في الزمن الراجع - مجموعة قصص قصيرة

غسان كامل ونّوس قرأها 638
 

في الزمن الراجع

قصص قصيرة

غسان كامل ونوس


الإهداء:

رؤيا

أحس أني بلا أطراف؛ هل أفقت؟! لماذا لا أستطيع تحريك يدي، ساقي، رأسي؟! فتحت عيني؛ لم أعد نائماً إذن! لا أزال غير قادر على تحديد ما أراه، ما رأيته منذ حين..

يا إلهي! هل كنت نائماً حقاً؟! هل كان حلماً؟! ليته كذلك.. ليتني لم أفق! ليتني أنساه! وهل يمكن تذكره؟! هل أستطيع؟! هل أجرؤ؟!

هل بدأت الحياة تدب في أطرافي، ها أنا أحرك عيني، ها أنا أرى، أعي، أتذكر..! يا إلهي! ليتني.. ليتني..!

*

الشمس وئيدةً تصعد السماء الشرقية، كان ينتظرها على الطريق الضيقة، حاول أن يبوح قبل أن تسخن أشعتها!

الطريق وعرة، كل الطرق موبوءة بضجيج الخطو الغافل، ودبيب السعي المحموم، وأصداء الثرثرات الشاكية، اللاهية؛ لا يستطيع الانفراد بالشمس، ليحكي لها ما رأى، كيلا يتحقق!

هذا ما كانت توصي به أمه، لو يستطيع. لكنه لم يقل شيئاً، حتى حين كان وحيداً، والشمس ناظرة حانقة، لم يجاهر بكلام؛ حاول، لم تخرج أية نأمة.

هل ما يراه عزيز إلى الدرجة التي لا يلقيه فيها حتى إلى الخلاء؟! هل هو قاهر إلى درجة أنه يثقل على لسانه، فيتلجلج؟! أم غريب يخشى أن يقوله كيلا يتهم بما لا يستساغ، ولا يحب؟!

*

ليس كابوساً؛ ليس من خطر عليك أو على المقربين منك، من هم في حيّزك.. ربما‍!

ليس مرعباً! لكنك لا تكاد تتصور وقوعه، لم تتعوده، لا تحتمل حدوثه!

لست تخاف على نفسك فحسب؛ لو عرف الآخرون به، لما هدأت لهم حال، وما استقر مسار!

لماذا لا تخبرهم؟! تحذرهم، علهم يتداركون الموقف، أو يتقبلون حدوثه بصدمة أخف، بأقل الخسائر؟!

*

ليست أضغاث أحلام ترافق النوم القلق!

نومي قلق في كثير من الأحيان، لا أنكر. لكن تكراره بحدة وإصرار يبعد احتمال ذلك. فحتى أثناء النوم العميق، لا أكون في راحة بعيداً عن سلطانه.

*

لماذا يخصك هذا الحلم، أو تلك الرؤيا، أو ذاك النذير، أو تلك البشرى؟!

لماذا اختارك صاحبه من بين العباد جميعهم؟!

ألأنك مميز؟! ألأنهم لا يستحقون؟! تكاد ترفع رأسك بهذا الاستنتاج، تفكر في ذلك؛ كثيراً ما فكرت، ولا يقتنعون! لو كانوا يرون فيك مثل هذا ما تركوك دون عمل، دون رأي، رغم مؤهلاتك التي لا تخفى، هل هذا الذي تتكرر مداهمته لك في أوقات عديدة يأتي نتيجة التفكير المتواصل؟!

"لا.. لا.. أبداً، إطلاقا؛ أنا لا أفكر في هذا؛ أنّى لي ذلك؟! أنّى لمثلي أن يذهب به التفكير إلى ذاك المستوى؟!

ربما كان أمنية؛ بعض الأحلام أمان خائبة، رغبات تتحقق بعيداً عن الواقع، ألهية تواسي، أو متعة لا تدوم!

"أمنية، رغبة!! هذا قارس وقاتل! لا.. لا أرغب، ولا أتمنى. ليس هذا الأمر فحسب، بل توقفت عن التمني منذ زمن، وانسحبت مني الأحلام، ولم يعد يهمني أمر، أو تثيرني قضية؛ هكذا حسبت!"

*

إذن؛ لماذا يحدث لك ذلك؟!

أنت لا تزال قيد التجربة، لا يزال لك وزن، أو حجم، أو حضور. لا تزال في البال. أنت خيّر، وحمّال مسؤولية. وإذا كانوا لا يعرفون قدرك، فذاك ذنبهم، وليس ذنبك. يمكن أن يكون هذا الزمان ليس زمانك، يمكن أن يأتي جيل آخر, أو بشر آخرون يعوضونك عما فات. هذا ما يمكن أن يحدث؛ لا يهم أين تكون، كيف تكون، من تكون.. المهم أنه احتمال وارد مادامت هناك، هنا، حياة تستمر رغم فقد الكثيرين، وليس من خالد!

عليك أن تسعى، لا لتبوح بهذا السر للشمس التي قد تضحك لك، منك، ولا للذين قد يفعلون أكثر من ذلك. بل لتجعل ما تراه حقيقة!

 حقيقة؟! هل هذا معقول؟! ممكن؟! لِمَ لا، طالما أن هناك حياة تستمر؛ ليس من أجلك وحدك، بل من أجل الآخرين، الأقربين أو البعيدين؛ الكائنات الأخرى.. ربما! ليس مهماً الآن، أو بعد أيام، أو سنين، بعد عمر أو أعمار، إن كان ما يقتنع به بعض الناس ممكناً. رغم أن احتمالاتك تلاشت أو تكاد، وخيباتك تكاثفت..

*

ما يثيرني، أن ما أراه يفاجئني، دون أن أكون نائماً، أحياناً. أحس بالأصوات جواري، بالحركة قربي؛ أتحسس البرد والجوع والوحشة. وهذا ما يجعل بعض ما فيّ من حياة يتوقف، يتعامى، ربما، عن الشهادة التي يمكن أن تؤكد التهمة، فيما لو اتهمت! التهمة التي يمكن أن تأتي! لأني أتمارض عن القيام بالواجبات، أتعاجز عن النهوض بما يتطلب مني.. سلبي في مواجهة أفعالهم وسعيهم وشكرهم، وحمدهم.. على النعم! النعم التي علي أن أراها، أحس بها، أحترمها كما يقدرها الكثيرون، يمتنون، ويبذلون من أجلها كل ثمين، إن بقي لديهم منه!!

الشمس تضحك مني؛ أراها من خلف كفي، من بين أصابعي، لا أستطيع النظر إليها طويلا! لا أستطيع التأكد من سخونتها، من مطابقة الموعد الذي لا يمكنني أن أصرح به، بما أرى، وأسمع، وأحس!!

ضيعت فرصاً كثيرة كهذه، أنام أحياناً حتى يفوت الوقت المناسب، فأقول: لا أستحق!

أو تغافلني الغيوم أياماً وشهوراً، فأنتظر أيام الصحو وفصوله؛ تلك التي لا تترك الطرقات تمل، أو تتأمل متوحدة.

وتصيبني حمى من نوع خاص، فأتقاعس عن مصارحتها؛ ألأني أتمناه حقاً، أنتظره؟!

لكنني نذرت، وأودعت "القائمين عليها" ما تيسر! وأرضيت السائلين، وزرت المواقع التي استراح فيها أو أقام الأولياء، وتبرعت للمشاريع التي يتبناها الخيّرون.. كل هذا كفارة، أو سبيل رد، أو فدية.. رغم أني لست من الميسورين، ولا القادرين، ولا المقتنعين.. ربما!

لماذا قمت بهذا إذن؟! حتى صرت مثار تساؤل وشبهة، و.. تهمة!

*

الشمس تصعد متباطئة، تزداد ابتسامتها، وتتضاحك أكثر، حين ترنو إلى أعداد تتكاثف, تسعى مثلي لمقابلتها قبل أن تسخن تماماً، كل على انفراد..!


قبل الوصول

مع كل هزةٍ ومضةُ نَصل، وكل امتداد تحديق جاحظ، رغم أنني وحدي. خارج هذا الصندوق المحصن فارسان مدججان يتبادلان النعاس؛ أعرف ذلك من صدى حديثهما المتباعد. وفي المقدمة كائنان آخران، ربما كانا مختلفين.

قرار الترحيل الذي أحسست به دون إعلام، جعلني أتنفس هواء آخر. عطست، وكتمت الباقي من أنفاس، علني أحتفظ منها بأكبر قدر. المسير الساري لم يترك لي طويل استراق لهفة إلى السماء؛ ربما كنت خمنت التوقيت من تراتب النجوم؛ لو كنت ما أزال أذكر! لكنني وجدت نفسي أقرب إلى مشارف الضوء والعتمة؛ يمكنني التأكد أكثر من حلول أي منهما، وأفول الآخر. فالنافذة العليا تستطيع أن تطل على الفضاء، رغم قضبان متعامدة بعناد وغلظة.

لم تكن الرحلة هذه في خاطري، ولم يعد يخطر الكثير؛ لكنها فتحت مفاوز، ودثرت مراحل..

لا أستطيع انتظار أفضل منها طويلاً. وإن كنت آمل ذلك، ما زلت آمل، وإلاّ.. لكفيتهم هذا العناء، وكفيت نفسي هذا السفر المحاصر بين حيرة وتساؤل.

لم أفكر كثيراً في من خلفت ورائي. ليس لأنهم لا يستحقون؛ بعضهم على الأقل. بل لانشغالي بمبرر هذا الخيار الوحيد.. النهائي ربما!

قتلة غير نادمين، وفاعلون محزونون. الآخرون خسروا واحداً يجهل مثلهم سبباً مقنعاً لكل هذا الاعتصار.

الكلام يمكن أن يجر غير السلام، والظلام يستدرج الأحلام، والأماني أشراك مضبوطة. وأنت صياد المشاكل بمهارة. فالحذر الحذر..!!

تبدلت حاسة الاستغراب والدهشة، ناست حال التوقع، وما تزال حاسة أخرى نشطة؛ حاسة ربما تكون قاتلة!

*

في الزمن الراحل، كان في اقتفاء العناصر الهاربة متعة ولهفة. لم تكن المشاهد تمكث طويلاً على الرغم من بطء الحافلة المكتظة. لكن المناظر التالية المأمولة تعزي، أو أن ترقّبها هو ما يجعل الوقت يمضي سلساً عذباً مأسوفاً على عبوره الذي لا يعود.

الرحلة؛ أية رحلة، حتى لو انطفأت في المدينة القريبة التي تظهر عبر ذرا الجبال، كانت تكفي كي يصبح في الحياة ما يحفز على استمرارها دون النظر طويلاً إلى الهدف من وراء تلك الحركة. الهدف الذي صار يكبر مع ابتعاد المسار، وتسارع المناظر التي يتزايد تداخلها بقلق وتوتر، وظل الانشغال بكل ذلك وما وراءه ملاذاً ومتكأًً.

ما يزال الانشغال موئلاً؛ هذا الذي بدأ ينغل، مع ابتداء التحرك القسري، ورغم ضبابية المشاهد، حتى بعد انكفاء الليل الذي أحسه خلل المنفذ الهوائي العالي، فإن توقع المكان، وتخيل التفاصيل تتسارع إلى الخلف، وتصور الحافلات تتراكض إلى الوراء، والأخرى التي نتجاوزها، أو تلك التي تخلّفنا، كلها أمور تجعل للوقت قيمة أتحسر على فقدها. كما كنت أتحسر على مفردات أي سفر ماتع مهما كان قريباُ؛ أم أن عبور المزيد من الوقت يعني الاقتراب أكثر من الوصول.

"تخوفتَ مراراً من الوصول إلى أي امتحان أو أية مقابلة، وتعثرت مشاعرك أكثر، قبل ابتداء مراحل من حياتك الدرسية والوظيفية. أما ذلك الوصول المقيد، فقد أخذ من مشاعر التساؤل والاضطراب الكثير، ولم تخف تلك المشاعر رغم تكرار الحال. وها هي تتواصل الآن؛ بل تندفع بما لا عهدة لي به.

فما الذي ينتظرك؟! وأين؟!

لم تكن نتائج التحقيق المكثف والمتباعد في صالحك.. هذا ما كان يصرح به الفاعلون، وما كنت استنتجته من تفاصيل الأوقات التي تلي كل جولة داكنة.."

لم أعترف؛ هذا صحيح. لكن ما قلته لم يكن كذبا أو افتراء. لم أستطع كتم مشاعري. وكنت أرى أن الحياة من دون وجود (أبو عبدو) ربما تكون أكثر صفاء وراحة. صرحت بذلك ربما، قبل أن يغيب. لكنني لست مسؤولاً عن ضياعه. لم أكن وحدي من يتمنى مثل تلك الأمنية. سمعت الكثيرين يعترفون، يوافقون. لماذا لا يكون لبعضهم أياد أكثر قدرة على التصرف.

لم أفعل. لا أنكر أني فكرت في الفعل، لكنني جبنت، أو ترددت، لقناعتي أنها ليست الطريقة المثلى للخلاص منه، رغم أنها كانت طريقته المثلى للتخلص من أمثالي، وخصومه، أو خصوم أسياده. لم أفعل.. يمكنهم أن يتأكدوا لو يرغبون. يستطيعون الوصول إلى الفاعل إن أرادوا.

ليس كل من كان يوافق بريئاً. ليس كل من كان يتودد إليه، يتقرب منه، يهديه، خارج الشك. ولا من نَمَّ أو وشى، أو دس في أذنيه أقوالاً وأحداثاً هو بمنجى من الاتهام.

كثيرون وصلوا إليه في السر والعلن. عديدون سخروا أنفسهم ومعارفهم وعلاقاتهم لخدمته. لم أفعل مثل هذا. لا مصلحة لي في ذلك. ليس لدي ما أخاف منه، أو عليه، سوى أيام تخبّ بلا طلاوة، وأفكار تغلي من دون ابتراد، وأمان تطوّف، وقدرات تحاصر، وفرص تخبو، بفضله؛ ليس وحده، ظننت ذلك، أعترف بجهلي وحماقتي حين تصورت أنه السبب الوحيد. ظهر خطل ذلك لاحقاً. المعلومات التي امتحنوني بها مرات لم يكن يعرفها. الأفكار التي واجهوني بها لم يكن يفهمها، الحواس التي صارت تهمي لم يختبرها. ولست متأكداً من نجاعتها، رغم أن الكثير من الحوادث كان يجب ألا تمر من دون اهتمام: مدرس اللغة الأجنبية الذي أهانني في الصف أمام زملائي، انتهى في بئر مهجورة؛ الزميل الذي غلبني في معركة غير متكافئة من دون مبرر، وقع عن شجرة التين؛ تلك التي لم تستجب لرغبتي في الحديث الحميم، شوهتها الحصبة المحاسب الذي كان يقرض بعض استحقاقاتي ذهب في قضية عصية.. لكن لم يتهمني، ولم يحاسبني أحد. فلم تصل بي الجرأة أو الغرور كي أظن أن لي قدرات قادرة على الاقتصاص من الآخرين؛ تلك التي لا يتولاها إلا المكرمون.

