صناعةُ الجَمال

إيلي مارون خليل قرأها 1,557
 

EMKhalil03.JPG

       إنّها ما يدعونه الفنّ. إنّها ما يدعونه القِيَم. ما يدعونه التّناغُم الانسجام التّكامُل الابتكار التَّجَدُّد.

       ألفنُّ صناعة؟ وخَلق. صناعةُ الخَلق. خَلقُ الصِّناعة. فأنت، حين "تصنع" منحوتةً جميلة، ماذا "تصنعُ"، وكيف؟ وحين "تصنع" تمثالاً، أو قصيدة، أو لوحة... ماذا "تصنع"، وكيف؟ ألا تتناول "الشّيء" بأناملِك تتلمّسُه، تتحسّسُه؟ وبعينيك تنظر إليه، تخترقُه؟ وبقلبك تُحسُّه، تُحبُّه؟ وبخيالك "تتصوّرُه"، تُصمِّمُه؟ أليست هذه "صناعة"؟ وحين تنتهي، ألا ترى إليه، تتفرّس، تستقرىء، تتفحّص، علَّك تجد ما تُنقصُه أو تُضيفُه فتُحَسِّنُه، تُحَسِّنُ "صنيعتَك"؟ ألا يكونُ عملُك هذا صناعةً وخَلقًا!؟ أنتَ، بيديك "تصنع"، بعينيك، بقلبك، بأحاسيسك، بخَيالك، بقِواك، كلِّها، جسديّة، عقليّة، وِجدانيّة، خَياليّة. كلُّك "تشترك" في تحقيق ما تريد، يتناغم الجسد، فيك، مع الإحساس، مع الوِجدان، الخَيال... تتكامَلُ، تُشرقُ سعادة. وإن كان عملُك أقلَّ من طموحك، أقلَّ من رغبتك، أقلّ من تَصَوُّرك. مِثاليٌّ ما تريده وتَصبو إليه. لكن: أيستطيع الإنسانُ، بل الفنّانُ، الفنّانُ الحقيقيُّ، أن يصل، حقًّا، تمامًا، كلّيًّا، إلى ما هو إليه يَنهَد؟ لا. والآلمُ الأصعب، أنّك، كفنّان، تعرف هذا. وتحاول من جديد. لا تصل. تحاول. تظلّ لا تصل. تظلّ تحاول. لماذا تظلّ تستمرّ في المحاولات؟ لتحيا! لتحيا العذابَ الأخّاذ. عبثيّة؟ بل تحَرُّريّة. أنت، هكذا، تتحرّر من أنانيّتك المُتَلَبِّسة بالغرور. تعترف بفشلك. تُحِبُّه، فشلُك هذا. إنّه دافع، لك، جديد. عزمٌ جديد. في "العبثيّة"، هذه، حياتُك الأحَبّ، الأهنأ، الأعمق، الأروع، الأكمل. تتألّم؟ نعم، وتُحِبّ. تتعذّب؟ نعم، وتَعذَوذِب. تُحَبُّ ويُشفَق عليك. تُقَدَّر ويُثَمَّن عملُك. و... قد... لا! ما يهمُّك هو أن تُرضي روحَك والطُّموح. تقتنع؟ لا! وإلاّ توقّفتَ عن العطاء. عن "صناعة" الجديد، عن "خَلْقه".    

       ما قيمةُ ذلك كلِّه؟ قد لا تُسأل. لكنّك تسأل ذاتَك. إن يسألْك أحد، فلسخرية. لاحتقار. لا يقول لهم "صنيعُك" شيئًا. ولِمَ يقول؟ هم في واد، وأنت في آخَر. كلٌّ في واديه يَهيم. ألهِيامُ حُبٌّ شديد. فأنت تحبّ ما تصنع. تحبّ أين تهيم. و"هم" كذلك. ولا يتمّ لقاء. كأنّك و"هم" كائنان يتناقضان إلى آخر الحدود. والنّتيجة؟ تَنَوُّعُ هذي الحياة. هذا الوجود. ألتَّنَوُّعُ غِنى. ألغنى الحضاريّ. أزاهرُ الكينونة.

