طواف الهديل - إلى القدس عاصمة الثقافة العربية

غسان كامل ونّوس قرأها 293
  

طواف الهديل

إلى القدس عاصمة الثقافة العربية

غسان كامل ونوس

العرسُ مُتَّقِدٌ

  والزفّةُ الحمراءُ

           تفرشُ دربَ بيدرِها

                             خطاً

والدعوةُ الخضراءُ

            مشرعةٌ

وعروسُ موعدِها تجيءُ

         بلا مراسمَ

                    أو نشيد..

وتوزعُ الرجعَ الأليفَ

       لأنّةِ الروحِ السكينةِ

                    والوريد

وتضيقُ بوتقةٌ

      على الومضِ الملاحَقِ-

كمْ تكسرتِ النصال..

ودريئةُ الصمتِ/الصديدِ

     تقومُ منْ أشلائها الحَرَّى..

            *

مشتِ الدريئةُ

      والظلالُ تناسلتْ

ورصاصُهمْ يشكو

        مفارقةَ الجباهِ السمر

                    واللحمِ الطريِّ

معاتباً

      منظارَكَ المصلوبَ من عينٍ وغُرَّه

مشتِ الدريئةُ

   خطوُها مجدافُ ريحٍ تهتدي

         بعد أن تاهت طويلاً في زواريبِ الدُّعاةِ

         وضيعتْ جهةَ الشروقْ

          وتغافلتْ عن وقعِ نبضٍ

          في أديمِ الضفّةِ الثّكْلَى..

لا تأكلُ الدُّفْلَى

    ولا تُسقى بثدييها..

تجوعُ وتظمأُ الحرّه

*

مشتِ الدريئةُ

لؤلؤُ الوجعِ

   انهمارُ اللّونِ

   في شحِّ المواسمِ والفصولْ

أينَ وردُ الروحِ

      ينثرُ عطرَهُ

           يُلقي شذاه؟!

أينَ أغنيةُ الولوج المرِّ

          في ثقبِ المجرّه؟!

لا وقتَ كي تَرْفوا الكلامَ

          تُطيّروا

            ظلَّ النعيبِ من الطلولْ

لا وقت كي تقِفوا على

            نَصلِ الخطيئه

مشت الدريئه

مشت الدريئةُ

   أيقظوا الخطوَ الملفَّع بالأماني والشذا

   وترامحوا

      فالدربُ مُحمرَّه!

       *

لا وقتَ للتلويمِ

مدعوون منذُ الخيمةُ ارتعشتْ

وسرتْ حبالُ الوصلِ

            في عنتِ الرياح

كلُّ العيونِ شواهدٌ

كلُّ الجراحِ نوازفُ النّدمِ الحزين

والزفَّةُ الكبرى

      يليقُ بها النجيعْ

مشتِ الدريئةُ

   كلُّ نبضٍ غُصّةٌ نتأتْ

           وأنفاسٌ مخبأةٌ

   وأنّاتٌ تضيعْ..!

            *

مضتِ الدريئةُ..

           أوقفوها

كي تلامَ بخنجرِ الغدرِ/القبيلةِ

كي تلامَ على النزيفْ

ولكي تُعاقَبَ

أنْ أهانتْ حقنةَ السُّمِّ/ التشفّي

واستهانت بانبثاق الشهوة الحمراءِ

في الحضنِ المشرَّعِ للرغيف

أوقفوها..

شَعرُها المسفوحُ في الحَنْواتِ

                مَفْسَدَةٌ

    وملامحُ الحِنّاءِ موبقةٌ..

         - دماها-!

وظلالُ رقصتِها الأثيرةِ

-والحجارةُ في يديها-

     موئلُ الأشباحِ

      والأرواحُ شرّيره

والثوبُ

-بستانُ الفراشاتِ المدمّاة الفتيّةِ-

     في ثناياه الخطايا!!

  والصوتُ موالٌ تثوب القبَّراتُ لعريـِهِ

أما الدروبُ إلى الخلاصِ

فقد مشاها القادرونَ

العابرونَ إلى المنابرِ من خلال أنينِها..

ودموعُها وصلاتُها ودعاؤها

         ورجاؤها وحنينُها وأمانُها.. 

نَسيَتْها قافلةُ الخطبْ

أوقفوها

 كي تلامَ على النزيف

 لكي تموتَ من النزيف..

قبلَ أن تنهارَ أوتادُ الخيام

ويدورَ نبضٌ في يفاعتِهِ

وتلتهبَ المآقي بالنذور

وتمورَ بيّاراتُ سندسِها

     مواسمَ للرحيق

والحارسُ المذعورُ

يلعقُ ما تبقّى في القدور..

وتفرُّ قاماتُ الحطبْ

        *

مرَّ الزمانُ على الزمان

والأمُّ غارقةٌ بِـ "نشرِ غسيلِها"

ووليمةُ النزواتِ عامرةٌ

       بما عزَّ وخاب

مرَّ الزمانُ على الزمان

وغشاوةُ الزبدِ المخيِّم

عكرتْ أفقَ السنين

واحتارَ نبضٌ عن صداهُ المرِّ

تاهتْ غيمةُ المزنِ المطارَد

     عن مروجِ التّوقِِ والذكرى

والنهرُ أنكرَ غرّةَ الينبوعِ

ضاعتْ ضفتان..