"لا تحب أن تكون قاتلاً؛ تلك حقيقة، تستطيع الاطمئنان إليها من خلال كل المراحل التي وقفتَ فيها مع نفسك عند أسئلة مرة. وخاصة حين كنت تهرب حتى من الأوهام التي تراوغ النفس عن امكانيات مميزة، فتعيش مشاعر الإحساس الغاضب والمؤنب على فعلة لم تقم بارتكابها. ولكن مراودة الصور القاتمة للأمنية الصريحة التي تكاد تستولي على كيانك، تجعل من تأثيرها حقيقة مؤلمة، بدت أخف وطأة حين كنت تطوّف في مختلف مفاصل الأسئلة والتوقيف الاحترازي. وعلى الرغم من المظاهر التي ترافق من كانت حاله كحالك من فعل وقول وحزن وأمل يخيب، لا تعتقد أن أحداً يمكنه تصديق الأقوال التي يعلنها المتعاونون، ويحاول تأكيدها المدّعون.

كانت أمي تقول: "القط يأكل عشاه؛ يا ويلي عليه"!!

*

لا أتصور نفسي بريئاً؛ لا يليق! هذا معناه انعدام قدرتي على القيام بأمر ضد من لا أستطيع أن أتصوره يعيش في بحبوحة، تؤمنها له غزوات الديار الأخرى؛ تلك الغزوات العلنية والسرية السابقة للاعتقال والملاحقة. لا أريد أن أكون بريئاً؛ معنى ذلك حياديتي السلبية، أو انتظاري لفعل الآخرين؛ من أعرف، ومن لا أعرف. وقد يكونون أكثر؛ يجب أن يتزايدوا.

"صرت تفكر الآن بهذه الطريقة، وتنشغل بالمسؤولين عن الفضل في الوصول إلى هذا الشرف، أو اللعنة.

البراءة لمن لا يعقل، أو لا يقدر؛ إذا كنت عاجزاً، فلماذا هذا الإجراء المتوحش؟!

لم تعد تطيق عودتك إلى قواعدك سالماً معافى شاكراً مادحاًَ، مبتعداً عن كل ما من شأنه أن يعكر صفو أمثاله.."

على مقربة مني حارسان لا أرى أياً منهما. لا أدري إلام سيستمران في الرحلة، هل يمكن لأمنيتي أن تضيعهما؟! كم من المسافات قطعنا، وهما في مهمتهما غارقان، أو ربما صارا في خبر كان! أقول ذلك الآن بصراحة وثقة. يمكننا الاستمرار من دونهما. أما في الأمام فقائدا السيارة التي تقلنا، تحمينا من الوحدة والوحوش والضياع.

يمكنني أن أتجاوزهما أيضاً أو أقضي على أي منهما، ستنحرف السيارة، إذا لم تنقلب. سننتقل إلى رحمته تعالى. أو سأرزح تحت رحمتهم الدنية. هل حصل ذلك؟! هل أنا الآن أعيش مثل تلك الحال مرة فمرة؟!

إلام  ستصير الرحلة إذا ما فعلتُ؟! هل يمكنني تدبر أمري وحيداً في هذا القفر اللامتناهي؟!

قائد آلي، وقائد مدبر! وكلاهما مدرب على مثل هذه المهمة تكررت رحلاتهما القاسية هذه من دون شك.. وهما قادران على التصرف إذا ما أصاب عناصر الرحلة خطب.. فكيف ستصير الحال إذا ما اشتغلت حاستي الضارية..؟؟ إذا ما غاب الأول، ضعنا جميعاً، وإذا ما قضى الآخر، ضاعت بنا السبل!

لا أتصور نفسي دون قائد؛ لم أعد أستقر، أو أتوازن لولاه؛ لماذا؟!

 كي أتمنى له الموت؟! كي أقتله وأتهم به؟! كي أحلم بالاتهام به؟! كي أخالفه وأسجن؟! كي أطيعه وأصبح بريئاً ساذجاً مريضاً عقيماً.. ميتاً ربما!

ليس من أجل أن نصل؛ لا أحد يعرف معنى الوصول، أو يتكهن بجدواه.. لم أعد أراهن على شيء، لن أنظر نحوهما. سأعيش برفقتهما، متمتعاً بقيمة كرهي لهما، وأمنيتي نحوهما؛ ذلك أفضل من أمان كثيرة أخرى يمكن ألا تتحقق. ذلك أفضل من تهم قد تنتهي بي إلى الهاوية.

لست بريئاً..

لست قاتلاً..

لا أتمنى الوصول إلى أي مكان؛ لا أنتظره؛ لو أستطيع...!!


الجثـة

-قد يكون الأمر مختلفاً بعد أن..

لم أنتظر أن يكمل؛ لن يفعل، كما في كل ما مر. رغم ذلك سألته على الفور:

-أن ماذا؟!

أطرق، واهتز رأسه في جهات أخرى.

لم أكن أسأله، لا أحب أن أراه في تلك الحالة يتدبر أمر إجابة مقنعة. لكني لم أستطع صد رغبتي في تقرّي ملامحه التي لم تفصح.

*

تخمنين أحياناً ما الذي يقصده سعيد أخوك، بل تعرفينه حق المعرفة. لكن الأمر يختلف حين تحاولين التكهن بمشاعره.

ليست العلة في محاولتك ربما..!

ولكن..

ماذا عن مشاعرك أنتِ؟! ألستِ معنية أيضاً بالذي سيجري؟! قد تختلف الدرجة، لكن: الحال والمشاركة والموقع والزمان.. ألا تكفي كلها لتجعلك في دائرة قريبة من وسط الدريئة، إن لم تكوني في قلبها تماماً!

*

صحيح أن من الصعب تناسي كل ذلك الذي كان، بسببه تحولت حياتي إلى تقافز مضرج فوق النتوءات، أو زحف عار في طرق وعرة.

أقول أحياناً، ويقولون: القدر والطبيعة والطبع..

أفهم ذلك؛ أحاول أن أتفهم، وأبلع شوكي وغصتي ومراري.. وأذوي، كما يفعل سعيد أو يكاد. لا أريد أن أكاثف الهم في رأسه، لو كان متسع لهمّ جديد!

لا أحب أن أساهم في كدر الدنيا في عينيه. أتراه يرى شيئاً مضيئاً بعد؟!

لو كان الأمر يتعلق بي وحدي، لهان الأمر، وتحملت وسكت..

يقول في لحظات ارتداد من شرود داكن:

-لو كان الأمر يخص إخوتي، لكان الوقع أقل!

أتغافل عن كل ما لاقيت ورأيت وشهدت، لأقول:

-لكنه.. لا تنس!

يهز رأسه بعنف:

- وما الذي يخنقني لو لم يكن أبي؟!

وينتفض قبل أن يتلاشى في حال كالسبات..!

*

لا أستطيع التفكير في اللحظة التي سيحدث فيها ذلك؛ يمكن أن يحدث. كل الأصداء والإشارات والهمسات التي قد تصل إلي من زواره تؤكد أن ذلك يمكن أن يكون وشيكاً.. الأطياف الملونة لتلك الأصداء تزيد الحال توتراً ووخزاً.

لا أستطيع التكهن بما يمكن أن يلي..

 وأفكر مرغمة بما كان، حين يستنهضني في أية ساعة من الليل أو النهار اللذين فقدا حدة المفارقة، صائتاً مدلهماً متلجلجاً، أقف جواره مرتعدة، رغم معرفتي أنه لن يستطيع القيام بأي فعل.

أتمنى أحياناً أن يكون بإمكانه تحريك أي شيء، حتى لو يضربني. وأؤكد أنه كان سيفعل، رغم أنني لم أقصر في خدمته؛ أسهر على تنهداته ، كما كنت أعيش مع غصاتها.. تلك التي استراحت من بلواها، كما ابتهلت وتمنت طوال الزمن الذي عايشتها فيه.

يفعل لو يستطيع؛ فعلها مرات معها، معي.. مع إخوتي.

توفيق غادر بلا رجعة، وتيسير تطوع وابتعد، توأمي غادرت مع عامل لدى شركة نفذت مشروعاً في البلدة، وغابت. وبقي سعيد بلا حول، كحالي!

لكنه تزوج من دون رأي، وأنجب من دون وعي؛ الوعي الذي أحس به الآن يجتاحه، كما يجتاحني!

*

لستِ العانس الوحيدة في البلدة، فهن كثيرات ويتزايدن! لكنك الوحيدة التي لم يتجرأ أحد على الاقتراب منها، ناهيكِ عن التقدم إليها، الوحيدة التي لم تجرؤ على التفكير بمخلوق  قد لا يعجبه شكله، هو الذي يسخر من كل شيء: الكلام، الأهل، السمعة، الشهامة، الثروة، اللهجة.. لن يعجبه شيء، ولم يعجبكِ..

"لا.. هناك من راودتني أطيافهم، ظننت أن فيهم من يستحق أن يكون منقذي، لكني لم أقو على البوح بذلك حتى في الساعات التي أخلد فيها للسبات، خوفاً عليهم.. ربما!"

أخرجك من المدرسة باكراً لتكونين رهن طلباته، أمك لا تكفي، لا تصلح، لا تعرف: البطون التي أفرغتها هدت قوامها؛ منهم من مات جنيناً، ومنهم من لم يعش طويلاً.. كل ما فيها تضعضع تحت وقعه، وكان يصفها بأشنع النعوت، ويمارس بحقها كل ما يعرف، أو يبتكر من أساليب بعد أن يبالغ في الاتهام.

-ألا يكفي أنني لم أعرف امرأة سواك؟!

ليته فعل؛ ترددين ما كانت تقول. ربما انشغل عنكم، وأراحكم من وقت، أي وقت قد يمضيه معها.

تستدركين أحياناً:

-أوكان سيحمّلنا تبعات ذلك أيضاً، كما نتحمل وزر علاقاته ومشاكله وخصوماته التي لا تنتهي، خلال قدره/قدرنا الذي يبدو أنه لن ينتهي.

*

كثيراً ما يأتي لقائي بسعيد بعد جولة من الواجبات التي تضني. وما يزيد من تعبها أنها تفتقر إلى أي إحساس بالرضى يمكن أن تلمسه لدى الجثة التي لا تقبل الموت، أو القناعة بأني أقوم بما علي القيام به، بل هو أكثر بكثير، لو تقاس الأشياء بما ينقصني. حتى أنني لأردد أحياناً: أميت يجر ميتاً؟!

وأتخارس تحت وقع الضرورة والواجب والخلق والأمر الواقع.

 أضحك أحياناً حين أفكر أن حالي أحسن من حال سعيد، زوجه الملحاحة سرعان  ماتبادرني بالحديث الذي يمرمرني، عن الورثة التي يجب أن تؤول إلى أولادها الذين يحاصرونه أيضاً، فأبوهم هو من يتعب ويعاني ويهتم.. وتتحمل وإياهم كل ذلك دون منة!

أعرف أنها تحاول الحد من واجبات سعيد والتأثير في علاقتي به، متحضرة لما سيأتي! 

أرتعد حين أفكر بما يمكن أن يحدث، وبالطريقة التي يمكن أن يتم فيها، وبالأمنية التي تنسرب بين الأفكار الكثيرة المتشابكة، والتي تجعل أمر الوسيلة أقل أهمية. لكن إشراقاً يلوح، ليس مبعثه تصور الخلاص مهما كان بعيداً وكارثياً، بل كوني ما أزال قادرة على أن أفكر وأتمنى وأحس!

*

ذات فجر يحترق، جرجركِ خلفه إلى بيوت الغرباء كي يقبض الثمن، ويعلم إخوتك، كما ادعى. وجرجرت أيامك وسنواتك حتى قذفتك الحرب من جديد، في جحيمه الأبدي.

-بل ليشتري مشروبه الناري!

قالت أمك، وهي تغص بعبراتها..

لماذا لم يخف على عرضه حينذاك؟!

 بعد أن صرتِ بين أسواره صار يتهم النظرة والإشارة والعبور، حتى لو كان مصادفة.

*

شتمته وبكيت، وأبعدته عني بانتفاضة يائسة حين جاء يواسيني، ويكفكف بعض آلامي. واتهمته بالجبن والنذالة و..

لم يرد سعيد..

( بماذا يرد؟! وهل تنتظرين منه رداً وأنت تعلمين أن حيله شحيحة، وإمكانياته معدومة أو تكاد..؟!

أهنتِه حين قلتِ:

-الحسرة على أطفالك!).

*

هذه المرة سألته أن يكمل، تمنيت، رجوت، توسلت بلهفتي أن يقول، أن أسمع منه شيئاً، أن يقول أحد ما قريب مثلي.. أن يتردد ما يدور في ذهني، في خيالي؛ ما برح يتردد منذ حين عبر كل المسموعات والزيارات والشكايات التي ألحظ تأثيرها على سعيد..  أخي يحاول التهرب بعد ما يئس من الدفاع محاولاً التحصن بواجبات ذي القربى والمساكين. قلت في نفسي، وقال الكثيرون سواي.

قال لي ذات مساء:

-ألا يكفيني ما بي حتى تضاعفي همي؟! ألا تلاحظين الغضب والشماتة والفرح الخافت والمعلن على ملامح الزوار؟! حتى أنتِ يا..!!

-إلام تنتظر؟! أمي..

-أعرف أعرف: أمي منذ زمن، وزوجتي وأختي وأولادي والجيران.. ما الذي تريدينه؟!

(سألتِ نفسكِ  السؤال ذاته. هل فكرتِ أن يفعل شيئاً بهذه الجثة التي لا تموت؟! لن يتطلب الأمر كثيراً من التصرف والحيلة؛ قليل من الجرأة التي لم تكن لديه، هل كانت لديكِ؟!

  خجلت من نفسك إذ فكرتِ بذلك، وأهنتِها، ونعتّها بأشنع الصفات..!)

كيف ستكون الحال لو فعلت؟! كيف سأواجه نفسي؟!

