رؤيا – قصة قصيرة من المجموعة القصصية "في الزمن الراجع"

غسان كامل ونّوس قرأها 297
 

رؤيا – قصة قصيرة من المجموعة القصصية

"في الزمن الراجع"

غسان كامل ونوس

GhassanWannousBookCover.JPG

الفهرس

رؤيا

قبل الوصول

الجثة

العصا

طاقة

التابع

في اللجة

شهامة

العزاء

ولدي

الموعد

في الزمن الراجع

ثقب أسود

*****

رؤيا

أحس أني بلا أطراف؛ هل أفقت؟! لماذا لا أستطيع تحريك يدي، ساقي، رأسي؟! فتحت عيني؛ لم أعد نائماً إذن! لا أزال غير قادر على تحديد ما أراه، ما رأيته منذ حين..

يا إلهي! هل كنت نائماً حقاً؟! هل كان حلماً؟! ليته كذلك.. ليتني لم أفق! ليتني أنساه! وهل يمكن تذكره؟! هل أستطيع؟! هل أجرؤ؟!

هل بدأت الحياة تدب في أطرافي، ها أنا أحرك عيني، ها أنا أرى، أعي، أتذكر..! يا إلهي! ليتني.. ليتني..!

*

الشمس وئيدةً تصعد السماء الشرقية، كان ينتظرها على الطريق الضيقة، حاول أن يبوح قبل أن تسخن أشعتها!

الطريق وعرة، كل الطرق موبوءة بضجيج الخطو الغافل، ودبيب السعي المحموم، وأصداء الثرثرات الشاكية، اللاهية؛ لا يستطيع الانفراد بالشمس، ليحكي لها ما رأى، كيلا يتحقق!

هذا ما كانت توصي به أمه، لو يستطيع. لكنه لم يقل شيئاً، حتى حين كان وحيداً، والشمس ناظرة حانقة، لم يجاهر بكلام؛ حاول، لم تخرج أية نأمة.

هل ما يراه عزيز إلى الدرجة التي لا يلقيه فيها حتى إلى الخلاء؟! هل هو قاهر إلى درجة أنه يثقل على لسانه، فيتلجلج؟! أم غريب يخشى أن يقوله كيلا يتهم بما لا يستساغ، ولا يحب؟!

*

ليس كابوساً؛ ليس من خطر عليك أو على المقربين منك، من هم في حيّزك.. ربما‍!

ليس مرعباً! لكنك لا تكاد تتصور وقوعه، لم تتعوده، لا تحتمل حدوثه!

ليس مرعباً! لكنك لا تكاد تتصور وقوعه، لم تتعوده، لا تحتمل حدوثه!

لست تخاف على نفسك فحسب؛ لو عرف الآخرون به، لما هدأت لهم حال، وما استقر مسار!

لماذا لا تخبرهم؟! تحذرهم، علهم يتداركون الموقف، أو يتقبلون حدوثه بصدمة أخف، بأقل الخسائر؟!

*

ليست أضغاث أحلام ترافق النوم القلق!

نومي قلق في كثير من الأحيان، لا أنكر. لكن تكراره بحدة وإصرار يبعد احتمال ذلك. فحتى أثناء النوم العميق، لا أكون في راحة بعيداً عن سلطانه.

*

لماذا يخصك هذا الحلم، أو تلك الرؤيا، أو ذاك النذير، أو تلك البشرى؟!

لماذا اختارك صاحبه من بين العباد جميعهم؟!

ألأنك مميز؟! ألأنهم لا يستحقون؟! تكاد ترفع رأسك بهذا الاستنتاج، تفكر في ذلك؛ كثيراً ما فكرت، ولا يقتنعون! لو كانوا يرون فيك مثل هذا ما تركوك دون عمل، دون رأي، رغم مؤهلاتك التي لا تخفى، هل هذا الذي تتكرر مداهمته لك في أوقات عديدة يأتي نتيجة التفكير المتواصل؟!

"لا.. لا.. أبداً، إطلاقا؛ أنا لا أفكر في هذا؛ أنّى لي ذلك؟! أنّى لمثلي أن يذهب به التفكير إلى ذاك المستوى؟!

ربما كان أمنية؛ بعض الأحلام أمان خائبة، رغبات تتحقق بعيداً عن الواقع، ألهية تواسي، أو متعة لا تدوم!