      *

مَرَّ الزمانُ على الزمان

النّارُ من قُبُلٍ

وبحرٌ من شتات

والعينُ في ضنكٍ

تَعُدُّ عبورَ سهمِ النارِ

مراتٍ بِعَدِّ الفقدِ

بؤبؤها يغالبُ دمعةً

       شردتْ

ومشهدَ قامةٍ علياءْ

والآهُ خجْلى أن تبوح بنارِها

كي لا تعكِّرَ مخملَ الشهواتِ

            والأنفاس والنجوى..         

كي لا تشوِّشَ خلوةَ الأنخابِ

        والبحثِ العصيِّ

       عن المواتِ

           بلا عناءْ..

   *

نومٌ تطاولَ

في سريرِ الوهمِ

طالتْ غربةُ الأحلامِ

غُصَّ الجرحُ في الغمدِ البخيلْ

واغتاظَ نهرٌ

    في عكارَتِهِ

فمَجَّ نحيبَهُ

     وسرى على عُقبَيْهِ

حتى البركةِ المطماةِ

 أوقدَها..

وأعلنَ توبةً

عن ثوبهِ المشروخِ

       بالأقدامِ والنزواتِ

         والعرجِ المشين

ومضى يطوفُ بعرْيـِهِ الريّانِ

              بالعطرِ الدفين

فتَفتّقَ المجرى

وندّتْ ضفّتان

     *

زهتِ الدريئةُ

روحيَ المثلومةُ الظمأى

تُراقصُ حزمةَ الضوءِ الحبيسةَ

منذُ ما للريحِ منْ وهنٍ

             ومنْ ألمٍٍ

             ومنْ عمرٍ بلـيد    

جوقةُ الألحانِ

      تستهمي شآبيبَ الهطول

كلُّ الجراحِ براءةٌ

كلُّ الفراشاتِ ارتعاشاتُ الولوع

والأفقُ نبضٌ منْ شراعِ البوحِ:

إنّي رهنُ هودجِها المضرّجِ

          بالأسى والصبرِ

نهدتُها نشـيد..

فتقرّبي يا نشوةَ الدنيا

فساريةٌ تعود!

    *

ذاكَ العريسُ

   اليوم موعدُهُ

وموعدُنا يجيء..

ذاكَ الدَّمُ الذهبيُّ

    كنزُ الروحِ

  والرؤيا تُلوّحُ

     في المدى المنظورِ

            والمنذورِ

    للفيضِ المبجّلِ

     لا مناصْ              

تلك اليدُ/المقلاعُ

         أشرعةٌ

وموجٌ من تعاويذِ التوسّلِ

   وابتهالاتِ الخلاصْ

          *

كلٌّ عروسٌ أو عريس

(لو مرّ سيفٌ

    لم....)

مرّتْ رصاصاتٌ

فأيُّ دمٍ يسيل..؟!

     *

تمشي الطريدةُ

صوبَ مَحْرَقِها

تطوفُ مرارةُ الصيّادِ

  مصلوباً على قلقِ المسافةِ

بينَ عينِ النّارِ

والنّورِ الحميمْ

وفُوّهةٌ تضيقُ على اتساعِ الرّجمِ-

فوّهةٌ تضيقُ على انهمارِ الضّوءِ

      في الجسدِ السخيِّ

     تتوهُ عن قبسٍ تطاولَ

            في الجهاتِ الستِّ

     فاتكأتْ على سيلٍ

       من اللّهبِ الرجيمْ..

         *

مشتِ الدريئةُ

أيكةُ الرّوحِ

    استفاقتْ

نومُها وأدٌ

وأحلامٌ معتّقةٌ

وفي النبض الحريقْ

وعناكبُ الوقتِ العصيِّ

تصوغُ أكفاناً

بحجم الغصَّةِ الكبرى

وقرباناً يليقْ..!

وعرائشٌ من لثغةٍ تحبو

على صدرِ الملايينِ العراةِ

     تستّروا

      بالوعدِ

       والتلقينِ:

      -كان أبي-

ومات!

    *

دُقّتْ نواقيسُ القبابِ

ببرعمٍ يهفو

    إلى مسرى أليف

وتململَ الشغبُ الرحيمُ

        بصُلبِها

فهلْ زوّادةٌ نضجتْ

ودربٌ من شرايينِ الألم؟!

والزورقُ المركونُ من أَجَلٍ

         على ظلِّ الخطيئةِ

           والندامةِ والأسى

يصغي إلى وقعِ اللظى

      والرجمِ والتعويذِ

          في أوتارِ مَرقَدِهِ..

ويطوفُ مهمازٌ على النسغِ الدّفين

ليهزَّ موالاً تهتّكَ

    في الشفاه المطفأَه 

       *

لملمتِ سرَّ ذرا النخيل

ورسمتِ فصلاً مفرداً

الظلُّ أبهى من خشاشِ الضّوءِ

      حينَ الوقتُ مِدْيَهْ

والورد منطلِقٌ

من الصمتِ الجليلِ

    إلى فِناءِ الضَّوعِ

 دونَ مراسمِ التعميدِ

     والتلقينِ والرقصِ الخجولْ

ويحيلُ للوجدِ المقيمِ

   سلافةَ الرّفضِ المقدّسِ

     والنهوضِ إلى الهديل..

        *

.. مشتِ الدرائي

   غابةً

     من لون ما يسمو

  وعنادلَ الأهزوجةِ الخضراءِ

   موّالَ الرجوعِ

   سنابلَ الومضِ البهيِّ

   لصحوةِ الوقدِ النديَّ

  لعرسِ فاتحةِ الدخول

لعرسِ خاتمةِ الوصول..

     ***