أمي ... افتقدتك كثيراً - مهداة إلى روح والدتي الحبيبة

قصي عطية قرأها 683
 

Pink%20roses.bmp 

من مكانٍ بعيدٍ جاء صوتها مُنسرباً من ثقوب الذاكرة... وانتشرت رائحةُ عطرها في أرجاء الغرفة،... صوتها الرَّخيمُ الحنون هو ذاتُه... نبرتها لم تتغيَّر، أدركتُ وقتَها أنَّها كانت أقوى من الغياب، وحضورها في هذه اللّحظة كان عصيَّاً على الموت نفسه!!...

لفَّني صوتها بكلِّ إحساس الغياب، وسألتني عن أختي "ندى"، وعن جارتنا "أم سعيد"، سألتني عن والدي، وصحّته، وخجلت أن أسألها عن كل الذين غيَّبتهم أظافر الموت، ربَّما لأنّي مازلتُ غيرَ مقتنع أن الموت يقوى على محوهم من ذاكرتي!!...

سألتني عن منديلها الحريريّ، الذي مسحتُ به دمعتها ذاتَ ليلة في غرفة المشفى، وهي تنوس بعينيها العسليتين تاركة كلَّ شيء لنا... ومضت في تلك الليلة إلى غير قرار !...

ـ  "اطمئني .. كلّ شيء كما كان"

قلتُ، وأنا مشدوهٌ أمام ذاكرتها التي لم تُنسها أحداً، وتابعتُ:

ـ "لا تقلقي علينا، نحن بخير".

عانقني صوتها، وضمَّني إليه بعمقٍ.

ـ "يا ولدي .. كبرت"، قالتْ، وانهار جبل قاسيون فوق رأسي، وهشَّم كلَّ محاولاتي للصمود أمام شلاّلات الحنين التي دفعتني نحو قاع البكاء حتى الشهيق!!.

كفكف ذلك الصَّوتُ دموعي المنهمرة، وأعادني إلى توازني ...

توكّأتُ على ما تبقى لديَّ من أملٍ، ورحتُ أتحيَّنُ اللّحظة التي أبدو فيها بحالة جيِّدة ..

مدَّ صوتها أصابعه، ولمسَ وجنتيَّ المبلَّلتين، واستفاقتْ كلُّ الأحاسيس الغافية، وصرختُ كالمجنون:

ـ" أمي ... عودي ... لماذا رحلتِ ؟  .. افتقدتُكِ كثيراً".

قصي عطية/ بانياس الساحل