هل صارت إسرائيل دولة ملالي؟
صدر فرمان من وزارة المواصلات: "نساء إسرائيل إلى مؤخّرة الباصات". "القسم الأمامي للرجال فقط". "ممنوع احتكاك الرجال والنساء في الباصات".
إسرائيل التي تدّعي أنّها دولة دمقراطية ليبرالية علمانية، تطرح فرصاً متساوية بين الرجال والنساء، لم تعد تختلف عن نظام طهران.
الويل للمرأة التي تصعد الباص الى قسم الوحوش، أي الرجال المفترسين. للمرأة أماكن مخصّصة في مؤخّرة الباص. في مؤخّرة المجتمع، في مؤخّرة الأكاديميا، في مؤخّرة حقوق العمل، في مؤخّرة امتيازات الأجور، في مؤخّرة السياسة والبرلمان والسلطات المحلية، النساء إلى حيث يقرّر الرجال. والبقية تأتي.. مهلكم!!
هذا بدأ في القدس، ومن العاصمة تبدأ الحكايات.. وبوجود حكومة ترتعب من كل إشارة تبرز من "ملالي اليهود" ذوي اللحى الطويلة، الذين بدونهم لا حياة للحكومة، ولا مستقبل سياسي لنتنياهو.. لذا المتوقّع سيادة العقلية الغارقة في القرون الوسطى، أليوم بما يخصّ النساء، ومن هنا كلّ البدايات، وغدا قد يفرض على الرجال إطلاق اللحى، والالتزام بالطعام حسب الشريعة.. والويل للرجل الذي يمر بين امرأتين لأنه حمار يعتبر، كما أفتى أحد كبار "الملالي"..
صرنا في الهوى سوا.. لم يعد العرب مضحكة لوحدهم لشعوب العالم المتنورّة، صارت إسرائيل صديقة أيضاً ومنافسة على إضحاك العالم، ربما يقرّ أحد طويلي اللحى اليهود إرضاع الكبير أيضاً، ألسنا في الهوى سوا؟ من ينكر اليوم أنّ إسرائيل أصبحت شريكة تتقاسم السخرية معنا في عقلها الذي يرى بالنساء عاراً متحرّكاً وقنابل جنسية شديدة الانفجار اذا ما لامست، او اقتربت من الوحش الذي اسمه رجل؟!
وزير المواصلات كاتس نزولاً عند مصلحة استمرار بقاء حكومة نتنياهو غريبة الأطوار، قرّر الاستجابة للضغط الديني الأصولي الغارق بعقلية ما قبل تحوّل القرد إلى إنسان، ناسفاً من الجذور المفاهيم العلمانية التي كانت وراء إنشاء الدولة. وأقول لولا علمانية الحركة الصهيونية لما قامت إسرائيل... ولكن لا بشارة إنجاز للعرب في هذا الأمر، فهم لا يختلفون في النظرة إلى المرأة. والأفضل أن لا يحلموا أحلاماً سياسية رطبة.
السؤال: أين الأحزاب العلمانية في الكنيست، أين حزب العمل وجنراله وزير الدفاع براك؟ أين حزب ليبرمان (إسرائيل بيتنا) الذي يدّعي أنه يحمل لواء الدفاع عن حقوق ومصالح المهاجرين الروس من التمييز الصارخ ضدهم، وحقهم في ممارسة حياة علمانية وأكل لحم الخنزير والتجارة به، والحفاظ على علمانيتهم، كما تربّوا في دولتهم ومجتمعهم السوفييتي، وعلية حصد ليبرمان أصواتهم، فهل حان وقت المزاد العلني؟ هل صارت الوزارة أهم من المبادئ والوعود التي جعلته قوة سياسية مركزية في إسرائيل؟
إنّ جذور الراديكالية الدينية لدى اليهود أو المسلمين أو المسيحيين أو غيرهم، تخلق وهماً حول التاريخ تخرجه من إطاره وتعطيه صورة لا تتلاءم مع المنطق والتفكير المنهجي العقلاني، بل وتتعارض مع خصائص التاريخ والجغرافيا. ومن هنا أساس التخيلات الوهمية، والمفاهيم البعيدة عن واقع تطور المجتمعات، ورقي الإنسان الحضاري.
