النَّشر والتَّنوير
ما كانت دور النشر في العصر الحديث إلا جزءاً من حالة نهضوية، تعبر عن رؤية ما في إخراج المجتمع من حال الركود أو التخلف إلى حال أخرى من الحراك والنهوض.
ولا يقتصر هذا التوصيف على دور النشر التقدمية التي يحمل أصحابها نزعة تحررية علمانية أو حداثية. بل إن دعاة الأصولية والسلفية، والباحثين عن حلول ماضوية لمشكلات مجتمعاتهم الراهنة، هم أيضاً ساعون إلى الخلاص مما يرونه أسباباً للركود، وطامحون إلى النهوض بالمجتمع، لكن خارج إطار الحداثة، فتنشدّ أعينهم وعقولهم إلى الماضي الذين يرون فيه المثل الأعلى.
نشر الكتب إذاً هو تعبير عن ملامح حركة مجتمعية، واستجابة لحاجة ثقافية وسياسية، وقد يكون عدد الكتب المؤلفة والمترجمة، وعدد النسخ المطبوعة من كل منها، أحد المؤشرات الهامة والموثوقة لرصد مستوى النهوض في المجتمع أو سرعة السير في طريق النهوض.
وعلى الرغم من أن الإعلام المرئي والنشرات الإلكترونية والشبكة العالمية تقدم الكثير الكثير في مجال الثقافة والاطلاع، وتحلّ محلّ الكتاب أو المجلة والصحيفة، فإن الكتاب ما يزال الوسيلة الثقافية الأكثر أهمية، لا في بلادنا فقط، بل في كل الدنيا. ولعل السبب في ذلك هو تلك العلاقة الدافئة الوجدانية التي تربط بين الكتاب والقارئ، ولعل طريقة حمل القارئ لكتابه، إذ يمسك دفتيه بيديه، ويقلّب أوراقه برفق، ويضمه إلى جانب صدره حين يحمله، وقد يغلّفه خوفاً من اهترائه، ويعيره لأصدقائه ويستعيده منهم ويطلب إليهم صونه والرفق به، لعل كل هذا يصوّر علاقة عاطفية تقوم بين القارئ والكتاب الذي يعجبه ويحبّه، ولا أدري إن كان بين الإنسان والكومبيوتر علاقة مشابهة، كما لا أعرف إن كانت مثل هذه العلاقة ممكنة يوماً.
دَور النشر عمل تنويري نهضوي، ونحن الذين أدمنّا القراءة، وتابعنا قدراً من حركة النشر في مجتمعنا العربي على امتداد نصف قرن، وخاصة في بلاد الشام ومصر، نعرف أهمية الدور الذي قامت به بعض دور النشر والمكتبات التي تتولى طباعة الكتب وتوزيعها. ونقرّ بأننا مدينون لها بثقافتنا ونزعتنا التحررية العلمانية.
نتذكر باحترام مثلاً: مكتبة مدبولي في القاهرة، التي ملأت أيدينا بكتب جديدة، ألّفها مصريون متنوّرون من روائيين وقصّاصين، ونعرف (دار المعارف) القاهرية التي دفعت إلى الأمام حركة النقد الأدبي والدراسات الاجتماعية المنهجية ونقدر الدور الكبير الذي قامت به (دار اليقظة) الدمشقية التي أخذت على عاتقها تعريف القارئ العربي بالأدب التحرري العالمي، ونتذكر دوراً أخرى تابعت الدور التنويري، كدار الآداب والفارابي وابن الوليد وأطلس ودمشق والجماهير والطليعة والينابيع والمحروسة والمدى وغيرها. كانت تلك الدُّور، وما يزال بعضها، تنتقي منشوراتها بعناية فائقة، وإذا برز لدى أصحابها الحرص على ألاّ يتكبّدوا خسائر مادية، وهذا حق لهم، فإن ذلك ما كان يمتد إلى التأثير على السوية الفنية للمنشورات والطابع التحرري التنويري لها.
كما أنني، والكثير من اليساريين الذين قدّمت لهم (دار التقدم) السوفييتية في مرحلة ما، زاداً فكرياً ماركسياً تقدمياً وتحررياً، نتذكر تلك الدار بتقدير وامتنان، وننظر إلى دورها بموضوعية، فلقد أسهمت في نشر الفكر الماركسي والاشتراكية وقوّت النزعة الاشتراكية واليسارية لدى أجيال من شعبنا، ولا يلغي ذلك الإسهام أنها ضيّقت إلى حد كبير مساحة التنوّع فيما تصدره، وعبّرت عن رؤية أحادية، فاقتصرت على ترويج تيار واحد من تيارات الماركسية، وغلّبت الرؤية الأيديولوجية في منشوراتها على الرحابة العلمانية التحررية الحداثية.
إننا نتذكر ذلك كله اليوم، ونحن نحسّ بحاجة حقيقية إلى مثل هذه الدور التي ضعف دورها وخبا بريقها في الحياة الثقافية. نحن في أمسِّ الحاجة إلى دورٍ سوريّة: تنويرية، تنهج نهجاً ثابتاً يقوم على الجمع بين جوانب متعددة أهمها:
ـ نشر ما هو عقلاني وتنويري وتحرّري.
ـ نشر ما هو ذو سوية أدبية وفكرية وعلمية جيدة.
ـ احتضان المبدعين الشباب ورعايتهم، وفق معايير فنية مدروسة.
ـ الحرص على عدم طغيان الرؤية الأيديولوجية والموقف السياسي الضيق على حرية الأدب والفكر والإبداع.
ـ الحرص على التنوّع والتعدد في إطار النزوع العقلاني والعلماني والتحرّري.
راودتني هذه الأفكار وأنا أشارك في حفل ثقافي جميل وجليل، احتضنه المركز الثقافي العربي في حلب، لافتتاح دار نشر حلبية جديدة هي (نون 4)، وتوقيع إصداراتها الأولى وهي أربعة كتب لمؤلفين مرموقين في مجال الأدب والنقد والفكر. كان حفلاً حاشداً، ينعش آمالنا في أن مثقفي حلب وأدباءها ومفكريها قادرون على احتضان دار نشر بل دور نشر تحمل على عاتقها مهمة الإسهام في التنوير والعقلانية، وتؤكد أنهم متعطشون لذلك. إن ما أعلنه مؤسس دار (نون 4) الصديق الأديب محمود الوهب عن توجهات الدار، وما افتتحت به نشاطها في النشر، يبشّران بالخير، ويدعوان إلى الالتفاف حول هذا المشروع الثقافي التنويري.