ساورني شعور مماثل حين فكرت بالانتحار! جبنت، أعترف، بل خفت أن أترك سعيداً، بعد ما غابت، وحيداً مع أبي العاجز عن كل شيء، إلا أن يشبع نزعته للغضب والشتيمة، وإلقاء التهم جزافاً على كل المخلوقات. المسكينة أمي في آخر أيامها، وكان لديه بعض قدرة على الحركة وبعض قوة ما تزال، كانت تمكث جواره ليضربها دون أن تتحرك؛ يمكنها أن تبتعد عنه دون أن يستطيع اللحاق بها؛ لم تفعل! لم أسألها عن السبب؛ ها أنذا أعرف السبب! أليس دوري مماثلاً؟!

قد يكون الأمر مختلفاً..

-بأي اتجاه؟!

 لم يحدد، ولم أفكر بذلك؛ لم أجرؤ! أو لم أتوقع أن الأمر يمكن أن ينتهي!

قد يكون الأمر مختلفاً؛ ليكن.. المهم أن..

-أن ماذا؟!

لم يسألني، ولم أفعل. أطرقت، وطأطأ.

وانتفضنا بلهفة واحدة..

كان صراخه الملجلج يتناهى كأنما آت من عالم آخر..!!


العصا..

أمسكها من منتصفها.. العصا تدور ببطء يتسق مع رفع اليد، لا تلبث أن تتسارع..

ليس في عرس، ولا في عرض مهاري، أو ساحة عراك؛ إنه وحيد، والوقت ليلن والزمن يتهالك إلى برزخ غامض.

*

ثمة كائن تتقوس قامته على الطريق التي لم تعد متعرجة، يوزع نظراته في عرضها، ويسدد العصا في المدى المجدي. امتداد ينوس، ولهفة تتكاثف في دبيبها المهشم أمام خطواته التي كانت رشيدة، وإصرار يضغط رأسها براحتيه، ويستوثق بقبضتيه، كأنما أخمص، وأصابعه على الزناد.

قامات أخرى غير مكترثة تلهث في خببها، وصدى تركض وعر وتراشق حار في فضاء يتغلق مع اضمحلال الضوء في عينيه. الرجوع غير مشجع، والأمام ضحل، والوقت ينقضّ على جسد يتهالك.

*

لم يكن بعد متسع من الوقت.. السوق العتيق ممتد ومتكاثف؛ لم يزل عتيقاً رغم تجديد واجهاته، أمضيت غمامة الوقت متنقلاً بين أشيائه، لم تستهوني المقويات، لا تلزمني بعد، ولم تستفزني المهدئات، لا تكفي، المنضرات المطرّيات المنعشات.. استوقفتني حجارة الحف المثقبة، كانت تخرش، مع ذلك، هي أفضل من سواها! الحصى الملساء تصلح للعب، للمقلاع.. أغصان الريحان والغار المتيبسة باقات وأكواماً، الجرار والقوارير والعطور.. معلقات وأكياس وأدوات..

لم يكن بعد متسع من الوقت، لم أكن قد اشتريت شيئاً، لست متأكداً إن كنت أتيت لأشتري، ولماذا اخترت هذا المكان في هذا المنعطف الزمني الحاد، لم يزل حاداً كما يقولون..

ليس من عادتي العبور من هنا، لم تكن رغبتي، ولم أعها، لم أفهمها، ولم أقتنع بمحصلة زيارتي التاريخية هذه إلى السوق العتيق!

*

أمسكتَها من طرفها، لوحتَ بها. لو كنت في الدار العتيقة لصدمت بعض أعمدة الخشب الداكنة المتشققة، تلك التي تكاد تضيع جراء ما تعلق بها من أدوات وصور، وربما حدث ما لا يسر:

سيغضب أبواك، أو يفرحان، لا تستطيع التأكد من ذلك، فتحار مشاعرك..

لوحتَ بها قافزاً، يمكن أن تصيب أشياء تتكسر، ستغضب أم الأولاد حين تعود، إن كانت ستعود! اصطحبتهم إلى بيت أهلها، لم تستأذنك، هل حثثتها على ذلك؟! لم تعتد الذهاب من دون رأيك. المناسبة تبرر، تحب أن تعيشها كما يجب، يمكنها أن تفعل ذلك هناك، ألن تغضب؟! لم يكن ذلك يريحك.. في ما مضى، في ما مضى..!

وتحب الآن أن تحياها على مزاجك، أو تفضل أن لا تحياها؛ إذن.. لماذا عرجت على السوق العتيق؟! ولماذا العصا؟!

*

ثمة كائن رحب المحيا، متماسك الأعضاء، مشدود إلى الخطو الواثق والهمة الناتئة، رغم الوعورة وكثافة الجذوع والأغصان، ورغم الهدف الغامض؛ العصا في يده تساعده على التوازن، إن اختل، والعبور إن ضاقت المنافذ.. الثمار العنيدة تتساقط تحت وقعها، والكائنات تخر صرعى، أو تفر، أو ترعوي، حين يهشها.

لم يكن لينسى أن يمعن النظر في ما يمكن أن يكون أفضل من بين الجذوع والفروع، ليستبدله بها.

*

-هل هذه أَلِف أم عصا؟!

لم أرد، رغم أن الأستاذ كررها مرات!

ربما كنت متشككاً، هل هذه تمنع ذاك؟! وهل تحتاج (الحمدو) كل هذا الجهد؟! هل من الضروري أن أدل على كل حرف ألفظه؟! يمكنني أن أقرأها، بل أن أتلوها غيباً، مع قصار السور جميعها، وخاصة تلك التي تذكر بالجن والوسواس!

كان أبي مصراً على أن أحفظ (جزو عم)، لم أحقق أمنيته، فكان يتركني لسلطان الأستاذ الذي أعجبه حفظي، وأغضبه عدم قدرتي على الاستدلال؛ الكلمات المتوافقة مع اللفظ، والحروف التي تستعصي على التمييز، خاصة تلك التي لا تشبه العصا والمنجل والأدوات الأخرى..!

*

ضفاف النهر تغص، وحجارة قاعه الملونة نظيفة ناصعة..

ترى.. إلى أي مدى يمكن أن تصل الحصاة التي تضربها العصا؟! وما الفائدة؟!

*

الكائن يشبهك، لكنك لم تحمل عصا في حياتك، لم تحبها، لم تستسغ رفقتها المتخلفة، ورأسها الأعمى، وانتصابها الأصم، ونحولها المستفز.. هناك عصا شقت ماء البحر المالح، وعصي تحولت إلى ثعابين تتلوى.. لكنك لم تقتنع، لم تستهوك، حتى لو زينت بالألوان والأزرار المنسجمة مع الرداء المنتظم، أو ألبست جلداً أو قماشاً، أو سلسالاً مفضضاً أو مذهباً.. حتى لو اكتظت بالنتوءات، أو غصت بالمسامير..

لكنها الآن في يدك، وأنت وحيدن والصمت يكاد يخنق الفضاء حولك، ولا يفيد الضجيج البعيد؛ هناك وقع خطا، وربما همس متقصد التخافت.

ليسوا زواراً، فنورك مطفأ، أو نائس يكاد يتلاشى.. والوقت فات على الزيارات.

كان أبوك يخشى مثل هذه الأوقات، رغم أن العصا في حوزته، يحملها مستنفراً، ويخرج، حتى إن نسم الهواء بشكل مفاجئ، فليس من حق كائن، أي كائن، أن يدنس حرم البيت، حتى لو كان كوخاً.

لم يكن لديك مثل عصاه، دارك الجديدة أفضل من الكوخ، ومن البيت الترابي الذي كان؛ بل من بيوت أخرى، وما تمثله أكثر وأغنى!

الآن تحتاج إليها.. لكنك لا تعرف كيف تستخدمها، لم تجرب، لم تتدرب، ولن تفعل بَعْدُ ذلك، هل من فائدة؟!

-هراء!!

كنت تقول:

في زمن الصواريخ العابرة للقارات، والقذائف الموجهة بالأشعة، والأجساد المفخخة، ما فائدة العصا؟!

كنت تظن أنك في منأى عن هذه المواجهة، وفي منجى من أي عراك داخلي أو خارجي. ليس لديك أعداء يُخشَون.

لكنك الآن تحتاج إليها، ليس لديك أفضل منها، وليس بمقدور جسدك أن ينفجر، لم تحضره لذلك. أين خيارك الأجدى؟! الآن!!

*

هي لمن عصا ويعصو..

في يدي ليست كذلك، رغم أن هناك من يستحق. وتمنيت مراراً أن أراه يعاقب، يتألم، لا أن يموت، ولا أن يبقى متفاخراً بما فعل ويفعل، بل مقيماً الحد بنفسه على الآخرين، آمراً باستخدامها ليتلذذ،حتى يتعب، فيكون الأفظع!

هي جديرة بالعقاب، تلك التي غادرت مع أولادها. فعلت ذلك مرات، استحقت ذلك مرات، واستحق سواها، ويستحقون. رغم أن ذهابها اليوم كان من دون خصام، ولست غاضباً لذلك، الآن على الأقل!

لكنني لست من يفعل، ومن يفعل لا يحسن الاختيار. لست جلادا، ولا راعباً، ولا مسؤول انضباط..

في يدي ليست للزينة، أيضاً؛ لست خليفة، ولا أريد. ليست رقيقة شفافة، لا معنى لذلك، لست قائداً لفرقة موسيقية، ليس ذلك من هواياتي.

ليست لرفع الرايات، لست مكلفاً في مسيرة؛ كنت أتهرب من حملها، ولست مساقاً إلى حرب، ولم أستسلم، رغم أن هناك من يظن ذلك، من يتمنى، لأنني لا أواجه؛ أصمت، لا أشارك في أفعالهم أو أقوالهم؛ هل هذا قليل؟‍!

العصا شهوة وانتقام، أو انسجام مع الحال المستنفرة للكائنات، الكائنات التي لا تنسى ولا تتوب، ولا تكتفي، ولا تشبع؛ الكائنات التي تتنافس حتى في الغناء، وتتصارع حتى تدمى من أجل عصفور، ويتقاتل عقلاؤها في السر والعلن من أجل إله غير محدد، وتعاليم لا يتبعون، وفتاوى حسب اتجاه الرياح..!

*

العصا في يدين توقفت عن الدوران. استقامتها تثير، تفرح.. انتصابها يبهج، وتحتاج إلى توجيه.

يمكن أن تحفظ قامتي، فتضيع قامات أخرى.. يمكن أن تستلقي، فتئن انحناءاتي التي كابرت طويلاً من أجل تأجيلها، لكنه الزمن وأشياء أخرى أقسى..

أحركها، أنتقل في البيت معها، أنظر إليها منتشياً، متسائلاً، متأملاً، متمنياً، مبتسماً.. تنوس الابتسامة مع ازدياد أصداء الوقع المتقارب.

الباب مقفل جيداًن سأكمن خلفه.. ولدى أية محاولة جدية للدخول، سأستخدمها، لا حل آخر..

لكن..

ما الذي يمكن أن تفعله أمام أسلحة من أنواع مختلفة؟!

المهم أنني هنا، في بيتي، وهي في يدي، وأنا مهدد، وكياني، ومصيري!

هل كان علي أن أتحصن أكثر؟! أستعد أكثر؟! وما السلاح الذي يجدي؟!

ليس الآن وقت التساؤل، وليس مهماً من يكون القادمون. الأهم أنني في بيتي، وحيد ومهدد.

من حسن الحظ أنها والأولاد خارج هذا المكان. أم أن وجودهم إلى جانبي كان سيقوي من عزيمتي؟! وهل لغيابها علاقة بما يجري الآن؟!

ومن يكون هؤلاء؟!

هل هم عابرون؟! هل يتوقفون؟! هل يتراجعون؟!

*

تراجع إلى الجدار خلف الباب الموصد، أسند إليه ظهره. الباب في مواجهته، والعصا في يده.. يهزها مسدداً باتجاه ما!


طــاقة

يمكنني الآن أن أرتاح. مر زمن طويل لم أذق خلاله طعم السعادة، أو أعرف معنى الراحة.

من أين لي أن أهنأ أو أرتاح، وحدودي مباحة، وأبوابي متاحة لمن يرغب حتى بقتل الوقت، أو نشر الفضيحة، أو التطفل حتى على الأنفاس. وليس الطّرق إن أقفلتها يرحم، ولا وقت أو موعد يمنع!  حتى النوافذ القليلة الضئيلة لا تسلم هي الأخرى من العيون المتسللة والمتسلقة بلا وهن أو خجل.

أستطيع الآن فقط أن أسمع إيقاع أنفاسي  الهادئة، وصدى نبض القلب الرضي. أستطيع أن أنام، إن رغبت، أو أسهر كما أشتهي، دون أن أتقيد برغبات الآخرين، أو تصنيفات الضوء والعتمة. أقدر أن آكل أو أصوم، أشرب أي نوع من الشراب دون الخوف من مشارك سمج، أو ضيف غفلة أو شرود، مفتٍ أو ناصح. يمكنني أن أقرأ أو أكتب، أن أشاهد التلفاز في أية محطة أو برنامج، دون أن أخشى تشويشاً أو كلاماً أو اتهامات. سأسمع موسيقا حسب ما أشتهي، ووفق ما أحب. يمكنني أن أتمدد في أية غرفة، أو ركن، على الأرض أو البساط أو الأثاث الذي لم يعد يهم لونه نضارته متانته، فلن يراه سواي، ولن تشوه رضاي به واختياري له تعليقاتهم. لن يدخل إلي أحد، فالأبواب موصدة بإحكام، والنوافذ لن تدخل حتى الضوء والهواء.

يمكنني حين أود أن أتمشى في حديقتي الصغيرة التي أعددتها رغم تدخلات الآخرين؛ الشجيرات التي أحب، والأوراد التي اقتنعت بروائحها، والأزهار التي تسعدني.

يمكنني أن أخطو صوب أي منها، وأتملاها دون أن يراني أحد، فالأسوار عالية عالية، الموقع مرتفع، والباب ضائع مانع.

*

أية نعمة صرتَ إليها؟! أية متعة لا ترتوي منها؟! هو العمر الذي يجب أن يحسب؛ الأيام الماضية ليست سوى مرارة لا تحب تذكرها.

هو النصر الذي تحقق بعد معارك قارسة. لم يكونوا قلة أو معروفين، كانت معركتك مع الجميع؛ ألا يحق لك أن ترقص فرحاً؟! ترقص حتى النشوة التي حرمت منها.. الرقص من الأشياء التي تحب أن تمارسها ساعات. ما الذي يضير في ذلك؟!

