يـرحـلـون عـنّـا إلـيـنـا... في غياب الحاضر الأستاذ عـبـده مـبـدّى سـلـيـم

حـنـّا نـور الـحـاجّ قرأها 1,141
  

يـرحـلـون عـنّـا إلـيـنـا...

في غياب الحاضر الأستاذ

عـبـده مـبـدّى سـلـيـم

[1927-2010]

حـنـّا نـور الـحـاجّ

 AbdoSaleem.JPG

 الأستاذ الراحل

عـبـده مـبـدّى سـلـيـم

الـمـعـلّـم لا يـمـوت...

كالمعرفة، كالجمال، كالأوطان، المعلّم لا يموت... تبقى تجلّياته مستقرّة في القلوب والعقول والنفوس.

قد يكون في هٰذا الاعتقاد أو الرأي شيءٌ من بَلْسَمٍ لقلب كلِّ معلّمٍ؛ بَيْدَ أنّه ليس اعتقادًا مصيبًا على الدوام وفي كلّ الحالات. إنْ لم يَترك المعلّمُ في طَلَبَته أثرًا طيّبًا، أو تأثيرًا حاسمًا في تشكُّلهم -عقولاً وقلوبًا ونفوسًا-، فليس إلى خلوده المأمول سبيلٌ.

الأستاذ عبده ليس ظهورًا عابرًا في حياة عبلّين. لا هو مجرَّد ظهور، ولا مجرَّد عبور. هو حضور. حضورٌ لا يعرف للغياب حضورًا.

مـوسـوعـيّـة...

لستُ أنسى معرفةَ هٰذا الأستاذ العلميّةَ في أكثر من مضمار، ولا سيّما مضمار اللغة العربيّة. ولا عجب، فهو ينتمي إلى جـيـلٍ يُـجِـلّ لغتـَه القوميّة ولا يتعاطى معها بِعِدائيّة. ينتمي إلى جيل حَظِيَ بشرف معاصَرة "الكلّيّة العربيّة في القدس". بل هو نفسه نهلَ العلم هناك من خِـيرة الأساتذة، في بداية أربعينيذات القرن المنصرم. لست أنسى أنّه ذات مرّة، خلال سيْر حصّة التاريخ، تـناولَ في عُجالةٍ بعضَ المعلومات الخاصّة بعِلْم العَروض، وذٰلك حينَ تَلا تلاوةً تقطيعيّة إيقاعيّة سريعة مطلعَ القصيدة القصيرة الشهيرة، قصيدة الشاعر الجاهليّ الفنْد الزمانيّ:  

"صفحنا عن بني ذهلٍ       وقلنا القومُ إخوانُ"

"عَسى الأيّامُ أن يُرجعْنَ قَوْمي كالذي كـانوا"

قرأها على النحو التالي: "صفحنا عن... بني ذهلٍ... وقلنا القَوْ... مُ إخوانُ"... فلفتَ انتباهَنا أستاذُ التاريخ (وهو كذٰلك أستاذ مادّة الرياضيّات -الأستاذ عبده ذاته)، لفت انتباهَنا إلى معنى الإيقاع الشعريّ، مخبرًا إيّانا أنّ هٰذا الكلام منظوم على بحر الهزج (مَفاعيلن مَفاعيلُ // مَفاعيلن مَفاعيلُ). في ما بعد، في مرحلتَي الثانويّة والجامعة، أصبح مجال العَروض من أَلَحِّ وأحلى مجالات اهتمامي. يا لَذاك الزمان الذي كانت فيه المعرفة العلميّة لا تتجزّأ، حين لم يكن من النادر أن تتجاوز معرفةُ المعلِّم تَخَصُّصَهُ الدراسيّ والتدريسيّ! أمّا في ما يتعلّق بقول الشاعر الجاهليّ "عَسى الأيّامُ أن يُرجعْنَ قَوْمي كالذي كـانوا"، فتلك، يا أستاذنا عبده، أمنية نتفوّه بها يوميًّا الآن -في زمن الجاهليّة الحديثة، جاهليّة الألفيّة الثالثة!