العالمون بالأمر يتوقّعون ان يفقد ليبرمان التأييد الجارف من المهاجرين الروس اذا لم يسارع بالاعتراض على قرار وزير المواصلات كاتس ويعمل على إسقاطه. اليهود الروس العلمانيين ومختلف اليهود العلمانيين، ويشكلون أكثرية سكانية، سيتضرّرون من هذا الفصل الجنسي.. ورغم ظاهرة هرب اليهود من القدس التي تصبح أكثر سواداً (لباس المتدينين الأصوليين) إلى تل أبيب العلمانية، إلاّ أنّ القدس لا تزال مليئة بالعلمانيين والعرب والزوار.
هل سنشهد مرحلة من الكبت الديني المنفلت ضد النساء وضد العرب وضد أوساط اجتماعية يهودية متحرّرة من عقليات القرون الوسطى؟
ربما نشهد نساء يهوديات متلفّعات بالشراشف حين يخرجن للطرقات نحو أعمالهن؟ وهكذا سيكون مصير النساء الروسيات أيضاً يا ليبرمان؟ هل سيخفين جمالهن الآسر الذي انتظره شعب إسرائيل عشرات السنين حتى انهار الاتحاد السوفييتي؟ أم ستصبح القدس مدينة لا يستطع السكن فيها الا اليهود الأصوليين السود (أعني السود بسبب ملابسهم)؟
ألأخبار تتناقل قيام حركات سياسية ومنظمات أهلية في تنظيم معارضة جارفة للفصل العنصري المخجل في دولة تعتبر نفسها دمقراطية ليبرالية تحترم حقوق النساء وقانونها يطرح المساواة التي لا تفرّق بين رجل وامرأة وبين يهودي وغير يهودي (يعني عربي حسب الاصطلاح المستعمل من السلطة) أمّا في الممارسة فحدّث ولا حرج. العرب لا يحصلون على حقوق متساوية إطلاقاً، بل يحصلون على حصة أفضل من اليهود، إذ يضاف لهم تمييز عنصري واضطهاد قومي، وهذا لا يحصل لليهود الشرقيين مثلاً إلاّ بالخفاء، يجب أن يحتجّوا ويناضلوا ليصيروا متساوين مع العرب!!
الآن ستصير عاصمة إسرائيل شبيهة بعاصمة السعودية. شبيهة بعاصمة إيران، شبيهة بعاصمة أفغانستان، الويل للمرأة التي تخاطب رجلا. الويل للمرأة التي تركب سيارة باصاً لا يوجد فيها فصل عن الوحوش الرجال. الويل للمرأة التي لا تلبس لباساً محتشماً. الويل للمرأة التي يظهر لحم كتفها، او مطلع سيقانها، او ما هو أكثر بلاء للرجال، كما تعودوا ان يروا ويتنهدوا مكرهين لا أبطالاً، والويل للمرأة التي تتطاول على مناصب الرجال.
صارت عقلية القاعدة غير غريبة عن عقلية بعض نواب الكنيست تفرض على السلطة روحاً دينية يهودية متطرفة، حتى ولو أطلقوا عليها أسماء واصطلاحات عبرية..
صار بعض الوزراء أشبه بالملالي..
أيّها العلمانيون: عصركم انتهى وبدأ عصر الملالي!!
ومن يعرف؟؟!!، قد ينشأ في إسرائيل نظام شبيه بنظام ولاية الفقيه، لا أرى فرقاً عقلياً كبيراً.. ما ينقص صلحةٌ جديدةٌ مع نظام عربي، أو ربّما مع إيران!!
لا شيء مستحيل!!
د. ميرا جميل – كاتبة فلسطينية وباحثة اجتماعية – قبرص
Meara.jameal@gmail.com