وكيف يفكر من يراك ترقص وحدك؟! وما الذي يخطر في بال الكثيرين إن رأوك تقوم بأعمال أخرى، هوايات أخرى لا تقل متعة أو غرابة.

لم تكن تتصور أن يصروا على الوصول إلى أركانك السرية، أن يحملوا السلالم، أن يصعدوا الأشجار، أن يستخدموا المناظير المقربة، وقاذفات الأشعة. كنت تحس بخدر يحد من قدرتك على الرقص، ويخفف من رغبتك بإشباع هوايات أخرى. هذا ما يريدونه، بعدما فشلوا في استمالتك رغم الملاحقات المستمرة، والإغراءات والعروض المجزية. والتي تحول بعضها إلى تهديدات. استطاعوا حرمانك من النوم، وراحة اليقظة، تمكنوا من أن يحولوا أوقاتك كوابيس، وساعات خروجك لأداء وظيفة لا تحبها، وحاجات لا غنى عنها، مسيراً فوق ألغام، تستغرب كيف لم تنفجر في كل لحظة.

الآن أحكمت حصانتك، المنافذ مدعمة ضد الإشعاع، حتى لو وقعت كارثة نووية خطأ أو قصداً لن يصيبك مكروه. رنين الهاتف موبوء، أسكتّه. جرس الباب نذير شؤم، لن يتكرر؛ حتى ساعات المنبه أخرستها تناسباً مع صوت الديك الذي لم يعد له معنى..

 الآن أكملت تأمين كفايتك من المؤن، وتركت العمل غير نادم! تستطيع الآن أن تتنفس بحرية، تفعل ما تريد، وفق ما تريد، وبالطريقة التي ترغب؛ "أي عز هذا؟! لست أحسد أحداً على ما لديه، حتى لو كان سلطاناً!".

*

منذ متى أنت هنا؟! نائم، شارد، متعب!!

تحاول أن تتذكر آخر عهدك بالوعي، وصلة رقص مديدة. كنت فرحاً مرحاً منتشياً، العرق تناثر من حولك، ولم تسمع سوى وقع خطواتك، ضربات يديك، طقطقة أضلاعك! كنت تتحرك على وقع موسيقا تعرفها، وموسيقا لا تعرف من أين انبثقت، تداخلت، تشعبت وتواترت، حتى انفتحت مساماتك، تشربت اللحن، سموت، واندفعت في طرق مشرعة، لا متاريس أمامك، لا عثرات لا تضاريس، بل فضاءات وسماوات، ألوان وألحان وأضواء، حتى لم تعد ترى أو تسمع، أو تعي شيئاً.

*

لديهم الحق في ما يفعلون، يعرفون قدراتي، يحاولون اصطيادي، من كان مثلي يطمح إليه، بل يطمع به. لكنني لست لهم، أنا أكبر من غاياتهم ، قدراتي يعرفونها، بادية في البيت، في المأكل والملبس.. حاولت أن أبدو غير ذلك تجنباً لشباكهم، لكنني لم أستطع، تلك طبيعتي، وامكانياتي ومواهبي.. ليس مهماً من أين جاءت، أو هبطت، كما يتوشوشون؛ فكروا، احتاروا، توهموا، واتهموا! حتى قدراتي الأخرى يعرفون، كيف؟! لا أدري. بالوراثة؟! لا لا أظن، ولم يكن لي علاقات مع أية أنثى؛ أعرفها، تريد امتلاكي وامتصاصي إلى آخر قرش أو لهاث، حتى لو لم يريدوا ذلك عن طريقها؛  طاقاتي مميزة، في هذا الأمر أيضاً. أعترف بذلك، لكن لم أصرح به لأحد، ليس لي أصدقاء مقربون، أتسارر وإياهم.  فكرت طويلا ًفي السبيل الذي توصلوا عبره إلى ذلك. هل حرصي على عدم ابتذاله؟!‍ كان يمكن أن يشككوا في الأمر بطريقة معاكسة؛ فعلوا، منهم من حاول النيل مني، أو استدراجي: "لست رجلاً، لا تستطيع، اثبت لنا العكس!" لكن الآخرين يعرفون. مَن مِنَ الجارات لم تراودني عن رغبتي؟‍ من من الجيران لم ينشغل بذلك، ويجرب اكتشاف الأمر سراً، بعد أن فشل في الحصول على جواب أو ملمح؛ حاولوا عن طريق الإلحاح في دعوتي للشراب، تحدثوا عن أخواتهم، حاولوا أن يعرفوني إلى بناتهم. أكثر من ذلك، شاركوا زوجاتهم التقصي، والتلصص أحياناً! هل يصح أن يكونوا جميعاً غافلين عن محاولاتهن المفضوحة؟! هذا إذا لم يدفعوهن إلى ذلك!

أنا لست طبيعيا، لدي من القدرات ما يكفي لإخصاب نساء الأرض. هل لاحظوا ذلك؟! ولمحوا أطياف اللذة في عيوني، وجبهتي العريضة، وعضلاتي، وثقتي، وترفعي، وتمنعي؟! هل استطاعوا أن يروني ملتذاً في وحدتي؟! أفعلها مرات في اليوم؛ ألهذا لا تكاد عيونهم تفارق مواقع الطاقة الكامنة/ البادية في قامتي المتعالية، وأشعتهم تصوب إليها، لا لاكتشافها، بل لتدميرها! أحس أن محاولات تشويش أو تأثير تتقصدني، تظهر آثارها على أجهزة التلفاز، والهاتف الأرضي والخلوي..

لن ينجحوا، ولن أمنحهم فرصة الفوز أو الوصال؛ ليموتوا في شبقهم، عنانتهم، رغبتهم؛ أما رغبتي فعزيزة، وقدرتي فمصانة، ولم تخلق بعد الماهرة التي ستصطادني، أو سعيدة الحظ التي ستفوز بي!!

*

منذ متى أنا هنا؟! أين اللحن؟! أين اللون، الضوء، المتعة؟!

الستائر مسدلة، والظلام مهيمن.. ها هو الضوء يشع من جديد، أشعلت المصابيح، لكن الضوء مصفر. أحس بقلبي قاتماً، صدى نبضاته متثاقل. أشعر بجفاف في حلقي؛ منذ متى لم أشرب؛ لا ماء في الدار، لا حيلة لي كي أفتش عن الماء، لا سبيل كي أنادي على الماء.

أحس بجوع؛ منذ متى لم آكل، وهل في الدار ما  هو صالح للأكل؟!

لا حيلة لي للقيام بأي جهد؛ هل قدروا علي إذن؟! هل أنا صيد أو ضحية؟!

صوتٌ عزيزٌ يدوّم في فضاء الوعي الخامل، يستحثه صوت دوي يتكرر، بعد ومض يتواتر؛ قصف أم رعد؟! آه.. أصوات تتواتر في الذاكرة، رصاص أم برد؟! زخات متلاحقة تأتي وتروح، لكنها تتكرر، تتزايد من كل الجهات. لا سبيل للسؤال؛ لا وسيلة للتواصل. الصدأ يبطن أطياف الروح، التساؤل يتغلغل في طيات العفن والغفلة.

وشيء ما ينغل في خلايا تحاول التفتح! شيء كالحنين إلى صوت ما، نبض ما. شيء كالندم ينخر صلابة التجاهل والعناد، نبض ما يبحث عن منافذ عبر الزمن الكتيم، والفضاء الصلد، والأعضاء الملبدة.. توق كالاستغاثة:

"النجدة النجدة.."


التابع!

"ليذهب إلى الجحيم!"

كررها مرات، وهو يحرك رأسه بعنف، ويهز جسده ضارباً بأطرافه.

" كان عاراً لحق بي، عاهة قاسيت معها ومنها عقاباً لذنب شديد، انتهيت منه الآن. ساحاول التخلص من تبعاته عاجلاً."

*

حين كان يشير الناس إليهما باستغراب، كان يضحك ساخراً:

"يفكرون في القشور دائماً، لا يستطيعون الغوص أعمق."

 ويواصلان المسار المشترك.

*

هو كائن بشري أيضاً. لم تسعفه الظروف لمتابعة التعلم. ليست قدراته مميزة، هذا صحيح. لكن لديه ما يمكن الاعتماد عليه، والتواصل معه. ولن يستطيع الحد من طموحاتي، ولا يريد؛ بل إنه ينظر إلي بإعجاب، ويعاملني بلطف أفتقده لدى سواه؛ حتى الذين تربطني بهم علاقة أقرب. حاولوا أكثر من مرة الإيقاع بيننا، أشاعوا، ونموا، ووشوا، وتعبوا من أجل ذلك، وفشلوا. كنت متنبهاً لمآربهم. وكان قلقاً:

-         يريد أن يكون معك بدلاً عني!

-         لا يهمك؛ أنت في الموقع الحصين.

بالغت في تحصينه، وفي إغضاض طرفي عن الكثير من الأقوال والملاحظات؛ بعضها يستحق الاهتمام.

كنت أتساءل: لماذا يفترض في من يتودد إلي، يحترمني، يعايشني أن يكون حاملاً لشهادة تماثل شهادتي، أو ينتمي إلى عائلة عريقة النسب كعائلتي، أو وسيماً متأنقاً كما هي حالي، كما صارت إليه حالي؟! لم تكن تنقصه القدرة على الحديث؛ بل كان يتدخل في أي وقت، ومهما كان موضوع الكلام.

لم يفتقد المبادرة، فهو حاضر لأية حاجة وأي طلب. وما زاد من تعلقي به، أنه يكاد يعرف ما أريد، فيسارع إلى تنفيذه حتى دون أن أقول، أو أشير إليه. كان ينجح كثيراً في التخمين، وكنت أفرح لذلك، وشكرت الله على هذه النعمة التي خصصت بها. رغم أن ذلك لم يكن يمر من دون ردود أفعال تتهم، وتتخذ مواقف حادة.

كان يقسم الأيمان أنني بريء. وأنه المسؤول الوحيد عن كل شيء. مما ضاعف الحديث عن دوري وقيمتي.

*

وأتساءل الآن، بعد كل ذلك الوقت الذي عبر: كيف استطعت السكوت عن طريقته في تناول الطعام والشراب، وأسلوبه في الحكي، وعادته في الغمز واللمز، وتسقط الرزائل، وسرد النكات الفاضحة؟! وكيف تغاضيت عن مبالغاته في الحديث حتى عن نفسه ومعارفه وإمكانياته أمام الآخرين، حتى ونحن وحيدان؟!

صحيح أنه تسبب في مرض الذي نافسني على سعدى؛ كمن له في المسيل، وتراءى له كالجن الذي يخافه غريمي، فانقطع عن الطريق إليها. كما تسبب في منع استلام تيسير منصباً مهماً في الشركة التي أعمل فيها، عن طريق بضعة أسطر معبرة من فاعل خير.

وتكفل بتعويض كمية النقص في المستودع الذي مرجعه إلي، قبل موعد الجرد المفاجئ بيومين، دون أن أنسى أنه من أخبرني بذلك الكابوس. علمني السواقة بعيداً عن أنظار المدير، وتكفل بإصلاح ما عطب جراء ذلك من دون أن يحملني أعباء قرش واحد.

وكان باستطاعته تأمين كل ما يلزم لبناء داري التي تخز العيون، بمدة قياسية، حتى حين كان الكثير من المواد مقنناً أو مهرباً.

لم أطلب منه أياً من ذلك، أو مما تردد على ألسنة الكثيرين سواه. يشهد بهذا، إن يتطلب الأمر. لكنني لم أكن حزيناً، أو مكتئباً. ولم أكن أبله كي لا أراه منتشياً، وهو يأتيني بالبشارة تلو البشارة، ويتكهن، ويتنبأ، وتصح رؤاه. ولم أكن أقل بلاهة لأتساءل عن سبب اندفاعه للقيام بكل ذلك. أو عن كيفية معرفته بموضوع النقص والجرد والمرشحين، وإلى من آلت سعدى والمناصب والمكافآت. دون أن أتغافل الآن –بعد كل تلك الغفلة- عن السؤال الأهم: هل حقاً هو من قام بكل ما ادعى، وكل ما حصل؟! أو على الأقل: هل كان وحده وراء ذلك؟! وربما توقفت عن السؤال المقلق:  أمن أجل سواد عيني فحسب كان ذلك؟!

*

لم أكن غافلاً تماماً، لأخفف من غضبي، أو لأخفف من تشريخ نفسي. لم تكن علاقتنا دائماً على خير ما يمكن؛ تخاصمنا مرات، حين كنت أحس بعبئه، وغلاظة أوقاته، وإلحاحه حتى في الود الذي يوصل إلى الشك والاقتناع ببعض ما يصلني عن سلوكه وأقواله. طردته أكثر من مرة، وابتعدت عن أي سبيل يقربني إليه. وسرعان ما كنت أتراجع، حين تصلني حال اكتئابه التي تصل حد المرض. ويرسل إلي اعتذاراته. ولم أكن مرتاحاً في وحدتي بعيداً عنه. رغم تكاثر الآخرين حولي. تزداد العراقيل في طريقي، وأحس بالحاجة إليه حتى في شتم سائق متهور، أو توجيه النعوت الشنيعة إلى من يقترفون الجرائر، ويتحدثون عن الفضيلة والتقوى والمصلحة العامة، أو التعبير عن الضيق من الحال العامة والخاصة، أو لوم نفسي، وكان يتجرأ على توجيه مثل هذا العتاب القاسي أحياناً؛ حتى الأخبار التي تصل إلي في غيابه، كانت بلا طعم، والحوادث التي تقع بدت لي من دون إثارة. افتقدت في غيابه عادة التخمين والتوقع والتوهم، تلك التي يجيد لعبها، ويتركني أعيش في أصدائها، حتى يحصل جديد. سرعان ما يفسره، ويتكهن مرة أخرى محذراً بوتيرة ادق وأخطر.

*

الآن بت على يقين أنه لا يلزمني. تأخر الوقت، ربما. لكن ذلك أهون من الاستمرار في العماء. لم يعد له ذاك المعنى؛ لا لأنني صرت في موقع أهم؛ قد يقول إن هذا من تدبيره؛ لا يهم. وليس لأنني لا أملك الوقت الكافي لترهاته، ولا يليق بي ارتباط اسمه ولا معارفه باسمي، فحسب، بل لأنني أحتاج حالاً أكثر مواءمة وحداثة ولياقة. أريد شخصاً أقل حضوراً وأكثر فاعلية، أقل كلاماً وأكثر تكثيفاً ودقة.

ولكن..

