حين تنبت جذورٌ في السَّماء - :أنتعل الغبار وأمشي" – رواية مي منسَّى

زينب عسَّاف قرأها 6
  

بين خطيّن من دم، يرتسم قدر البطلة في رواية "أنتعل الغبار وأمشي" لمي منسّى، الصادرة حديثاً لدى "دار رياض الريّس". خطّا ذهاب وإياب لذاكرة بلا صوت،rfvswfkkkkkkkkkggfds654387654376543.JPG بعدما دفنت ماريا لغتها العربية الأم في حلقها لأجل لغة فرنسية ظلّ تعاملها معها بروتوكولياً يتطلّب وجود ورقةٍ وقلم. وإذا كانت الكاتبة عالجت الحرب اللبنانية في رواياتها السابقة، فإن هذه الحرب تحضر هنا أيضاً كنقطة فرارٍ للسرد الذي هرب مع الناجين من تخيّل المصائر الرهيبة للمقيمين. هذا الإغفال المقصود يتحوّل جمرةً مطمورةً تحت لسان البطلة البكماء ماريا التي لا تملك إثباتاً لما حدث، وبالتالي لوجودها نفسه، لأنها فقدت النطق بعدما شاهدت مقتل والدتها. بطلة بكماء لحوادث خارج الكلام، تقطع آخر صلة لها بصوتها، حين يغادر المركب شاطئ الوطن بعدما أضاعت أخاها الوحيد. على الجذور أن تنبت في السماء إذاً، على الضدّ مما قاله الروائي الراحل يوسف حبشي الأشقر، أو في مساحة مفترضة ليست أكثر من مزهرية موقّتة تجمع أيتام الحروب، "زؤان الأرض"، بحسب تعبير منسّى، من شتى أنحاء العالم تحت مظلّة راهبات "علمانيات" فرنسيات.

ثمة إذاً مكانان يفرضان شروطهما على ماريا: مكان الصوت اللبناني حيث الرواية ممكنة والاستماع مستحيل، ومكان الكتابة الفرنسي حيث البوح مكلف والاصغاء متكلّف، وكل الأمكنة الأرضية الأخرى التي ستزورها في ما بعد في إطار عملها الصحافي من العراق إلى نيجيريا، تبدو اتساعاً باهتاً وترداداً غير أمين لهذين المكانين الرئيسيين. فماريا تبدو كأنها تركت صوتها عمداً على أرض وطنها، لأن أحداً لا يهمّه أن يسمع، ولم تستعده إلا على أرض هذا الوطن أيضاً. وبين الفقدان والاستعادة تمتدّ رحلتها سلسلةً من الفواجع لا تمحو واحدتها الأخرى بل تلدها كإبنة لقيطة. وإذا كان نسيان الماضي الشرط الأول للاستمرار في راهنٍ محصّن ضد التعثّر رغم رماديته، كما أخبرتها الراهبات في الميتم، فإن ماريا طوّرت نمواً أعوج باتكائها على وجود آخرين يشبهونها من حيث كونهم ضحايا، كرفيقيها في الميتم: أماليا الكمبودية صديقتها الحميمة، وسايد الصومالي الذي ستعيش معه قصة حب تنتهي بمقتله. يسعنا القول إن ماريا استبدلت عائلتها الحقيقية المبتورة بعائلة أخرى أخفّ وطأةً، هي عائلة الضحايا العالميين. وعليه، فكل ضحية هي أختها في الظلم، من أماليا وسايد إلى العراقيتين نجوى وكوثر وغيرهما. بمعنى أن أواصر القربى لدى البطلة ليست شجرة تشكّل هي أحد فروعها، بل شبكة فراشات ترميها على من تجد فيه ملامحها ومعاناتها، وتحديداً، حلمها بمواصلة عيشٍ كان له أن يعبر من حيث أفرجت عنه المأساة. هكذا تصبح توأماً روحياً للمغنية الفرنسية الراحلة جنفياف لاتور المكتوب على قبرها "أحبت حتى الموت"، وأماً للطفلة العراقية نجوى، والنسخة "النيغاتيف" للكمبودية أماليا. لكنها دائماً ستعاني من جمرتها الشرقية المخفية في عالمٍ غربيٍ لا يعبّر علانية عن عواطفه رغم أن وضعها كبكماء يناسب هذه الطبيعة الغربية تماماً. لعل ماريا اختزنت الكلام كله إلى لحظة شرقية بامتياز: لحظة خروج أخيها الضائع من سجن نظام ديكتاتوري. عندها انطلق صوتها الذبيح، صوت الطفلة الذي أبى أن يبرّد جرحه نسيمٌ أوروبي، الصوت المعادل هنا لهويةٍ ترذل التكلّف وتبحث عن أقصر الطرق للتعبير.

بين مشهد الطمث الذي يدور في الغربة الثابتة ويباغت ماريا المراهقة بخيط رفيع من الدم، ومشهد الإجهاض الذي يدور على أرض الوطن المهتزّ وينساب نزيفاً حاداً، جارفاً البذرة الصغيرة التي لم تصبح جنيناً للحب بعد، تكتمل الدائرة الروائية: امرأة محكومة بالفقد الذي يزيّحه الدم كل مرة. دمها الذي يباغتها مرتين، هو تكرار لدم أمها المنساب من العنق لحظة قتلها. وإذا كانت المقولات الشعبية تعتبر الدم إشارةً إلى فساد المنام، فإن المنام الطويل والرتيب هنا لا ينتهي بانسياب الدم. دم الأم المكرر في الطمث لدى الإبنة، كان علامة فقدان السلف، ودم الإبنة الثاني هو علامة فقدان الخلف. الدم إذاً هو إطار الصورة لا إشارة إسدال الستار.

تقول الروائية على لسان بطلتها: "توفي سامر (الأخ) بعد أن سلّمني سرّه لأضيفه حلقة سوداء إلى رواية كان لا بد لها أن تكتمل من حيث بدأت يوم ارتمت أمي فوقه لتحميه فأنقذته بدمائها".

برمزية فائقة تنهي منسّى روايتها المؤثّرة، العميقة، والقاتمة: موت الأخ المؤجل سنوات يقع أخيراً أمام عيني ماريا المتقرّحتين من الغربة. ربما يسعنا قلب المشهد قليلاً، تخففاً من بعض السوداوية: انتظر سامر وجود أخته ليموت في حضور من يحب. الأم انقذته والأخت رافقت لفظ أنفاسه الأخيرة. ما لم تقتله الحرب، قتلته العودة إلى أرض سوء الطالع الشرقية. ماريا فهمت أخيراً: وحدهم الموتى ينعمون بالسلام هنا.

زينب عساف
Zeinab.assaf@annahar.com.lb