سر الخروج من مصر

د. ميرا جميل قرأها 654
 

قال معلم التاريخ صابر بن صابرين انه في زمن موسى وفرعون لم يكونوا يعرفون المطهِّر الذي يرش تحت الإبط لمنع رائحة العرق الكريهة والمزعجة.

رد المعلم سريع بن عدوان ان هذا كلام غير علمي لغياب برهان عملي او اسناد تاريخي سليم له.

تفاجأ صابر بن صابرين، من رد زميله المتسرع، قبل ان يفكر في أطروحته، وضحك ضحكة كبيرة.

-         لماذا تضحك؟

غضب سريع بن عدوان.

-         لأن الإثبات واضح للعيان لو تمهلت وفكرت يا زميلي سريع بن عدوان. وخروج شعب موسى من مصر هو الدليل التاريخي على عدم وجود مطهر لتحت الأبط.

-         لا شيء واضح يا صابر بن صابرين، ولا أفهم العلاقة بين الخروج والمطهِّر.. كلامك طلاسم يحتاج الى توضيح. ما دخل خروج شعب موسى ورشوش عَطِرة تُرشُّ تحت الإبط؟

-         يا زميلي العزيز معلم التاريخ الموقر سريع بن عدوان، انت دائما سريع الاستنتاج دون تحليل الوقائع؟

-         ما هذا؟ درس فلسفة!!

-         الفلسفة دائما في المضامين التاريخية.. وكل العلوم.

-         كفى وجع دماغ يا صابر بن صابرين.. التاريخ سجل الأيام ولا توجد به فلسفة كما تفضلت.

-         بل التاريخ كله فلسفة يا زميلي أستاذ التاريخ، والفلسفة هنا كيف نفهم التاريخ ونستنج الأحداث غبر رؤيتنا للمفهوم التاريخي الذي يشكل مفاهيمنا.

-         الفلسفة دمرت عقلكم وفهمكم للتاريخ .. كل شيء تُحشر فيه الفلسفة.

-         صحيح اني معلم تاريخ، ولكني عاشق للفسفة وبسببها يعشق طلابي دروس التاريخ، والفلسفة شكّلت رؤيتي للتاريخ الذي نُعلمه، ولو كانت لك فلسفة، مثلما لي نظرة فلسفية للتاريخ، ستجد ان التاريخ يختلف عما هو مسجل في ما تسميه سجل الأيام.

-         مرة أخرى فلسفة منفسة. أوجعت رأسي يا صابر بن صابرين. دعنا في التاريخ واتركنا من وجع الرأس.

-         ما أقوله ليس فلسفة يا سريع بن عدوان ، بقدر ما هو درس في كيفية كشف ما كان عبر قراءة أحداث التاريخ ومقارنتها.

-         وكيف توصلت الى عدم وجود المطهِّر للرائحة النتنة تحت الإبط في زمن موسى وفرعون.

-         لو وجد هذا الشيء لما أخرج فرعون شعب موسى من مصر؟

-         وكيف ذلك يا صديقي الفيلسوف، وصاحب النظرة الفلسفية للتاريخ؟

-         الآن وصلنا الى التطبيق بعد الحوار العقيم، اسمع يا سريع بن عدوان كيف توصلت الى عدم وجود المطهِّر الذي يُرشُّ تحت الابط في زمن موسى وفرعون. عندما خاطب موسى ربه مستنجدا على فرعون، في حضرته، رفع يدية بنداء للسماء مخاطباً ربه ان يمده بما يقنع فرعون.. ففاعت الرائحة النتنة من تحت إبط موسى في حضرة فرعون، فصرخ به فرعون، الذي لم يعتد الا على روائح المسك والعطور، وهو يكاد يفقد وعيه من الرائحة الرهيبة: "أخرج فورا من هنا..". قال موسى مصراً: "لا أخرج إلا مع شعبي". صاح به فرعون سادّاً أنفه: "خذ شعبك ولا تريني وجهك مرة أخرى".

د. ميرا جميل – كاتبة وباحثة اجتماعية – نيقوسيا / قبرص

Meara.jameal@gmail.com