من يستطيع أن يدلني على من يمكنه القيام بهذه المهام المميزة سواه؟!


في اللجة!

لم أكن صياداً، لم أدرْ دفة المغامرة صوب العمق، لم تفاجئني التيارات الضارية، أو تهدهدني الأمواج على شفا النعاس التعب، ولم أنحشر بين حيّزين يختلفان ملوحة ولزوجة، ويقتربان ملامح وألواناً وجاذبية وعمقاً وغموضاً.

مع ذلك، فقد كانت تراقصني!

لن أفكر في صدق رؤاي، لن أخاف من هزء الذين لا يعرفون البحر، كسالى الشواطئ، لأنني لن أحكي لهم؛ لن أجزع من غيرة زملائي وحسدهم ومشاعرهم التي قد تصل حدوداً لا يمكن السيطرة عليها؛ لن ألمّح إلى أي منهم، ولن أعيش الشك في ما أرى..

لأنها هي بذاتها!!

*

   حين اندفعت صوب اللجة، لم يكن لدي فسحة من التفكير في السبب، ولم تكن الغاية جلية، فليس أمام بقائي قيد الحياة سوى قدرتي على تحمل الصدمة القادمة للتو، وأمل ألا تكون المحطة الوشيكة نتوءات أو دوّارات أو أنياباً.

إذن؛ ما الذي حدث؟! كيف انزلقت الصخرة التي اعتدت التأمل من فوقها في سرمدية انتثار الموج عبر الشاطئ الصلد، أو تراجعه الخجل بعد امتدادات خائبة، وأدمنت التحديق في فضاء يغص ويصحو وهو ينحدر بعيداً، ليستقر في حد فريد؟!

سألت الكثيرين ممن أوغلوا صوبه عن ملامحه، دون جدوى. تمنيت مقاربته، لا أنكر، لكن التحضير للرحلة يحتاج ما لا يمكنني إنجازه في الزمن القريب على أقل تقدير، فأنا لا أعرف السباحة ولا الأمواج والتيارات البحرية، رغم أني خبرت منها الكثير خارج البحر. كنت أفكر في الأسئلة التي حامت على مسمعي، وتجاهلتها، والوشوشات التي كنت محورها بامتياز. لكن كل ذلك لم يجعلني أتراجع، أو أخلف موعداً لا ينتظره الكثيرون.. ربما!

لم أكن بلا عمل، ولا كنت زاهداً بأي من عناصر الحياة. لم أكن لاهياً، ولم أكن من دون أنثى..

*

لم تعد تفكر كم من الوقت أمضيت، ولا تنسى علة ذلك، وهل سبب واحد أم أسباب يكفي كل منها ليراكم الإحساس بضرورة القيام بأمر ما يجعل للوجود معنى مختلفاً، أو على الأقل، يؤمن الابتعاد عن مجال يمكن أن يحملك على الاستمرار في ما لا طاقة لك به؛ لم يعد لك طاقة، أو أمل..!

*

لم أكن من دون أنثى..

لكن الأنثى التي تعلقتُ قبل أن أعرف معنى الرغبة، قطف لهفتها أستاذ لنا أنيق. والأخرى التي أحببتُ، تعلقت بمن كان أكثر شقاوة أو جرأة. ومن ارتبطت بها عن قناعة، لم أستطع إقناع رغبتي بها؛ الرغبة التي ظلت تلح بحثاً عن حلول أخرى لا أصلح لها، ولا تليق بنا، حتى ابتردت أوقاتنا، ولم تستطع حيلنا الواعية إبقاء جذوة التواصل ممكنة. لا أعرف كيف حلت مشكلتها، بعد أن انفصلنا بتراض، ولا أعرف كيف أعايش رغبتي طوال الأوقات المتبقية من العمر المحمول على رغبة القدر أو تغافله!

لم تقنعني طريقة التواصل المراوغ بين النزوة والحاجة، الرغبة والخيبة، اللهفة والندم، الابتراد وضرورة استمرار النوع العاقل بوسيلة لا تليق به؛ صار بإمكانه الاستغناء عنها بلهفة أقل، دون الحاجة إلى تماس حقيقي، ولكن برغبة أكبر، وخيبات أقسى، وأوقات وحدة وجدب واكتئاب. لم أعد قادراً على التحايل على نفسي، ومخاتلة انكساراتي، والبدء كل حين!

جئت إليه، حيث البدء نهاية، والنهاية ابتداء. وعلى حدود التحايل هذا أمضيت ما تيسر من عمر ما أزال أجهد كي أجد فيه ما يقنع!

كان يمكن أن ألومها، كما يفعل الكثيرون، لكنني لم أفعل. لأنني غير مقتنع، ولن أظلم أحداً.

ولم يكن من السهل لوم نفسي، كما لا يفعل أحد، فتلك التي ما تزال في البال، لا يمكن تجاهل أصدائها الآسرة، لم أكن متأكداً أني رأيتها أو سمعت عنها، أو يمكن أن أتعرف إليها أو.. هل هي موجودة أصلاً، أو يمكن أن توجد في زمن كهذا؟!

وكان الاستمرار في الحال ذاتها مدعاة للقلق والحيرة والكآبة.

*

لم يكن بد من الركض، ركضت ولهثت. ورغم وعورة المناخ والمشاعر والحاجات، لم تَنُسِ اللهفةُ للتعلم.

الأمر لم يكن بيدي؛ لست وحدي. كنت أضحك بمرارة من حكاية الذي أُعطيَ نصفَ الدنيا فسأل بحرقة عن النصف الباقي!

لم يصل بي الحد إلى امتلاك الكثير رغم موقعي، لكنني عرفت الكثيرين ممن ضاقت بما صار لديهم الأسماع، فوق وتحت! ولم أجد مبرراً لذلك حتى بيني وبين نفسي، ومن دون تدخل الأسئلة الإنكارية: من أين؟! وكيف؟! ومتى؟! ولماذا؟! وإلام؟!

ولم يكن باستطاعتي فعل الكثير، لست راضياً عما فعلت، كان يمكن البذل أكثر. صحيح أن الشبكة عنيدة ومنيعة، لا يسهل تفكيكها حتى لو حسنت النوايا‍‍‍‍!!

لكن؛ هل الفرق كبير بين من يجلس معتزلاً على بوابة البحر، أو من يغيب تماماً، حتى من دون أن يدخل اسمه سجل الشهداء الذي يتطاول باطراد؟!

*

من أين خرجتْ، منذ متى تراودك عن شرودك وعطالتك؟! كيف يتجاهلها الآخرون؟! أم أنهم لا يلحظونها؛ ألا تظهر لهم؟! إذن؛ لماذا يخوّضون بعيداً وطويلاً ويعودون؟! ألهذا يكررون المحاولة؟!

لم تكن تنتظرها؛ لم تكن تنتظر أحداً أو شيئاً. كنت تكذب على نفسك، تماوتها؛ لم تصدقك، ولم تقتنع!

إنها هناك، تحثك، تبالغ في حضك على السباحة، القفز، الغوص، المشي على الماء.. ها أنت تمشي؟! إذن؛ ما يزال متسع للمعجزات، للذين يستحقون؛ هل تستحق؟! إذا لم تكن تستحق، لماذا تخرج إليك الآن؟! ضحكتها تملأ الاتساع الذي لا يحد، ملامحها تتدفق فوق المرج المالح، قامتها تكاد تغيّب قوس قزح، هل امتد ليزينها، أو يحميها؟! أشعتها الملونة تنهمر في عينيك، مساماتك، خياشيمك التي تبالغ في العبّ، نصفها الأسفل يضيع في اللجة؛ لا تريد الأنصاف السفلى؛ لم تعد تريد، أياً كان الكائن الذي أمامك: سمكة، حوتاً، ثوراً بحرياً .. جبل جليد أو صخرة ملح.. يكفيك النصف الأعلى، يستحق أن تسارع في اتجاهه، تنغمر بضيائه، وتستحق أن يمتلئ حيزك المتوثب بلألائه، وتُوشَّى أسماعك بندائه العذب الشجي المحفز.

ليس مهماً إن كان نصفاً أعلى، أو أسفل؛ حتى لو لم يكن نصفاً كان سيشغلك، لم تفكر بالأجزاء، لم ترض بأنصاف الحلول، ولا بأرباع القضايا، أو فتات المواقف.. لو رضيت لعشت كما يعيش الآخرون؛ لو اقتنعت، لاقتنع القادرون بجدواك، وباركوك. لكنك لم ترض، لأنك تؤمن أن الاقتناع ليس ملك اليد، والرضى ليس منة أو سياسة، فنصف الحق ليس حقاً، ونصف الموقف ليس رجولة، وإن كان ليس من دون ثمن. ونصف المرأة ليس امرأة، حتى لو كان سفلياً. بل إن الكائن كامل العناصر والملامح الأنثوية يمكن ألا يكون امرأة؛ ويمكن أن تكون نظرة أو حركة أو ملمح رضىً أو حتى رائحة منها،  كل النساء اللواتي ترغب، بالصورة التي تحب، والمكان الذي تشتهي. تماماً كما يمكن ألا يكون الرجل رجلاً، حتى لو تضخمت قامته، وصخب صراخه، واخشوشنت ملامحه، وقد يعوض عن كل ذلك موقف أو رأي أو كلمة.. كنت رجلاً، ما زلت، وها أنت تخوّض في البحر كما خوضت في البر طويلاً.. وكان البر وعراً. والبحر.. هل هو أقل وعورة؟! البحر هو البحر في أي ركن منه أو متن، وفي أي زمن. البحر هو البحر.. بهدوئه وصخبه بقربه واتساعه، بغناه ومرارته، البحر هو البحر؛ أهذا ما جذبك إليه؟!

فكيف إذا ما امتلأ بذاك المشهد الذي تشتهي، ويستحق أن تصدقه، ويستطيع طيفه أن يدعوك فتلبي، ويكفي ملمح منه أن يزجك في أتون التحفز والاندفاع، حتى لتكاد تغرق في اللجة!


شـــهامـة!

لم يكن بد..

حاول امتصاص الشحوب الذي بدأ يغص به الأفق.

ارتصت أوقاته، وتكاثفت الأيام في حلقه..

خرج بعد أن تحولت الأوقات شوكية.

"يا إلهي! كيف تحول الثغر الذي طالما تشهيت، وعببت منه نداء ولذة ونشوة، بركاناً من نار وقتام؟!"

الأمر ليس غريباً تماماً؛ فكر لاحقاً: " لفتحات حميمية أخرى، في هذا الكيان الأرقى، أدوار مزدوجة بالمعنى ذاته.."

لم يكن بد!

تمنى لو يقترب أحد كي يفض الاشتباك.. غير الأولاد الذين لا يفهمون بعد!

لكن.. من هذا الذي سيدخل في آخر الليل بين بصلة وقشرتها؛ "لو كانت تسمع الآن سنختلف على من منا البصلة"

لم يكن بد من أن يقوم بما لا يقتنع به، ينفيه، لا يفكر فيه، لم يخطر في باله. وإن كان خَبِره، عاينه لدى الكثيرين الذين تحدثوا به، فعلوه، أكدوا ضرورته:

(المرأة كالضبع التي تختبرك مرة بعد مرة، وحين تلمس ضعفاً أو خوفاً، لن ينقذك أحد)

"فهل ما قمت به كفيل بإبعاد خطرها؟! لكن آثاره في نفسي مالها من منقذ!"

لم يكن بد..

*

الحارة تنام على همومها مكتظة الأنفاس والأحلام والغصات..

تكاد لا تصدق أن هذه الدور المتراكمة، تستطيع استيعاب حركة كل تلك الكائنات، وهي تنغل في الأبواب والشرفات والأزقة والحوانيت والعربات والحافلات..

تكاد لا تصدق أن لكل تلك الفوضى التي أنجبتها الحاجة والرغبة، رغم موانع الخصب المهيجة، كل ذلك الانتظام؛ أم هو التعب والنكوص والترقب المر!

*

أن تخرج في مثل هذه الساعة إلى ليل المدينة، وفي هذا الجو المكفهر، فأنت في حال..

سترى أشباحاً تتحرك في الظلمة، سرعان ما تختفي . لن تقتفي آثارها حتى لو كانت حقيقية. ولا يهم إن كانت حيوانية أم بشرية. ولن تهرب، لأن ما قذفك إلى هنا، ليس أقل مراراً. ستسمع أز الهواء على أوتار الظلمة، وتسمع بعض الموشحات القاتمة، كتلك التي لم تغب عن ذهنك بعد، وتكاد تصيبك بعض المقذوفات دون أن تستطيع التفريق بين أن تكون قمامة أو ضحايا أعشاش زوجية يداهمها الخراب. لن تتدخل؛ تتمنى لو تستطيع؛ منذ فترة قليلة تمنيت لو يتدخل أحد في مكان يخصك، ليخلصها من بين يديك، غير الأولاد. لكن الوقت، والظرف، والظلمة، والدور المغلقة رغم الآذان المتفتحة، تحد من إمكانية تحقق ذلك، دون أن تقلل من شهامتك. أنت شهم، تندفع لترد الظلم عن كائنات تتعرض له؛ معروف عنك حبك لموظفي الدرجات الدنيا؛ احترامك، واهتمامك، ودفاعك، وأعطياتك..

تقول: تستطيع هذه العناصر أن تنجح العمل، أو تربكه، أن تربح المؤسسة أو تضيعها.. وليست متطلباتها كثيرة، ولا طموحاتها عصية.

شعبيتك كبيرة؛ يتهامس زملاؤك، فتجاهر:

-       ليست لديهم أصوات مؤثرة، وليس من يأخذ بها، أو يسمعها!

أنت شهم؛ تسلم على الحراس، تفتح باب سيارتك بنفسك، ولا ترضى أن تأخذ مكافأة من دونهم، ولا عيدية أو ساعات إضافية: " لن تكسر الميزانية؛ ليست من مال أبي، صحيح، ولكن الدخل الذي يزيد لا يدخل صندوق والدي أيضاً!"

لم تخرج بالسيارة، لا تحبها، تقول مراراً: لا يراني الآخرون إلا من خلالها؛ لو لم تكن تلزم لعملي، تخليت عنها، ولو أدى ذلك إلى شجار أكيد، سيتضاعف إلى ما لا تحمد عاقبته. وها قد تضاعف، لأنك لا تأخذها والأولاد في فسحة؛ لا يرونك إلا آخر الليل:

- ماذا نستفيد من إخلاصك؟! هل نحن خدم سعادتك؟! نؤمن الأكل والشرب والراحة والنوم، وأشياء أخرى حين ترغب؛ ألا نرغب نحن؟!

