هل أدخلك الجندُ؟
هل أوقفك الجندُ
على أبواب صباك
صبابتك الغضةِ
حين أردت دخول حقول النعناعِ
ومرجِ الكافورِ، الصفصاف الناعس،
بيت أبيكَ،
وكوخ حبيبتك الموشومة
بالعشق الباكرِ،
وتعانقُ مدرسة الطين،
فصول الدرس المسقوفة
بجريد النخلِ،
الكُتَّأبَ، الشيخَ
عصا الشيخِ وألواح الزنكِ،
الريشةَ والحبر اليدوىَّ،
الركض المتواصل،
خلف جمال القمحِ،
لتسرق سنبله المكتظَّ،
تفرُّ إلى أمكَ،
تحضنك
تحوقلُ
وتصلى لله الرازقِ،
من قبل ومن بعد؟
هل أوقفك الجندُ
وخطفوا منك بطاقتك الشخصيةَ،
نزعوا صورتها المختومةَ،
نظروا فى سحنتك طويلاً،
وأعادوك إلى الخلف،
وولّوا وجهك شطر الرمل..
ليأكلك القيظُ
ويشربك الصهدُ؟
هل أوقفك الجندُ،
ولصقوا شفتيك، بصمغ الصحراءِ
وعصبوا عينيك،
وسدُّوا أذنيكَ
بشمعٍ
وبقارٍ مغليِّ،
صرخوا
من أنت؟
فلم تنطقْ بجوابٍ،
قالوا ممتنعٌ عن تنفيذِ سؤال الشرطةِ،
يسكنه الِكبْرُ،
ويتملكه الرفض المعتدُّ
هل أوقفك الجند،
وقالوا ارفع قدميكَ،
وحطَّهما فى الجو، ارقص
رقصتك الدمويةَ،
صفق لمليكك،
غنِّ الأغنيةَ البدويةَ، فى وصفِ
إبائهْ
ودهائهْ
ومرونته الملتفّةِ
والخفّةِ
مذ كان خفيراً في الدركِ،
وجاويشاً في الجيشِ
عقيداً وأميراً،
حتى صار الملكَ الأوحدَ
وسليلَ المُلكِ،
له الشكرُ، التمجيدُ،
المجدُ.
وله الطير تغرِّدُ، وتردِّدُ،
سيل الأسماء العظمى،
لمليك البلدان، الرعيان، القطعان،
الغلمان البيض،
الأطرى من ورق الخشخاش،
الأنصع من لون الشاش،
الأحلى من وردٍ يغفو
وله تشتاقُ وتهفو
كلُّ نساء البريةِ، والبحريةِ،
تعشقه السندُ،
وتغرقُ فى ماء حلاوته الهندُ.
لكنَّ يديكَ مصفَّدتانِ
وقدميكَ استوتا فى النار،
وعودكَ ممصوصٌ
ولسانك مقصوصٌ
بمقصاتِ القهرِ،
ووجهك من ألم
ينهدُّ،
فكيف سترقصُ
وتغنِّي
وعذابك َيشتدُّ…………
قالوا غرٌّ ووضيعٌ،
ورضيعٌ للمُكْرِ،
ويجحدُ كل عطايا مولانا، يرفضُ
أن يرقص لموكبه
أو يصدح بنشيد قوميٍّ
أفٍ من هذا الحاقد
حين يضلله الحقدُ
قال كبيرُهمُ المهتاج
خذوه وغلُّوه،
وألقوه وحيداً فى ظلمةِ بئرٍ،
أو غيهبِ جُبٍّ،
يمتدُّ ويمتدُّ،
وصبوا فوق قميص الفاجرِ
أكياس الصلصة، وعصير الرمَّان
وقولوا قطَّعَهُ الأسد المفترسُ
وأكملهُ الذئبُ المحتدُّ،
وقال صغيرالجند الفاهمُ
ياقائدَ سربِ كتيبتنا الذهبية
والحافل بالألغاز وبالأخبار السرية
لو أنَّا ألقيناهُ
ستأخذهُ السيارةُ ويباع بثمنٍ بخسٍ
لمليكٍ آخرَ فى ساعةِ نحسٍ
ويفسِّرُ أحلام القصر ويغدو
ملكا ويقاتلُ مولانا،
ينتزعُ التاجَ فنغدوا
خدماً وعبيداً ويُقامُ علينا الحدُّ
فنعدوا
فى بحر الصحراء عرايا
يحفظنا الجزرُ
ويلفظنا المدُّ.
... ...،
فضحك كبير الدركِ المفتونُ
بغلظتهِ، المسكونُ برغبته العظمى
في القمعِ الدركىِّ السافرِ،
شكراً للولد الأصغر،
إذْ صحَّحَ غلطتنا،
وأزاح الغمةَ
وأراحَ الأمّةَ
من شر يبدو
هاتوه وأعطوه بطاقته الشخصية
وأذيبوا الشمعَ،
الصمغ، القارَ وفُكُّوه وحيُّوهُ
دعوه ليدخلَ من أبوابِ طفولتهِ وصباه،
يعانق ويداهم كل حقول النعناع،
وبيت أبيه،
وكوخ حبيبته الموبوءة بالعطر،
فهل أدخلك الجندُ؟