"أمنية، رغبة!! هذا قارس وقاتل! لا.. لا أرغب، ولا أتمنى. ليس هذا الأمر فحسب، بل توقفت عن التمني منذ زمن، وانسحبت مني الأحلام، ولم يعد يهمني أمر، أو تثيرني قضية؛ هكذا حسبت!"

*

إذن؛ لماذا يحدث لك ذلك؟!

أنت لا تزال قيد التجربة، لا يزال لك وزن، أو حجم، أو حضور. لا تزال في البال. أنت خيّر، وحمّال مسؤولية. وإذا كانوا لا يعرفون قدرك، فذاك ذنبهم، وليس ذنبك. يمكن أن يكون هذا الزمان ليس زمانك، يمكن أن يأتي جيل آخر, أو بشر آخرون يعوضونك عما فات. هذا ما يمكن أن يحدث؛ لا يهم أين تكون، كيف تكون، من تكون.. المهم أنه احتمال وارد مادامت هناك، هنا، حياة تستمر رغم فقد الكثيرين، وليس من خالد!

عليك أن تسعى، لا لتبوح بهذا السر للشمس التي قد تضحك لك، منك، ولا للذين قد يفعلون أكثر من ذلك. بل لتجعل ما تراه حقيقة!

 حقيقة؟! هل هذا معقول؟! ممكن؟! لِمَ لا، طالما أن هناك حياة تستمر؛ ليس من أجلك وحدك، بل من أجل الآخرين، الأقربين أو البعيدين؛ الكائنات الأخرى.. ربما! ليس مهماً الآن، أو بعد أيام، أو سنين، بعد عمر أو أعمار، إن كان ما يقتنع به بعض الناس ممكناً. رغم أن احتمالاتك تلاشت أو تكاد، وخيباتك تكاثفت..

*

ما يثيرني، أن ما أراه يفاجئني، دون أن أكون نائماً، أحياناً. أحس بالأصوات جواري، بالحركة قربي؛ أتحسس البرد والجوع والوحشة. وهذا ما يجعل بعض ما فيّ من حياة يتوقف، يتعامى، ربما، عن الشهادة التي يمكن أن تؤكد التهمة، فيما لو اتهمت! التهمة التي يمكن أن تأتي! لأني أتمارض عن القيام بالواجبات، أتعاجز عن النهوض بما يتطلب مني.. سلبي في مواجهة أفعالهم وسعيهم وشكرهم، وحمدهم.. على النعم! النعم التي علي أن أراها، أحس بها، أحترمها كما يقدرها الكثيرون، يمتنون، ويبذلون من أجلها كل ثمين، إن بقي لديهم منه!!

الشمس تضحك مني؛ أراها من خلف كفي، من بين أصابعي، لا أستطيع النظر إليها طويلا! لا أستطيع التأكد من سخونتها، من مطابقة الموعد الذي لا يمكنني أن أصرح به، بما أرى، وأسمع، وأحس!!

ضيعت فرصاً كثيرة كهذه، أنام أحياناً حتى يفوت الوقت المناسب، فأقول: لا أستحق!

أو تغافلني الغيوم أياماً وشهوراً، فأنتظر أيام الصحو وفصوله؛ تلك التي لا تترك الطرقات تمل، أو تتأمل متوحدة.

وتصيبني حمى من نوع خاص، فأتقاعس عن مصارحتها؛ ألأني أتمناه حقاً، أنتظره؟!

لكنني نذرت، وأودعت "القائمين عليها" ما تيسر! وأرضيت السائلين، وزرت المواقع التي استراح فيها أو أقام الأولياء، وتبرعت للمشاريع التي يتبناها الخيّرون.. كل هذا كفارة، أو سبيل رد، أو فدية.. رغم أني لست من الميسورين، ولا القادرين، ولا المقتنعين.. ربما!

لماذا قمت بهذا إذن؟! حتى صرت مثار تساؤل وشبهة، و.. تهمة!

 

*

الشمس تصعد متباطئة، تزداد ابتسامتها، وتتضاحك أكثر، حين ترنو إلى أعداد تتكاثف, تسعى مثلي لمقابلتها قبل أن تسخن تماماً، كل على انفراد..!

*****

لقراءة القصص الأخرى في مجموعة القاصّ

غسان كامل ونوس

إضغط هنا

وللتعرف على سيرته الذاتية

إضغط هنا

أهلاً وسهلاً بكم في جماليا

الجمال.. لحظة الحياة تكشف عن نفسها