لم تخرج بالسيارة؛ تريد أن تعب هواء حراً، لا يهم إن كان بارداً..

لم تنقذك شهامتك، ولا قبولك بأن يكون البيت مميزاً لإرضائها؛ تكاثر اسمك في سجلات المصارف السخية بلا رحمة. لم يكن هذا تفكيرك؛ كنت تتمنى لحظات هنية، لا ضرورة أن تكون في شرفة مطلة على واد ذي زرع، أو بين جدران ملونة، وتحت سقف مزخرف.

كنت تعتقد أن شآبيب اللهفة تكفي، ولن تكون فرصة لملاحظة أشياء الخارج، ولا كائناته. كنت تحسب أن ما فعلت يرضي، يشبع، ويبعد عنك الإهانة والشماتة ومذلة المقارنات، ومشقة التبريرات.

أنت شهم؛ لا واجب يفوتك، ولا مساعدة تجنيها أو تنتظرها، ولا مواساة تتغافل عنها.

تضحك في نفسك، أو منها: هل من مواس؟! من يستطيع أن يعين في ذلك؟!

تتمنى أحياناً، وفي وقت متضاغط يكاد ينفجر، أن يتقدم شخص أو شبح أو خيال ليقترح الحل، أو يعلن الهدنة.

أنت لا تريد غير ذلك؛ الخروج بأقل الخسائر.

لم تعد تريد حياة هادئة بسيطة قانعة، لم تعد تذكر أحلامك تلك، لم تعد ترغب بأكثر من أن تزداد الفواصل بين المعارك، حتى يستطيع الأولاد أن يدرسوا، يفكروا، يحلموا..

لم تعد تتمنى أيكة ود، وعش حب، وفضاء رضى.. لم تعد تذكر أن تتمنى ذلك، ولا تعرف ماذا تريد، وما الذي يمكن أن يكون!

ستصدق البصارة التي قالت: ليست من برجك؛ هي من نار، وأنت من تراب!

"ضحكتُ: يلزمنا هواء وماء لنشكل طينة الخلق، وليسا عصيين! أما النفخ فيها فمن أنفاس الحب والقناعة".

قالت حين أخبرتها بذلك مداعباً:

- ألم تنس البيت والسيارة؟! ألم تبشرك بكنز.. غيري؟!

قلت بثقة:

-       سيأتي على وجهك!

أنت شهم؛ يمكنك أن تنصح الآخرين بما يعيد الدفء إلى الأحضان؛ استطعت أن تلائم علاقات عديدة كادت تتقصف، وفرحت لهذا؛ هم محتاجون، وأنت شهم. بعضهم طلب منك شخصياً، ما يزال يطلب، ولا يقصد سواك. وآخرون لا يفصحون، مثلك، ولا تتأخر حين تلاحظ، أو تسمع.

ولكن.. أين الشهامة في عرينك؟!

ها أنت بين الأزقة تمشي كأنك حائر أو ضائع. تود أن تخرج إلى البرية، فلا تستطيع. امتدت الحارة كثيراً، وتشعبت أكثر؛ أما لها من نهاية؟!

شهامتك لا تسمح بأن تعرف أن ظلماً ما يحدث دون أن تتدخل. ها أنت تسمع أنيناً من مكان ما.. أنين متقطع كالاحتضار. ستتجه نحوه. زاوية في نهاية زقاق، قبو، أو ركن خارج من نطاق العمران الحصين، ولا يبالغ في البعد. أنين يتصاعد كالاختناق، لن تقدر أن تهرب، ربما كانت حاجة إلى أي شخص أو شبح أو خيال أو عابر سبيل.. ليس وجوده في هذا المكان والوقت طبيعياً..

ربما كانت الحاجة إليك؛ قد تنقذ روحاً، فهل تتقاعس؟!

*

ستفكر كثيراً في ما كان هناك، وما قمت به، وما أصابك جراءه.. إذ لن تنجيك شهامتك من جرم إفساد لحظات غبطة مشروعة في درجاتها العظمى..!


العـــــزاء

اتجهت إلى الركن ذاته..

لم أعد أحتمل.. أيام عزاء أو عذاب هذه التي لا تنتهي؟!

الطقوس ليست جديدة، ولا عبارات المواساة والتأسي، كائناً من يكون الفقيد والفاقدون. ولوقعها أثر التشاغل والتشارك في الهم والحزن؛ لا شك في ذلك. لكن ما يحدث لا يحتمل.

هل الأمر يختلف؟!

لماذا يستغربون موقفي وحالي؟!

لا أستطيع استقبالهم بالبشاشة التي يهلون بها. لا أقدر على الضحك من طرائف ليس مكانها هنا. لا أود الدخول في أحاديث لا تخص المناسبة، ولا حوارات تضطرني أن أوافق على آراء لا تروق لي، لأني غير مستعد لأي جدال. ولن أستثني أحداً، أو أخص أياً منهم  بمجاورة وتحايا إذا لم يكن حزيناً، إذا لم يتحدث عن مسعود بإعجاب وتأثر.

*

بالأمس سبقتني إلى الركن ذاته. من ثنايا نشيجها ارتسمت كلمات مبعثرة:

-من سيلهيك بعد الآن عني؟!

لم تخفِ أصداء خوف وقلق..

لم نكن على وفاق. تلك حقيقة يعرفها القريبون والبعيدون. حتى حين كانت على مشارف الولادة الأولى، كنا على شفا حفرة.. هل كان يتدخل في الوقت المناسب؟! فكرت في ذلك لاحقاً؛ فكرت طويلاً.. فآلامها تستدعي وجودي، سهري، مرافقتي إلى العيادات والمشافي..

إطلالته لم تكن مختلفة..

لا أريد أن أتهم أحداً، نزولاً عند رغبته ربما، لكن؛ هل كانت العملية ضرورية؟! هل كل البكريات تلدن بقيصريات؟!

"يمكن أن يكون الأمر خلقياً!!"

كل شيء ممكن، لكن الأمر بدأ يعبر حقيقة موجعة..

لِداته مشوا.. مجايلوه زفوا الأعياد لأهاليهم؛ سمعنا أصداءها، وغصاتنا تترى.

كنت أشتهي أن نسافر معاً كزوجين؛ لكن ليس على تلك الحال. ما قصرنا في طلب علاج أو رأي أو مشورة أو دواء؛ حتى من عواصم العلم. والنتيجة تتكرس.

الشيء الوحيد الذي بتنا نرجوه بخشوع: ألا يكون الأمر وراثياً.

*

- من يخفف عني هم الأولاد وإلحاحك؟!

قلت مصابراً، مستذكراً مواقف كنت أعود فيها من عملي مرهقاً من عنت المراجعين، ورعونة أصحاب الحاجات فوق وتحت، ناسياً ما ألحت علي كي أحضره، فتثور، وترفض الجلوس على المائدة. أو تحرد فتغيب في أكثر الأوقات ضيقاً.

كلماته اللائمة تخفف من غضبي:

- نستحق أن تتذكرنا. لو كانت تستطيع القيام بهذا من دونك، ما طلبت منك.

وسمعته يقول:

-أما كان بإمكانك أن تؤجلي الحساب حتى يرتاح قليلاً؟!

وقال مراراً:

-ألا تلاحظان أننا نخسر جميعاً؟! أين أخواي؟! هل يستطيعان أن يدرسا في هذا الجو؟! وكيف سنقنعهما بالكف عن الاشتباك؟!

حضرت مرة، كان العراك مستعراً؛ كثيراً ما كان يحدث؛ أخواه أحسا أنهما غير معنيين بكل ما يجري في هذا البيت. فالاهتمام بمسعود جعلهما بعيدين عن متناول الحنان والرعاية. لا تعطيهما من وقتها وعطفها ما يستحقان؛ لا يطيعانها. ولا أفعل أنا أيضاً؛ فلا أكاد أراهما في وقت فسيح. ونادراً ما أكون قادراً على الكلام الهادئ، قبل أن يتولى مسعود هذا الدور، ويبرع فيه:

- يحاولان لفت الانتباه، لا بأس!

*

أمر الصغير بالخروج من الغرفة، آن دخولي، وطلب مني أن أفعل. امتثلت دون تردد.

سألته بعد حين:

-كيف تطرد الصغير لتختلي بالكبير؟!

-مسؤولية الكبير أعظم، كان علي أن أذكره بها!

وضحك بعد أن تابع:

-لا تفرح كثيراً؛ ليس لهذا السبب أخرجتك يا أستاذ!

*

أستطيع أن أقرأ ملامح الرضى في مواساتهم لي. ليس لأنه القضاء والقدر فحسب، بل لأنني ارتحت من مصيبتي. قال بعضهم ذلك صراحة، أوبعبارة أخف، ربما. لكنها لم تكن أقل تأثيراً.

وفي الوقت الذي كنت منشغلاً فيه بالمراسم المعتادة، كنت أحس أكثر بأهميته ووقع غيابه. فالواجبات كثيرة، والتفاصيل أكثر. كان يمكن أن يرتبها بهدوء. كان يستطيع أن يحدد الأولويات، ويوزع المهام حتى على الكبار من أقربائي، حيث يبدو كل منهم الآن فهيماً ومسؤولاً، ومستغرباً جديتي واكتئابي، محاولاً التخفيف من ذلك تجاه الآخرين، بالبشاشة الزائدة عن طاقة تحملي.

أحس الآن أنني محتاج إلى أن أسأله، أن أطمئن إلى وجوده في ركنه ، لأثق أن الأمور ستجري بيسر، وبأقل قدر من العتاب.

لكن وجوده المسجى يجعل اللحظات قاتمة، وقلقلته بعد حين على الأكتاف في تابوت يكاد يطير من بين أكفهم لخفته، أو لامبالاتهم، أو سعادتهم ربما، ستزيد من ضآلتي وضياعي، وتجعل ما يجري أمراً فوق قدرتي على التحمل، أو التصرف!

في البداية، كنت أشفق، كما كانت تفعل أمه وأخواه والكثيرون؛ كما ظلوا يفعلون!

فيما بعد، وحين ابتدأ الواقع يفرض هيمنته، أحسست أن ستارة قاتمة تنسدل في وجهي، وتتعثر اللحظات، وتشوش الخطا. وتراكمت أمامي صور الكائنات المشابهة، تقتعد الأرصفة والساحات، تمتد الأيدي، تتلون النداءات. تزحف بألواح خشبية أو من دونها. كائنات أتجاهلها، أتغافل حتى عن مساعدتها؛ لا أستطيع النظر إليها. أعتبرها غلطة وجودية ما كان يجب أن تكون، ولست المسؤول عن ذلك، ولا أستطيع تصحيحها، ولست أومن أن ما تتسوله لقاء حاجة.. وتدور في ذهني عشرات الحكايا والقصص عن حيل وامتهانات ومستغلين لتلك الضحايا التي تعاقب من دون ذنب مرات.

بت أقول: ربما كان عقاباً لا يطالها وحدها؛ ربما ليست هي المقصودة بذاتها.

أمه لم تعد في كامل تركيزها. تبدلت ضرورات البيت والعمل.

قبل أن تتأكد الإعاقة، كنت أقول مواجهاً تبرمها من حاجات الولد: سنة لك، وسنة لولدك.. صارت تقول: لم يعد لي يوم واحد ماحييت، ولن يستمر ذلك طويلاً.

  حضر الولدان وكبرا دون أن ننتبه، ودخلا حيز الإعاقة مثلنا تماماً.

حاولت الاهتمام بالعمل، بالغت في ذلك، وانشغلت أكثر بمن يؤمون الدائرة، بأشكالهم المختلفة. كنت فيما مضى كغيري أهتم بالحسن والتناسق والقوام، حتى حسدني الكثيرون على اختياري شريكة حياتي، وحسدوها أبضاً.. كما كنت أقول لها! بعد أن حدث ما حدث، صرت أرى أن مجرد أن يمشي الكائن  لوحده، وتتحرك أعضاؤه، وتقوم بواجباتها، أمر عظيم. وأعتبر أن قبولنا تكرار محاولة الإنجاب مغامرة لم نكد نصدق أننا اجتزناها مرتين بسلام.

حين يأتيني المعزون بهيئاتهم المكتملة، وانشراحهم بإنجازاتهم، أفكر وأتساءل: بماذا يتفوقون على مسعود!!

لو يدرون بما يخطر لي يغضبون. لكن ماذا لو علموا أنني فكرت كثيراً، وفتشت عن درجة الاختلاف بينه وبين أخويه السليمين، وأنقب عن هذه الدرجة بينه وأمه، بين مسعود وبيني؟!

كيف استطاع أن ينجو وحاول إنقاذنا؟!

 القراءة والكتابة، تعلم بسرعة. تقول المعلمة أمه:

- ليس لأنه ولدي؛ لم أر مثل نباهته وبداهته!

قرأ كثيراً؛ مكتبتي التي أهملتها، اضطررت إلى إغنائها لإرضاء نهمه. طلباته لم تكن ملحة.

"كان أهون من أخويه.." تقول أمه معاتبة لهما. يقول مغتاظاً: لا تدعيهما يغاران!

*

كنا نعلم أن الأمر لن يستمر طويلاً.

في لحظات المرض الأولى، فكرت، وربما فكر سواي أن هذا أهون، وبات الهم يتعلق بالسنين التي سنعاني خلالها من انتظار ذلك!

زوارنا قلوا. كثيرون منهم كانوا يبتعدون عن ركنه، يتغافلون! والذين لا يعرفون، يرتبكون حين يعبر بكرسيه المتحرك ممراً أو باباً. ويتلعثمون في الإجابة على ترحيبه واحتفائه. قليلون من صاروا يقصدونه للاستمتاع بحديثه الجدي، وتحليلاته الواثقة..

بعد حين من الزمن، وفي لحظات الاعتزاز الكثيرة، بات هم الفقد لا يمكن احتماله إلا بمواساته الهادئة:

-العمر ليس بالسنين، بل بالقدرة على المواجهة..

وأية مواجهة أصعب؟! أفكر في هذا الآن..

*

دخلت إليها.. كانت تنظر بسهوم إلى الركن الخالي إلا من الكرسي الذي لم يعد يتحرك. قلت مستذكراً نظراته الأخيرة:

-الآن يمكنك أن تعتمدي على مسعود أكثر!!


ولــدي

  بالأمس.. كان يزف لك الأعياد..

  يمص إصبعه، يرفع ثوبه مداعباً، فتضحك!

  بالأمس القريب.. كان ينام في حضنك، يأبى غير ذلك!

  بالأمس!!