       والفنُّ صناعةُ قِيَم! فالفنّانُ قيِّمٌ على القِيَم. منه الصّدق. منه الإيمان. منه الإخلاص. الحُبّ. النُّبل. الجود. التّضحية. المثاليّة. فهو، حين ينكبُّ على صنيعه/"صناعته"، يستغرق في ذاته ورؤاه، يسترسل وراء فكره وقلبه، يستسلم لإلهامه وموهبته. وفي هذه كلِّها، صدقُ ذات ورؤى، إيمانٌ بالفكر والمشاعر، إخلاصٌ للإلهام والموهبة. وتاليًا، فإنّ المُشاهِد المُتَأمِّل المُتَذَوِّق للمنحوتة والتّمثال واللوحة، والقارىءَ المُحَلِّل السّابر أعماقَ الكلام، ينهَلان من "نعمة" الفنّ "المصنوع/المخلوق"، قِيَمَ الجمال، إذًا الخير، إذًا الحقّ. فالجمال الخير الحقُّ ثلاثيُّ القِيَمِ. حقًّا إنّ الفنّ نعمةٌ، والنِّعمةُ خالقةُ قِيَم تُحَفِّز الكائن الذّوّاقة، المُثَقَّف، النّاضج... على عيشها. زائرو المعرض تَوّاقو معرفة، يبنونها والذَّوق في ذواتهم، فتنبع فيهم ومنهم، خيِّرةً تشير إلى خيِّرين... قارئو الكتب الجيّدة، هم أيضًا، طُموحٌ إلى الثّقافة والإنسانيّة، تُشرِق فيهم ومنهم، طُمأنينةً تشير إلى مطمئنّين... ألخَيِّرُ المطمئنُّ، خَلوقٌ. ألخلوقُ نبع قِيَمٍ لا ينضب. هو يزرعُها، يتعهّدها، يرافقها، يُعمِّمها. وهكذا فالفنّ قِيَمٌ تخلق قِيَمًا. والفنّانُ الحقّ قيمةٌ تنبثق منها القِيَم. أوَليس الجمال قيمة القِيَم؟ وكذلك الخيرُ الحبّ السّلام الصّدق...؟

       أَوَيمكن لأحد أن يكون خيرًا من الفنّان في "صناعة" الجمال؟ ألفنّانُ يُتِمُّ "صنع" الله. فالله خلق، أبدع، من لا شيء. ألمبدِع يمنح الأشياء كينونتَها. والفنّان "يصنع"، فهو يستعمل "المادّة" الموجودة، أصلا. وهذا يتطلّب "إبداعًا". ألله أبدع ما به "يُبدع" الإنسان الفنّان. تتلامس "الصّناعةُ" مع "الخلق/الإبداع". يتكامل الكون. تتناغم "المخلوقات". أليست هذه "قيمة" من قِيَم الوجود؟

       ألفنّانُ "مدعوٌّ" إلى "صناعة" الحياة. وهل الحياةُ بعيدةٌ عن الفنّ؟ ألفنُّ لا أن تبثّ الحياة في الأشياء، إنّما، وأيضًا، أن تبثّ القِيَم. خصوصًا قيَم الجمال. "دعوة" الفنّان هي أن يخدم الجمال، بعد أن "يصنعه". من هنا قول أفلاطون الّذي مؤدّاه: فضيلة الخير تعتصم بالجمال. وهذه مسؤوليّة جديدة تُلقى على الفنّان "المبدع/الصّانع".

... وقد "رأى الله جميع ما صنعه فإذا هو حسنٌ جدّا".

                                                                                                ألثّلاثاء 2/2/2010