذا الصمت والميت شاب، تْمزّق اللوعة عليه القلوب ؟! ياغْراب البين .. ها .. هاه .. اف من هذا الحم وقلة الهواء .. ارْتاحي لا تسرعي للموت برجليك. خذي نفسك وعلى مهلك .. تْمَسَّكي بالدرابزين، اصعدي على راحتك .. لا أحد وراكِ بْعصى.. سوى عزرائيل، لا أحد وَراكِ .. سنتين لم تزوري امّ رافع .. منذ انتقلتِ لهذه الأنحاء. كادت تنقطع معرفةْ وْجيرةْ عشرين سنة.عمر يمضي بْغمضة عين. امس كان الاولاد يرضعون مع بعض .. دنيا !! .. الدرجة العاشرة ( جينا الدار نسأل ع الحبايب ) ( لقينا الدار بتبكي ع اللي غايب ) ارتاح من شرهم ، قلوبهم مثل الحجر .. ضرب الخناجر ولا حكم النذل. لولا انه الموت لقلتْ زاح الهم عن اكتافه. من يوم ما شفناهم والشباب يموتون بسبب وبلا سبب. حتى الامراض كِثرتْ. شيء نعرفه وشيء لا نعرفه. جابوا الامراض عشان يشغلوا الاطباء.
رحمتَك يا رب .. رحمتك وقوتك. هانِتْ .. بقي درجتين وتصبحين في الدار .. لا ترهقي روحك بالبكاء، مع ان المرحوم بمقام ابنك.اللوعة في الصدر تْنَشِّف الرّيق وتْغِمّ البال.
احْتِرسي .. قلبك مهزوز ووراكِ عيلة .. بنتين مثل زرّين قْرنْفل .. والعرسان كْثار .. ألله يبعث منهم من يشاء ومتى يشاء. نصيبهم بيده .. يرحم من يشاء ويهب من يشاء. تْرحَّم بنا وابعِدْ عنَّا النّحس يا ربّ. تْفو على عزرائيل .. درجتين لا غير .. الدرجة الحادية عشرة البيت هادئ كأنه مسكون .. الفأر بدأ يلعب بعبِّك .. ما هذه الحكاية ؟! أنتِ في حلم أم في علم..؟ لا حسّ ولا نسّ ؟ لا صوت ولا صْراخ ..؟ لا بكاء ولا لطم ..؟ والميت مثل ليرة الذهب ..وامَ رافع سِتّ مِنْ ناح ولطم ؟ فكيف والفقيد فلذة كبدها ؟؟ ولكن يا للعجب .. لا سمع ولا حركة ؟! توكلي . . خذي نفسك .. وألله معك .. الدرجة الثانية عشرة بقيت درجة والأنفاس تْقطَّعِتْ .. خذي نفسك يامحروسة .. الخبر وراء الباب المغلق. عبئي صدرك وعلى مهلك .. عبئي صدرك هواء، أثمن شيء ببلاش .. اياك من المغلاة بقدرتك .. انا مثل اختك يا ام رافع .. ورافع ابني .. رضع حليبي يوم رماك المرض .. عمر يِركض ويتركنا نلهث .. الحياة تهجرنا وتتركنا خرائب .. يا حسرة على ايام زمان .. وأكل زمان .. ما ذهب من عمر لا يعود .. حتى الارض خطفوها اولاد الحرام .. ياغراب البين .. ياغراب الشؤم .. تفو على عزرائيل .. يحرمنا من الفرح في آخر عمرنا .. كمان عزرائيل مع القوي .. تفو على عزرائيل .. الدرجة الثالثة عشرة .. الثالثة عشرة .. والأخيرة، الحمد لله .. "
عدَّتْهم بالتّمام والكمال.
"رقم منحوس. من يوم آدم وهذا الرقم منحوس .. ما له نصيب .. لو نقَّصوها درجة..؟ او زادوها درجة ..؟ جئت أشاطرك حزنك يا ام رافع . آه من لوعتي .. كيف ألقاها وماذا اقول لها ؟.. كيف اطيب خاطرها بهذه المصيبة ؟ تحلّي بالصبر .. هل عاد فينا صبر حتى نتحلَّى به ؟!"
طرقت الباب وهي تلهث منهكة مقطوعة الأنفاس من التعب والحرّ واللوعة وصعود الدرج ... أطلَّت بعد برهة فتاة صغيرة، وقفتْ قبالتها صامتة تتأملها: "هل هي ابنة المرحوم ؟ اين قلبك يا عزرائيل ؟". نظرتْ للفتاة الصامتة والتي لا يبدو عليها أمر خاص .. كأن الميت ليس والدها ؟ نظرتْ من الباب المفتوح الى الساحة امام البيت .. فلم تر ما يشد نظرها او يشير الى وجود ميت. "ما الخبر ؟!.. لا يبدو كبيت ميت ؟!". استولتْ عليها الحيرة وثار قلقها مما هي فيه .. او يكون الميت قد عاد الى الحياة ؟!
سألت الفتاة وكأنها تسأل نفسها:
- بيت ام رافع يا عيوني؟ ثقتها تقول ان هذا هو البيت، لا يمكن ان تصعد كل هذه الدرجات هكذا لوجه الله .. ولكن الفتاة رغم صغر سنها .. الا انها ، كما يبدو ، فهمت المراد .. فها هي تتحمس وتطل نحو البيت على الجهة الاخرى من الشارع ، وتقول مشيرة اليه بيدها:
- الدرج المقابل يا خالتي !!
كاتب واعلامي فلسطيني - الناصرة mostkbel@netvision.net.il