  كم تمر الأيام سراعاً!

  ها أنت ترفع ثوبك أيضاً. لم يكن ستر تحته، وليس لديك ما تخفيه بعد. مع ذلك، يضحك الكبار، يحثونك بانفعال.

  ها أنت تنتشي للأقوال التي تصرح، وتلاحق الكلمات والملامح التي تشي بشـيء تفكر فيه، تنشغل بتأثيره المبالغ بمتعته أو إثارته.. أتراهم يستمتعون أيضاً؟!

  " أفكر في ذلك الآن، الآن.."

*

  (زوّج السلطان ابنته للشاب الشاطر الفقير، وأسكنهما في قصره، انزعج العريس الذي يريد أن ينفرد بعروسه بعيداً عن العسس والحرس.. فظلا ينامان والسيف بينهما إلى أن..)

  - .. لماذا السيف بين العروسين؟!

  توارب جدتي الحكاية، تتلهّى بحديث ما إلى أمي، لا يبتعد كثيراً:

  (اختلفت سعدى مع زوجها، لأنه طلبها وهي في النفاث..)

  -  لماذا طلبها؟! وما هو النفاث؟!

  لم ترد. فاجأها النعاس، وداهمني القلق.

  لم أكن أعلم، وكيف السبيل؟!

*

  تشير نحوك برأسها معتذرة، فتقول أمك:

  -احكي.. احكي.. لا تخافي، لا يفهم!

  وتتابع باهتمام سرد عملية إخراج الطفل الميت.

  تسأل في طريق العودة:

  - أمي! كيف دخل الصبي إلى هناك؟!

  - الله .. الله قادر على كل شيء، كل شيء بإرادته.

  تسكت، لأن إرادة الله لا حدود لها: البحر والجبال والعواصف والشمس والقمر والنجوم.. بفضلها أتيت وإخوتك وأهلك وأترابك.. ويذهب جدك وجدتك والكثيرون، حتى قبل أن يصبحوا أجداداً!

*

  كان حمد يحكي بانفعال محموماً سعيداً، ولم تكن أقل انفعالاً، تساءلت بلهفة وتحسر:

-            من أين تعرف كل هذا؟!

  ستشكره كثيراً، أو تشتمه، فقد أدخلك في عالم لن تستطيع أن تهرب من غلوائه إن رغبت، ولن ترغب!

   ها أنت تفكر في حمد، وتقول لكبدك الذي يمشي على الأرض:

  - سعيد! ابتعد عن هذا الشقي تيسير .. شكله لا يريحني، نظراته وكلامه ونكاته؛ سيؤثر على درسك ومستقبلك!

  وتغص بأقوال أخرى؛ سيفهمها سعيد لاحقاً. ألا تراه منشغلاً بالمشاهد الراقصة، والإعلانات الشهية، وكائناتها التي تتقارب أكثر من اللازم؟! وربما تتعرى!

  تبعده – تحاول – عن الشاشة، لتتابعها بعيداً عن ملاحقته، ويتملاها من خلف حضورك. لم تكن لديك مثل هذه المشاهد؛ المذياع وحده السيد الذي لا يجارى في زمن الوحشة والشح والطفولة الوعرة، ولا يخف حضوره، أو تبهت نضارته. لكن آهاته التي تتطاول وتتجرح تذروها الرياح، قبل أن تشبع لهفة الاستماع وأمنية اللقاء وحرقة الافتقاد، فتمر عبر أوصالك المستفزة.

  المرافق العزيز هذا لم يكن متيسراً لك دائماً. فأبوك والأخبار التي تكتم الأنفاس، وإخوتك وما يطلبه المستمعون.. المجلات التي تتحدث عن حسناوات مثيرات، وتنشر صورهن الحاتمية لم تكن في متناولك، رغم بعض الأحاديث عنها، صار لها وقعها المهم لاحقاً. كان يمكنك أن تتـابع بعضاً مما يجذب ويمتع في كتب وسير وليالٍ ألفية يضيع بعضها، وتطوف أصداؤها الملونة..

*

  بالأمس القريب كان ينام في حضنك، ضاق عليه؛ هل ضاق منه؟! وتقلص الحيز الذي أصر على احتلاله بينك وأمه، وضاقت أوقاتكما الآمنة..؟!

  -هذا الشقي تيسير، وأولاد السوء!

  تحاول أن تشكو لها، ويضج في نفسك:

  "لا بد من شقي يرد على أسئلته التي تزداد أشواكها!!"

*

  يستحق أبواك كأس التخفي. نجحا وأخفقت. رغم أن موئلاً بحجم غرفة واحــدة كان قادراً على ضمكم مع كل فصول العيش والرغبات والمشاعر والأحلام، على غير ما أنتم فيه الآن/ الحــال المتمدنة كما تحاول أن تشرح له، لهم.. لا تروقهم أيضاً!

  هل كنت تنام كالقتيل كتعبير أبيك عن نومه التعب؟! كان يصارع الأرض من أجل بقائكم.

  ما الذي يتعبك؟! تحاول جاهداً أن تبقى متيقظاً لتلحظ.. تتأكد، دون جدوى.

تحاولان أن تلعبا لعبة المغافلة ذاتها فتخيب أنت، ولا يبدو عليها الامتعاض، بل ربما مشاعر أخرى..

  تستطيع الآن أن تظل يقظاً، لكنها تنام.. مشغولة عنك دائماً، وعن أولادها الذين يبلغون!

- ما الذي يشغلها؟!

  تتساءل جهاراً أحياناً، فتثور:

-حرام عليك؛ لا تقدرون. مسؤولية البيت والأولاد.. والوظيفة وأنت!!

من الطبيعي أنها لن تضيف: والمسلسلات والثرثرة و.. و.. ولن تضيف أنت، لأنك غير مهيأ للاشتباك دائماً.

  تنام.. ولن تحزن كثيراً لذلك. ستنهره لينام أيضاً، لتسهر محدقاً في محطات ومشاهد. ستسهر حتى يصبح وقت الدوام التالي كابوساً؛ لولا مكاسب، ووعود، وحضور الكائنـات الألطف! 

*

  الأحياء الأخرى التي تعيش جواركم، وتعايش عقلاء القرية ومراهقيها، لم تكن تحاول إخفاء شيء؛ لا تعقل، تجاهر بالحاجة. ينشغل أبواك بتحقيق رغباتها المعلنة، ينتشيان.. يتفاخران بالإنجاز: سيزداد القطيع!

ويتبادلان التهاني والأماني مع الأقارب والجيران..

لا يمكنك أن تقبل المقارنة، ولا تستطيع استبعادها.. وتجنب أمنية: لو كنت غير عاقل..!

تحس بشيء غير المتعة، متعة الاكتشاف على الأقل.

*

الأخبار لا تسر.. وترهفون السمع بصمت وقلق. شببت على الأحداث التي لا تريح. وتصر على متابعتها في أكثر من محطة، وأكثر من موعد متقارب.

تهز رأسك بتوتر، الهزائم تعصف من كل الجهات، ومسلسل الفقد والضياع متواصل.. ألهذا تبحث عن انتصارات على مواقع أخرى، أقل كلفة، وأشهى؟!

ليس الأمر محصوراً في الجبهات المعروفة، بل في جهات أقرب وأشد تأثيراً.. لست بعيداً عنها ولست معذوراً.. حتى في نظر نفسك ..

كانت لديك أسئلة أخرى كثيرة، أعمق وأبعد. ولم تكن الإجابات تقنع أيضاً..

من تلوم .. أباك أم أمك؟!

تحاول أن تفكر، تفسر، تسوّغ..

أمك.. كانت مشغولة بكم، بالحياة، فنسيت نفسها، وعاشت كما لا تعرف إن كانت تعيش أم لا.

ولم يكن لأبيك بدائل مماثلة، لينشغل بها، اهتماماته أوسع وأدق، وحاله أضيق وأقسى.. وكانت أحلامه شاسعة، وكنت واحداً منها! ترى أين صارت أحلامه.. وأحلامك؟!

*

- ما معنى الاغتصاب يا أبي؟!

  لم يكن الخبر عن أرض محتلة، رغم وفرة الحديث عنها. شبهتَ القضية بالاحتلال.                  فاجأك سعيد:

 - كيف يحتل الرجل المرأة؟!

  تحركت الأم متوترة. تجاهلتَ سؤاله متشبثاً بأي خبرٍ آخر، وأسكتَّهُ غاضباً، لأنه لا يدعك تستمع إلى الأخبار التي لا تسرّ؛ جلُّها!

  أتراه يكف عن سؤالك؟! من سيسأل إذن؟!

  أمه تركت الأمر لك، ليست أقل حرجاً. لو أن الأمر يتعلق بابنةٍ، كان أهون. فتلك مسؤوليتها، ولن يترك الزائر الدَّوريُّ الفضّاح متسعاً أمامها للهرب من المصارحة.

  لكن السائل الذي سيفاجئه نشوة سرية، لن يبوح به لأحــد مخافـة أن يفقـدها. سيستعيدها كلما أتيحت له الفرصة. ربما سيتوقف عن أسئلته حينئذٍ، فهل سترتاح؟!

*

  لم يكن هيناً تقبُّلُ فكرة ذلك الفيلسوف، حيث أرجع الكثير من الأمراض والعقد والسلوك المنحرف إلى هذا الأمر، خلال فترات لا يكون للوعي دور فاعل فيها. لكنك صرت تراقب الأمور عن كثب، وقد غدا الوعي ممكناً، فهل المصيبة أخف وطأة؟!

  ولم يكن سهلاً تصوّر الطرق التي تعرّفَ وسيتعرّف عبرها كل هذا العـدد من الكائنـات على هذا الأمر.. الكائنات التي تعقل –ستعقل- وتحلل وتحرم وتقوّم وتبدع وتحكم...

  فكرت كثيراً فيما صرت تسمع وتقرأ من نصائح حول ضرورة مصارحة الأبناء بهـذا العلم. لكنك لم تجرؤ، لم تستسغ، ولم تقوَ! في حين استسغت أفعالاً كثيرة، وتجرأت على التهرب من سعيد إلى مبادلة جـارتك الملحّة بعضاً من اهتمام قد يتطور..

   وتجرؤ أكثر على متابعة الفتحات المبالغة والمرتسمات المستفزَّة، في الوقت الذي يكـون فيها ولدك يتحين الفعل ذاته، حتى لدى كائنات أقرب.. ربما!

*

  كنت وما أزال حريصاً على تعلمه، أحثه على المطالعة والتعرف على الأشياء، حتى تلك التي لا يتضمنها المنهاج.

لكنني لا أستطيع استساغة فكرة أن يطلع على الكتب التي تتعلق بهذا الأمر؛ أبعدها من أمامه، كما لو كنت أخفيها، وأخفي عادات ومشاعر وأماني وأشياء أخرى عن والديّ الحريصين.. وأخبئ الإبداعات التي تدخل فيها جرأة التصريح ومتعة التلميح، ولم يعد يزعجني غياب الليالي الألف بنسختها غير المهذبة.

*

  تحاول أن تكون أقل ضبطاً، لكن التربية وصورتك أمامه وموقعك وأموراً أخرى كثيرة لا تسمح.

  لم يعد صغيراً.. صوته، شعر ذقنه، تسريحته، المواد التي تلتمع على رأسه، أدواتك التي تنتقل إليه سراً وعلانية. الأغاني والصور والأصوات..

   لم يعد يسأل، لم تجبه؛ هل وصلت إليه الإجابات؟! بأية طريقة ومعنى؟! لماذا يتمرد؟! تلاحظ علائم الانقباض والتذمر.. ينظر إليكما بنفور. لم يعد يسأل؛ صار يطلب، يبالـغ في الطلب. تقدم ما تستطيع، لا يسوؤك ذلك أحياناً! فقد تبرر الكثير من أفعالك التي تثير الكلام  بحاجاتهم التي لا تنتهي. مع ذلك؛ هل سيكون موقفك أكثر إقناعاً؟! وهل تتوقف الطلبات؟!

  لم يعد صغيراً..

  هل هي الحقيقة التي تؤرقك؟! أم عليك أن تفرح؟! أم أنك لا تريد أن تعترف بعجزك عن مآخاته. لم تتعود. ولا تقبل أن تقر بتقدمك في طريق الاهتلاك؟! وما زلت تتسقط النظرات ذات المعنى، وتنشغل بالملامح غير المجانية!

  سنّةُ الكون؟! هذا صحيح، وإن كنت لا ترضى. وهو إلى الآن لا يفصح، لكن سيأتي وقت سيعلن فيه أشياء وأشياء.. أما أنت!! تتحسس شعرك الذي يرمد ويخف. وتحس بقلق يتضاعف، مع صدى قهقهة يلح؛ نفسك خضراء ما تزال.

  سنة الكون أن تدعه يستقل، يشبع.. لو يستطيع، لو تستطيع!!

  بالأمس القريب، كان يزف لك الأعياد، سيزفها أيضاً: النجاح والشهادات والزواج والأبناء و..

  سيزف لك الأعياد أم ستتكاثف المسؤوليات والخيبات؟! أم الخيارات التي لن تختارها؟!

  عليك أن تنسى ذقنه الحليقة، شعره الملمع، وعينيه الحائمتين، وصوته الأجش، وأسئلته التي لم يعد يسأل.. وتتذكر غيابه الذي بدأ يتطاول..

  لتذهب متوفزاً إلى أمه؛ ربما تكون منشغلة ببعض الشعيرات البيض، وظل التجاعيد في وجهها أكثر..!


المـوعـد

-       ألم أقل لك؟!

انخضضت، وانهدّ شرودي، نظرت إليه، فأحلني بتوتر إلى الأمام:

- انظر هناك هناك! هؤلاء هم الناس البشر؛ أعرفهم، أعرفهم..

- م.. م.. ماذا هناك؟!

- ألا ترى؟! انظر.. في الطريق! يظنون أن أبا تيسير غافل؛ هه.. هم الغافلون. هه.. أحفظهم عن ظهر قلب، سيعرفون مع من يلعبون. أنا .. أنا..

*

حين توقفت السيارة قربي، لم أكن قادراً على التمييز إن كان ذلك للهفتي التي أضرمت باليدين، أم لسبب آخر. ولم يكد انفعالي يستقر جواره، حتى باغتني بصرخة أجفلتني:

- مهلك؛ كسرت الباب!

لم يؤثر ذلك كثيراً على سعادتي؛ فقد أصل في الوقت المناسب، بعد أن كاد أملي يتبخر تحت وطأة الانتظار.

- حظك حلو؛ هناك وّلادة؛ سأحضر الداية. أوصلك إلى المفرق.