"وَخَـطَ"...

قبل شهور، التقيتُه في مركز البريد. بعد تبادل التحيّة وجدتُه ينظر إليّ بشديد استغراب قائلاً بعامّيّته المرصَّعة بألفاظ فصيحة: "شو يا زلمة؟ وَخَطَكَ الشَّيْب"! فأجبتُه بابتسامة متهرّبة من الإحراج ومن الحقيقة: "وقار، أستاذ، وقار! بعدين صرنا في الأربعة وأربعين"! فقال: "بَـسّ كثير"! وحين عدت إلى البيت، أخبرت شريكتي سيّدة البيت بما دار بيننا أنا والأستاذ في تلك العُجالة، فلاحَ الاستغرابُ في محيّاها وقالت: "‘‘وَخَطَك‘‘؟! أوّل مرّة بَاسْمَع بهالكلمة"! أجبتها بما أجبتها، قاصدًا أن أشير أنّ معرفة الأستاذ عبده في مضمار لغة الضاد لا تختلف بكثير عن معرفة أستاذ العربيّة المتمرّس، وذٰلك أنّه من جيل غزير المعرفة شديد الاعتزاز بلغته؛ جيلٍ يعرف قيمة هٰذه اللغة وبهاءها ولا يسخر منها؛ جيلٍ يعرف أهمّيّة اللغة لكلّ مثقَّف؛ جيلٍ تَسْـكُنه لغةُ العرب كما يسكن الحبُّ العظيمُ قلبَ العاشق المسلوب اللُّبّ!

دِقّـة وتـدقـيـق وإفـادة وحـرص... 

لسنا ننسى دقّة هٰذا الأستاذ في مواعيده والتزاماته وفحوصه الدراسيّة (وقد اعتدنا جميعنا هنا وهناك أن نسمّيها "امتحانات"، ولا زلنا نصرّ على هٰذه التسمية ونتبنّاها، رغم ما تنطوي عليه من دلالات المِحَن والضيق والترصّد). لا ننسى تشدُّدَه في التصحيح، ولا كثرةَ تلك الفحوص، ولا ضيقَ الوقت الذي كان يُخصَّص لإجرائها.

لسنا ننسى كلماته الصباحيّة التي أفادتْنا وأمتعتْنا بمقدار ما أحرجتْنا. أفادتْنا بما انطوت عليه من دروس وعِبَر. أمتعتْنا بما حوته من ظرف. أحرجتْنا بما كان يرافقها من أسئلة مفاجِئة يطرحها علينا الأستاذ عبده سيّدُ الموقف، في ما يتعلّق بمعاني بعض المفردات (فالكثير من تلك الكلمات الصباحيّة تضمّنت قراءة من كتابٍ قيّم)، فيَـتَمَـتْرَسُ بعضُنا وراء بعض في طابور الصباح، لئلاّ يصيبنا ذاك السهم /السؤال فنعجز عن الإجابة أو التدقيق فيها، فيكون نصيبنا "بهدلة مرتّبة على ساعة الصبح"!

لسنا ننسى حرصه الدائم الصارم على تناول الطعام المغذّي في مواعيد ثابتة. لا ننسى عداءَه للتدخين، وحرصَه الشديد على النوم والاستيقاظ المبكّرَيْن. كلّ ذاك كان الأستاذ عبده مضربَ مَثَلٍ فيه.

ذكـريـات...

