صحيفة " الرياض " تلتقي مع الشاعر هنري زغيب

 


"جيئيني بعدد من جريدة أنا مستعد أن أنظم كل صفحاتها المكتوبة نظماً على الوزن والقافية"jlfljfjyflcudjyjhvhfy6ufuyhv.jpg
يعتبر هنري زغيب أن الثقافة تعني التواضع، والإبداع هو زهرة البنفسج التي تنحني لكي تبقى جميلة، ويقول من "يتفوقنّْ" أي من يتحدث من فوق يبقى تحتياً كل حياته.

وزغيب شاعر وناقد وصحافي وإعلامي وناشط ضالع في الحياة الثقافية اللبنانية والعربية منذ 1972، ولد في مدينة صربا، جونيه في شرق بيروت عام 1948، في العام 1970، نال إجازة الماجستير في الأدب العربي من الجامعة اللبنانية، بدأ بمزاولة الصحافة الثقافية منذ العام 1972، في جريدة النهار اللبنانية في مجلة "الصياد" في العام 1975 وبعدها انتقل إلى مجلة "الحوادث"، كما يكتب زاوية "أزرار" الأسبوعية في النهار منذ 1996.

وكان هذا الحوار مع جريدة "الرياض"، تحدثنا خلاله مع الشاعر المبدع عن الشعر وعن آخر إصداراته الشعرية "منصة"

٭ هل تعتمد إعطاء هوية لكل كتاب شعري يصدر عنك؟

- دائماً أنا أعطي هوية كل كتاب جديد يصدر عني عندما أكتب شعر "حب" هذا لأميزه عن أي شعر آخر صدر لي وفي داخل كتابي قبل الأخير وهو "تقاسيم على إيقاع وجهكِ"، كتبت على الغلاف كهوية للكتاب "شعر حب" وفي هذا الكتاب ثلاث مقطوعات نثرية غير موزونة أصررت على أن اكتب في مقدمتها نثرية حتى لا يخلط القارئ بين النثر والشعر، وحتى لا يحسب النقاد علي هذه المقطوعات النثرية، شعراً من طراز شعر منثور أو نثر شعري، هذا أمر أنا لا أؤمن به مطلقاً، الشعر عندي شعر والنثر عندي نثر.

الشعر فن عظيم والنثر فن عظيم فلماذا أريد أن أهين النثر عندما اكتب نثراً فألصق به نعتا شعريا ونثرا شعريا أو قصيدة نثر أو قصيدة منثورة حتى ارفع من مستواه، أنا أرفض هذا، عندما اكتب نثراً أباهي بأنه نثر وعندما اكتب شعرا أباهي بأنه شعر لذلك أرفض كلياً هذه التسميات المتداولة اليوم بين قصيدة نثر أو نثر شعري أو قصيدة منثورة أو قصيدة حديثة إلى آخر هذه التسميات.

٭ ما الذي دفعك إلى كتابة شعر منبري؟

- كتابي الجديد "منصة" شعر منبر لأني جمعت فيه مجموعة قصائد ألقيتها على المنابر في مناسبات مختلفة، لا فرق في النسيج الشعري في الجوهر بين قصيدة منبرية لمناسبة يكتبها الشاعر ليلقيها على منصة أو قصيدة يكتبها الشاعر كي ينشرها، كان هذا تحدياً كبيراً لأنني أعتبر بأن نشر قصيدة مناسبة مخاطرة كبرى فبعض القصائد تنتهي فعاليتها مع زوال المناسبة وأقول أن قصيدة المناسبة لا تنطوي مع انتهاء إلقائها على المنبر وانقضاء المناسبة بل يؤلقها الشعر معه إلى الآتي في الزمان، وهنا عبقرية الشعر.

٭ ما هو رأيك بالتسميات التي تنسب إلى الشعر من نثري وحديث وإلى ما هنالك؟

- الأمر عندي واضح لا كلاماً موزوناً إذاً لا شعر، الشعر عندي هو الكلام الذي يخضع للوزن قد يكون كلاسيكياً يعني فيه صدر وعجز وقافية وتفعيلة وروي وقد يكون قصيدة تفعيلة أي الشكل الكلاسيكي لقصيدة التفعيلة كمعظم قصائد خليل حاوي مثلاً هذا هو الشعر ليس من الضروري أن تكون القصيدة ذات قافية واحدة أو تعتمد سلسلة قوافٍ، الوزن ضروري للشعر وهذا ما يميزه عن النثر الآن بعض الذين يكتبون النثر ويحسبونه شعراً يقولون هذا فيه موسيقى داخلية، أنا لا أؤمن بهذا الأمر لا يقول لي بيتهوفن مثلا أنصت جيداً إلى هذه السيمفونية ستسمع أو ستكشف ما فيها من موسيقى داخلية ليس هناك موسيقى داخلية في الشعر فإما أن تُفرض موسيقاه عليك إيقاعها أو إن ليس فيه موسيقى وليس في شعر.

٭ ما رأيك بالقول الذي يعتبر أن الشعر تخطى الوزن؟

- بكل بساطة القاصرون عن كتابة الشعر الموزون يدعون بأن العصر اليوم تخطى الوزن والشعر الموزون، فهم يستسهلون الكتابة دون وزن ويلصقون "بمنثوراتهم" كلمة قصيدة أو كلمة شعر حتى يرفعوا من قيمته بينما هم يكتبون أحيانا نثراً جميلاً جداً فلماذا إلصاقه بكلمة شعر، شأن النثر كبير إذا كان يستأهل هذا وشأنه لن يصير كبيراً ولو ألصقوا به جميع صفات القاموس من الشعر ومن القصيدة.

