ألكلمةُ جسدُ المِثال

إيلي مارون خليل قرأها 1,545
  

ألكلمةُ جسدُ المِثال

إيلي مارون خليل

EMKhalil01.JPG 

أعترِِفُ.

ألإحساسُ أوّلُ الدّمع. ألتَّفَكُّرُ أوّلُ البراكين. ألكتابةُ أوّلُ النّار. والكلماتُ منازلُ. إيحاءاتٌ. رؤًى. وأنتَ... أن تُقيمَ في منازل الدّمع؛ في ثورة البراكين؛ في أُوار النّار؛ وأنتَ... أن تقلقَ ـ تطمئنَّ في المنازل؛ أن تتوتّرَ ـ تُضيءَ في الإيحاءات؛ أن تُجَنَّ ـ تَعقِلَ في الرّؤى. وأن تبقى العصبيَّ الهادىء؛ المُتَوَتِّرَ السّاكن؛ القلِقَ المُطْمَئنّ؛ الرّائيَ الصّامت. وإلاّ، فأنتَ المجنونُ، اللا يُحتَمَلُ، اللا يُعاشُ معه. وإلاّ، فأنتَ الغريبُ، العجيبُ، اللا يُعرَفُ له هوًى.

ألإحساسُ تَواصُل. ألتَّواصُلُ انتقامٌ من الوِحدة. ألتَّفَكُّرُ تّكامُل. ألتَّكامُلُ غَوصٌ في الآخَر. ألكتابةُ عَيشٌ ـ حياةٌ للتّجربةِ، غيرَ مرّة. فأنتَ، حين تتواصلُ، تشعرُ بالرِّعشةِ الغنيّةِ، الصّادقةِ، المُتَوَهِّجةِ، تؤمِّنُ لك حياةً، إليها تصبو. وحين تتكاملُ، تشعرُ بالنَّشوةِ العميقةِ، الخِصبةِ، المُشرِقةِ، تؤمِّنُ لك حلمًا، إليه تَنهَد. وحين "تتناولُ" الكلماتِ، تتملاّها، تُداعبُها، تَصهَرُها، تَصقُلُها، تُصَفّيها، تَنسِجُها، جديدةً، موحِيةً، مؤثِّرةً، شخصيّةً، مُبتكَرة، تتأمّنُ، لك، الحياة. ألفنُّ يؤبِّدُ.

أمَرُّ ما في الإحساسِ، شعورُكَ بمرور الزّمن. قبل ذاك، يكون الزّمنُ "يزلَقُ" ولا تَحُسُّ به. حينذاك، لا يكونُ يؤلمُك. ألعنُ ما في التَّفَكُّرِ، شعورُكَ بأنّك لا تعرف. شعورُك، هذا، يُقحِمُك في لُجَجِ الفِكَرِ، المعاني، الصُّوَرِ، الرّؤى، الألوانِ، الموضوعاتِ، الأساليبِ... ما يزيدُ من غربتِك، وفيها. أزعجُ ما في الكلمات، شعورُكَ بأنّها غيرُ كافية؛ غيرُ نافذة؛ غيرُ مُشرِقة؛ وأنتَ... أن تُكمِلَ، أن تنفُذَ، أن تُشرِقَ.  ماذا عليكَ أن تفعل؟ لا تتساءلُ، أنتَ، هنا، أنتَ تفعل. تُملي روحُكَ عليكَ ما تكتب. كتابتُك مُنقِذَتُك.

ألأدبُ دعوة. دعوةٌ إلى مشاركة الله الخَلقَ. دعوةٌ إلى الخير. الحقّ. الحرّيّة. السّلام. الجَمال. دعوةٌ إلى الكمال. كم أنّ الحياةَ، اليومَ، في حاجةٍ إلى الفنّ، عُمومًا، وإلى الأدب خصوصًا. وهو، كذلك، في حاجةٍ إلى الحياة.

*******

أيُّها الصّديقاتُ والأصدقاء!

لا شكَّ في أنّ بين الأدبِ واللهِ والحياةِ، حلفًا قائمًا، أبدًا، مَهمّتُه الأهَمُّ، هي تجسيدُ الحُبِّ، الخيرِ، المِثالِ... نعم! قد يفتديَ الأدبُ العالمَ! هو يبعثُ، فينا، الرّوعةَ. يُجَسِّدُها. و"الكلمةُ صار جسدًا"! أوَلا يُمكن، للجسد، أن يصير كلمةً!؟ لو لم يكنِ الجسدُ مُهِمًّا، نقيًّا، خَيِّرًا، جميلا... أكان اللهُ تجسّد؟

ألكلمةُ جسدُ الإحساسِ، الفكرِ، الحقِّ، العدلِ، الطُّمأنينةِ، السّلامِ، الخَيرِ، الحُبِّ... ألكلمةُ جسدُ القِيَمِ، جسدُ المِثال!                 

       وتاليًا،      

       أوَليس لقاؤنا، هذا، تجسيدًا حقيقيًّا، للحُبّ!؟

                                                                            21/12/2009

·        ألكلمةُ الّتي ألقاها الكاتب في الحفل التّكريميّ الّذي أقامه له (لقاء الاثنين) في معهد القدّيس يوسف/عينطورة، مساء 21/12/2009، لمناسبة استقالتِه من التّعليم الثّانويّ الرّسميّ، ومرور ثلاثين عامًا على صدور كتابه الأوّل.