لا يزال أسامة جميل غبريس (أخي وصديقي وإشبيني وابن خالي -أربعة اجتمعت في واحد) يستذكر على مسمع منّي كيف كان مدير المدرسة الأستاذ عبده يأتي إلى بيتهم (بيت خالي جميل) طَوالَ فترةٍ ما، صباح كلّ يوم أحد، بين السادسة والنصف والسابعة، ليوقظه فيتوَجَّه أسامة وأحد زملائه إلى حديقة المدرسة، ليقطفا ثمار الكوسا التي زرعها واعتنى بها أستاذ الزراعة وتلاميذه، فيعود أسامة وزميله كلٌّ منهما يحمل لأهله دلوًا مليئًا بالكوسا، وبقيّة الدلاء يدفع بها مدير المدرسة إلى بعض حوانيت القرية، لتُرصَد أثمان بيعها للمدرسة. لا يزال أسامة يستذكر كلّ هٰذا بمزيج من حنينٍ وتفكُّهٍ وتقديرٍ: حنينٍ إلى زمن لا شكّ في جَماله (وكيف لا، وقد غدا ماضيًا؟!)؛ وتَـفَـكُّهٍ مُرٍّ لِما كان في الموقف من ظرْف وقساوة (فالاستيقاظ المبكّر في يوم العطلة المدرسيّة ظلمٌ وقسوة -في عُرْف التلميذ)؛ وتقديرٍ لمدير حريص على تمويل المدرسة بأبسط الطرُق وأكثرها أصالةً: الزراعة.

هل ننسى نحن طلبته كيف كان ينادي كثيرين منّا كلاًّ بِاسْم الوالد أو بِاسْم أخٍ أكبر؟! أربعة أعوام مدرسيّة (1975-1979) رافقَنا هٰذا الرجلُ مديرًا للمدرسة الابتدائيّة "ب" -التي نتوقّع أن يُطلَق اسمه عليها الآن الآن-، وعامًا دراسيًّا كاملاً (1978/1979) رافقَنا مدرّسًا للتاريخ العامّ إذ كنّا في مرحلة الصفّ الثامن. لا أذكر أنّه خلال هٰذه الأعوام المدرسيّة الأربعة تَوَجَّهَ إليَّ بِاسْمي الشخصيّ إلاّ في ما نَدَرَ. اعتاد أن يناديني بأحد اسمين اثنين: "نور" أو "توما" (الأوّل اسم والدي الذي كان في ثلاثينيّات القرن العشرين زميلاً له في الدراسة في المرحلة الابتدائيّة، والآخر اسم شقيقي الأكبر الذي كان تلميذَه قبلي بتسعة أعوام). نسيانه المزمن لأسمائنا الشخصيّة أمرٌ لا ننساه؛ غير أنّ نسيانه ذاك ما كان يغيظنا قَطّ. كنّا -نحن الصغار- نحسّ أنّ الأستاذ بهٰذا النسيان الظريف، الذي كنّا نستلطفه حقًّا، يجعلنا أكبر سنًّا ومنزلةً.

لسنا ننسى تعليقات الأستاذ عبده الظريفة، حتّى في الأمور التي ما كنّا نوافقه فيها. لسنا ننسى تعابيره الفَكِهَة الخاصّة به إبّان الشرح خلال سيْر درس التاريخ: "عمّـك نابليون"؛ "سِـتّك تركيّا"؛ "عمّتك النمسا"؛ وغيرها... أمّا حَزْمُهُ في العَمَلَيْن التدريسيّ والإداريّ، حزمه الذي كان يبلغ أحيانًا حدّ القسوة، فهو كذٰلك أمرٌ يُذْكَر ولا يُنكَر. لكن -وكلمة الحقّ لا بدّ أن تُقال- كان الأستاذ عبده حالة غريبة ونموذجيّة لمدرّسٍ ومديرٍ لا يستطيع الطلبة أن يبغضوه بالرغم من قسوته. حين يَذكر التلميذ أنّ معلّمه الحازم الصارم يعلّم بإخلاص، وأنّ الحزم والتشدّد لا يُخفيان ظرْفَ تعليقات هٰذا المعلّم وظرفَ صراحته ونقاء منطلقاته، حينذاك ليس من المستغرَب ألاّ يَكنَّ التلميذُ لأستاذه بغضًا.

لا يـرحـلـون...

أمثال مَن هم كالأستاذ عبده مبدّى سليم حين يرحلون لا يرحلون. رحيلهم ما هو برحيل. هو رحيلُ إقامةٍ. رحيلٌ كالإقامة. معلّمونا الحقيقيّون حين يرحلون عنّا يستقرّون فينا. لنبارك الحياة التي تجود أقدارها علينا بأمثال الأستاذ عبده!

تباركت الحياة...

عـبـلّـيـن – 8/2/2010