اذا يستسهلون الكتابة السردية وأحياناً فيها معاناة جميلة في الكتابة ولكنهم لا يعرفون الوزن يقولون إن الوزن صار موضة عتيقة، في كل عصر جاء أحدهم ليقول إن الوزن أصبح موضة عتيقة، يقول أمين نخلة "الفن يعيش في الصعوبة ويموت في الاسترخاء والاستسهال والسهولة"، الذي يريد أن يكتب شعراً فليعرف أن عليه أن يخوض صعوبة كتابة الشعر أما استسهال الكتابة فهذا ليس من الشعر.

٭ وهل كل من يكتب وزناً وقافية هو شعر؟

- أبداً وأنا أقسو على الذين يركبون موجة الوزن والقافية بحجَّة أنهم شعراء ولا يكتبون سوى النظم وهذا الأمر أيضاً سهل، جيئيني بعدد من جريدة الرياض أنا مستعد أن أنظم كل صفحات الجريدة المكتوبة نظماً على الوزن والقافية، ولكن لا أكون كتبت بيت شعر واحد، إذن النَّظم أيضاً على الوزن والقافية ليس هو الإبداع في الشعر.

٭ وما هو رأيك بالقصيدة السردية؟

- في سرد الرواية ضمن القصيدة خطورة، فالشعر هو التكثيف أما حين أروي رواية في القصيدة فلا يعود هناك مجال للتكثيف ويَفرض علي السرد الروائي أن أطيل وأكرر الشرح وهذا ما يوقعني في النظم، القصيدة الإبداعية يجب أن تكون مكثفة، كلُّ بيت فيها يجب أن يكون عمارة قائمة في ذاتها، هذا لا يمكن أن يتم في الرواية الشعرية أو في القصة المنظومة شعراً وهذا ما وقع فيه للأسف الشديد الشاعر إيليا أبو ماضي، فهو كشاعر ممتاز ولكنه لا يكثف قصيدته فكان مضطراً أن يكتب وينظم أبياتاً وأبياتاً حتى يصل إلى بيت معين سمي عند العرب «"بيت القصيد". القصيدة المبدعة كل بيت فيها يجب أن يكون بيت القصيد

٭ وهل تعتبر أن الشعر هو وليدة الألم؟

- الشعر هو ابن الحزن كما هو ابن الفرح هو ابن التعاسة كما هو ابن السعادة، في جميع كتبي لا يوجد بيت واحد فيه حزن أو تعاسة أو إحباط أو يأس أبداً كل شعري فيه ضوء وفيه لون وفرح وحب وسعادة ومع هذا هو في الشعر "شعر"، المهم الحالة والصدق في سكب هذه الحالة في الشعر.

٭ وماذا عن الحداثة في الشعر؟

قال عنترة بن شداد منذ 1500 عام:

وودت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم

هذا بيت نضر فيه حداثة كأنه كتب اليوم، إذن الحداثة ليست ما يكتب اليوم والعتق ليس ما كتب في الزمن الغابر، الحداثة هو هذه الرعشة الجميلة التي يولدها بيت الشعر أو تولدها في النفس القصيدة سواء كتبت منذ الجاهلية أو كتبت اليوم ورُبَّ قصائدَ مكتوبة ٍاليوم لا تولِّد أي إحساس بالجمال، والشعر هو الجمال وليس جمال القبح كما يعلل البعض، نقرأ قصيدة فيها قبور وموتى وغثيان هذا ضد الشعر فالشعر هو الجمال الذي يولد (آه) في القارئ أو في المتلقي ،

أعطي مثلاً: "المتنبي"، وهو الشاعر الذي يعتبرونه أكبر شاعر في اللغة العربية وهذا ليس رأيي فأنا أعتبر أن أكبر شاعر عرفته اللغة العربية هو "سعيد عقل"،

يقول المتنبي: "على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم "

هذه معادلة حسابية لا علاقة لها بالشعر ويقول أيضاً:

"بقدر الكدِّ تُكتسب المعالي ومن طلب العلى سهر الليالي"

وهذا برأيي نظم، ولكن هو نفسه يقول: "على قلق كأن الريح تحتي"

أو في قصيدته يرثي جدته فيقول:

"وصرت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال"

هذا شعر .. إذاً المتنبي نفسه عنده نظم وعنده شعر والشاعر العظيم هو الذي يقلُّ في شعره النَّظم ويكثر في شعره الشعر

٭ كيف تصف علاقتك بسعيد عقل؟

- قبل أن اعرفه شخصياً عرفت شعره وتتلمذت على تقنية الشعر لديه أنا تلميذ تقنيته، والتقنية هي التي تمتن العمل الفني في فن الرسم زيت خاص لا لون له ولا رائحة له هذا الزيت كالمياه يؤسس به الفنان قماشته قبل أن يبدأ بالرسم الألوان فيشبك في القماشة خيطانها بعضاً إلى بعض ويرسم اللوحة بعد هذا الزيت التأسيسي فلا تتشقق الألوان على هذه اللوحة بعد سنوات بدليل أن لوحة عمرها عشر سنوات ومع ذلك مشققة بحاجة إلى ترميم بينما لوحة أخرى عمرها مئة سنة ولا تزال نضرة ولم تتشقق في الشعر هذا هو الأساس الزيت التأسيسي هو التقنية ومن يمتلك التقنية في الشعر يضمن لقصيدته البقاء الطويل.

٭ ما هي الحالة التي تدفعك إلى الكتابة؟

- في شعري أقول: تساءلين إليك الشعر اكتبه؟ وليس تدرين أنت الشعر يكتبني،

انا في حالة شعر دائمة لا اعرف متى اكتب، ولا اعرف لماذا اكتب ولا اعرف كيف اكتب القصيدة هي التي تكتبني هي التي تندهني عندما يحين وقت «الطلق» تولد القصيدة وتفرض نفسها علي.