لا بأس..!

قلت بآلية. كنت أفكر في الموعد الذي جاءني بعد طول قلق، وها قد تأمن الجزء الأساس من الرحلة، وبدأت السيارة تدب بغلظة على الطريق المتعرجة المعبدة بحماسة العمل الشعبي.

لولا ذلك الانشغال، ربما تجاوبت مع إلحاحه الذي يفجئني بعد كل شرود. وشكرت الله على هذا الاهتمام الذي يتمناه كل من في القرية وجوارها نظراً للحيز الكبير الذي يشغله أبو تيسير، واعتزاز الكثيرين والكثيرات بأقل اهتمام يبدر منه، حتى لو تركهم مرات مشرذمين على الطريق التي لاتعرفها الكثير من العجلات، رغم أن بعض المقاعد قد تظل شاغرة.

لم يبلغ بي التفاؤل حد انتظار أن يعتذر عن تركي صباح أمس تحت مطر يتغازر. فما تزال حكاية تجاوزه لولده في حال مماثلة حديث الناس. لكن ملاحظة داهمتني:

مشاويرك كثيرة هذه الأيام!

نعم..؟!

أجبت باقتضاب متأهباً لسؤال، يضيف ترددي في الإجابة عنه شاهداً جديداً على سطوته، منشغلاً بالنظر إلى الساعة في يدي.

هذه مشيتي لا أغيرها، حتى لو طقت مياه الراس!

نظرت إليه، هززت رأسي عمودياً.

لم يكن ينظر إلي، وهذا ما طمأنني بأن المقدمة العريضة للسيارة يمكن أن تظل ملتزمة بعرض الطريق، رغم همِّها مرات أن تتمرد.

*

حين صارت السيارة تعبر قريتنا في رحلتي الذهاب والإياب، تتالت أعيادنا بعد أن خوضنا طويلاً في المسارات المتطاولة بضيق، مختصرين المسافة إلى المفترق العام، أومنداحين على الطريق الأوسع بأمل أي عبور آلي.

كان دخول القرية عصر السيارة منعطفاً هاماً، لا يمكن أن يمر من دون أن يترك بصماته على المنطقة برمتها. فتغيرت عادات، وتعدلت مواعيد، وارتبطت أوقات ومناسبات ومصائر بتلك الرحلة اليومية، بدءاً من إطلاق المنبهات التحذيرية مبكراً، ومروراً بالنغمات المحيية من أفقن وتعمدن الخروج، وانتهاء بالمنبهات المعتذرة عن عدم الوقوف، رغم الإلحاح واللهفة والصراخ والركض العاجز.

لم يكن سهلاً تحول أبي تيسير إلى قائد آلي؛ يكاد بيدر القرية لا يكفي لتغيير الاتجاه، ويستعين بمجاوريه في الطريق الطالعة بعناد، إضافة إلى أقمشة خضر وعيون زرق لتبلي الحاسدين بالعمى!

وليس من الوارد الاعتراض على الكثير من العبارات التي تخص مهنته السابقة. وليس لهذا كبير أثر على السيارة التي زارت الزروع، وعلقت في الوحول، أو استندت إلى جذوع الأشجار مرات.

ولم يكن مجدياً التمرد حتى على تلك العادة التي رسمت الكثير من علامات الاستفهام، وأشاعت التندر والحنق ثم السكوت والقنوط، أو شتم الحظ ليس إلا؛ كما يفعل الكثيرون الذين تتراقص أرجلهم وأيديهم حين تلوح السيارة من بعيد، وتعبرهم من دون اكتراث.

أما مذياع السيارة فما يكاد يستقر على محطة.. قاطعاً الأخبار والأغاني والمسلسلات والبرامج حتى يخرس مع بعض عبارات شاتمة الزمن والأحداث والظروف والأذواق التي فسدت.

*

منذ أمد بعيد تنتظر الموعد، تابعت الإعلانات، تفحصت الإشارات، سألت العارفين والمسافرين والآيبين والعرافين.. جميعهم أكدوا أن الموعد مهم وقريب، لكن تحديده بقي لغزاً. فكيف وصلتك الدعوة منذ وقت قصير؟! وهل هي دعوة حقا؟! أم خبر عابر؟! هل هي مزحة أم طرفة؟! حدث ذلك من قبل؛ ربما عرفوا تلهفك، فشاكسوا. خاصمت من فعل، وترقبت من جديد. هذه المرة يجب أن تكون الحال مختلفة؛ لو الأمر غير ذلك ما تصادف مرور أبي تيسير، ولم يكن دورك (نعم) في ترتيب من يقف لهم في الطريق، وربما كانت الولادة ذاتها سبيلاً لحضورك في الموعد المطلوب؛ بل اللقاء الذي أدى إلى الحمل!

"مبالغة؟ يمكن؛ لكن الموعد يستحق، وأنا أستحق؛ قالوا ذلك، أرى ذلك أيضاً. وإذا لم يكن الموعد حقيقياً، فلأن أصحابه لا يستحقون!".

صحيح أن حظك مع أبي تيسير لم يكن مواتياً أغلب الأوقات. كان يتجاوزك على الطريق بعد أن يرى اهتمامك وانشغالك بالسفر؛ تسابق من بعدك كي تأخذ دوره إذا ما وقفت السيارة لمن كان قبلك. كثيرون فعلوا ذلك، فترى الناس يتراكضون صوب السيارة المنبهة من بعيد. سباقات تجري كل صباح، أو كل عبور, وهو يضحك، أو يقهقه؛ يفتح يديه ويقول لمن يتجاوزه:

حظك ونصيبك؛ ماذا أفعل لك؟! دورك لأ!!

*

لو لم أكن منشغلاً بالموعد، ربما شاركته الحديث. لكن أية مشاركة تقتضي الموافقة على كل ما يقول، هو العارف بكل شيء، حتى لو أنكر على جميع السائقين معرفتهم بالأصول والأخلاق. لو لم أكن منشغلاً بمن سيستقبلني، تجرأت وسألته عن حقيقة الكثير من الحكايا: بسبب قانونه العجيب تأخر مدير المدرسة عن اجتماع هام، وعوقب رئيس الجمعية وأُنِّب المختار، وساءت حال (أبو أسعد) الصحية أكثر.. لم أتجرأ على سؤاله عنها، تلك التي لم تكن تقلق على دورها.. فمكانها محفوظ متى شاءت، وسواها أيضاً.. وربما استفسرت عن سر تخوفه من الجمّال الآخر! حين التقيا تصادما؛ لم يكن أي منهما ينطلق قبل أن يتأكد من خلو الطريق من سيارة الآخر.

رغم انشغالي بكل ما يمكن أن يكون في الموعد المأمول، انتبهت إلى حديثه عن الحسد وضيق العين والناس الذين لا يحبون الخير لأحد.. يتحدثون ويبالغون؛ إن لدى بعضهم عيونا ترمي الطائر من سمائه، وتوقف النهر في مجراه، وتجمد الدم في العروق:

أبو يوسف خذل أمام زوجته الثانية الأرملة التي رضيت به خوفاً من الوحدة، وأبو معتز فرغت خلاياه من النحل بعد أن كانت حديث الناس، وبستان درويش يبست أشجاره التي تطاولت كثيراً! أما هو، فما كان بد من اصطدامه بجميل رغم مهارته، ولم يستطع إيقاف مقدمة سيارته عن تسلق السنديانة قرب البيدر، ولم يقدر أن يمنع انقلابها في الحفرة، رغم مساعدة مجاوريه.

"إذن.. الحسد هو من يمنع الموعد عنك، أو يبعدك عنه! كنت تترفع عن النظرات اللئيمة، تحسها وخزاً أثناء عبورك، لم تكترث بهم، لم تسايرهم كثيراً، لا تستطيع قتل الوقت معهم. كنت تنتظر الموعد، تستعد له، تتقصى أصداءه، تعيش حلمه الريان، فهو يستحق، وأنت تستحق؛ كان يقال ذلك، كنت تسمعه، ومن المؤكد أنهم سمعوه كثيراً!

 ألهذا يحسدونك، وليس لهم مواعيد مهمة، ولا ينتظرون؟! ألهذا يطيّرون الأخبار الكاذبة عنك، ويؤلفون الحكايات عن حلم ووهم ومس؟!"

نبهني بيده، وقد عدت للانشغال عنه:

-لا يكتفون بالحسد والغيرة، ألم أقل لك؟! والإشاعات؛ بل يريدون الأذية؛ يحبونها.  وتابع بانفعال:

-انظر! خشبة في وسط الطريق، أليست خشبة؟! لماذا برأيك؟! لا تظن أنها مصادفة. لا .. أبداً؛ أولاد الحلال وضعوها كي أمر فوقها. أراهن أن بها مسامير؛ يريدون أن ينفجر دولاب السيارة، يتمنون هلاكي..!

الحمد لله أنك واع لهذه المسألة! ها ها.. واع جداً؛ ليست المرة الأولى. المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين؛ أم ترانا غير مؤمنين؟!

كنت سأنفي عدم إيمانه، لكنه تابع رافعاً رأسه، شاداً كتفيه:

- هه؛ على (أبو تيسير) لا تخف، لا يهمك. ولماذا أنت قلق؟! ألديك موعد هام؟!

ترددت؛ لكن:

لا لا.. مشوار عادي.. لكن من أجل الولاّدة حرام! إي معك حق؛ أفعل ما أستطيع. أما هذه الخشبة.. أولاد السوء، الحاسدون، المعتدون.. فسأضحك منهم وعليهم. ربما كانوا يراقبون الفخ، وينتظرون انفجار الدولاب، وانقلاب السيارة وقراءة الفاتحة على روحي وروحك؛ لا تخف!! سيرون ماذا سيفعل أبو تيسير؛ لا تقلق على الولاّدة، أو على نفسك؛ لا تخف.. لا عليك!

*

كنت أنظر إلى ساعتي، وأراقب العقارب تتجاوز الموعد بتحفزٍ، متعرقاً، متمنياً أن أقوى على منافسة أبي تيسير في شتائمه الصاخبة.


في الزمن الراجع

الطريق متضاغطة بشغب الحيوية، ومشغولة بهسيس اللهفة، وترانيم الخصوبة. عيون تتناعس وتتجاحظ مترقبة ومتتبعة أطيافاً وقامات متوحدة اللون متشعبة الأفكار والأحاسيس، إيقاعات الخطو المنثور تتواتر متفلتة للتو من قيود الوقت ورشقات المعرفة التي تخطئ وتصيب..

 بدأ المسير اليومي الراجع من المدرسة..

كان الذهاب مختلفاً، الصباح الصقيعي الشاحب، والتسارع المشوب بانقباض وهم يغافل الكائن عن أهم عناصر الرحلة المفروضة، حتى لو كان أنثى، وحتى لو كان من بين تلك العناصر كائن آخر، لم يكن لوجوده اليقظ مبرر مقنع، حتى في دهاليز نفسه التي قادته من وسواسه ورغبته وبؤسه إلى طيف يستطيع عبر الرماد الصقيعي أن يزهو به معه، استطاع أن يحس ذلك، على الأقل، ربما!

*

لم تكن تلهو..

حين تحدث زملاؤك عن مشوارهم اليومي، لم تكن تفكر في أنه سيصبح مساراً مستساغاً بل مقدساً. لم تكن تعتقد أن بإمكانك التواصل معها من خلال كل هذا الحشد؛ هل كنت تريد حقاً؟!

ما بينكما جدار واحد، وجدران أخرى كثيرة ليس من السهل اختراقها. جدار واحد، وتذهب إلى مواقع بموانع أشد قتامة وأقل ملمساً، رغم زهوها البادي. صار هذا الموعد ألفة حتى في البعد، البعد الذي تضاعف وتطاول.

لم تكن تلهو. كنت تحرس ابتسامتها الغامضة، ومشيتها الواثقة، من جميع النظرات المواربة، والتعليقات الصريحة. تظن أنك تفعل، لتبرر، أو لتسعد، أو لتحس بالجدوى.. الجدوى التي بحثت عنها طويلاً، وفي مجالات عديدة، وما تزال تبحث عنها، من دون جدوى!

*

الطريق ذاتها، الامتداد والتعرجات.. طبيعة المدينة العريقة لا تسمح بأكثر من تغير في بعض الارتفاعات والواجهات في هذا الشارع الرئيس. الطرق التي وازته، والمدارس الأخرى، لم تبدل في كثافة الحضور البشري، أو اتجاهه.

اللون الموحد صار أكثر نضارة، الملامح ومفردات الوجوه والمؤثرات المسموحة ازداد حضورها. الهسيس أقل حذراً، والصخب يتوزع الجهات، يحاول مراودة قلق الأحلام وتشتت الأفكار عن إعلانها، رغم اتساع الجري والتلفت والتشبث بأية فرصة أو دورة أو مورد.

الطريق ذاتها..

الكائن الذي لا يمشي ولا يقف، تماماً كما كان يفعل، لا يعرف أي مبرر مقنع لوجوده قي هذا التوقيت أيضاً بعد كل تلك السنين. ولولا أفكار المباغتة والاندهاش المرتقب، لبكر هذا الصباح أيضاً، رغم شحوبه وصقيع لحظاته، والرماد الذي تكاد الريح الشرقية تبعثره على الرأس أيضاً، الرأس الذي لم يبق الكثير مما يغطيه.

"هذا الشارع مسكون بالريح الشرقية، كمسيل شتوي زاخر. لم تكن تلك الريح حتى في أوج اشتدادها تثنيك عن مشوار الرجوع، رغم قدرتها على تسريع الهياكل التي تتجمع وتتبعثر بلا انتظام.

ها أنت تعود إلى مسار الرياح ذاتها، لم تغتنمها كل تلك السنين، وهل كانت رياحك؟! هل كان هواؤك أقل قسوة، أو أكثر حضوراً؟! الصباحات لم تكن أقل شحوباً، الأوقات ليست أقل ازدحاماً وتكاثفاً. همتك لم تفتر في البحث عن دفء يوازن الجسد المثقل بالحاجة، والرأس المتثاقل من تزاحم الأضداد.

لم تكن تفكر بأكثر من حسن التفاتة أو حنان نظرة أو هزة رأس أليفة. الأحضان التي تلت لم تؤمن ذلك، ولم تستطع بكرمها وصراحة رغبتها، وصرامة اندفاعها ملء الكهوف التي ما تزال تصفر فيها الرياح الشرقية، ربما. وتزقو في دهاليزها فراخ مذعورة."

*

في الزمن الراجع تختلف الأشياء، تتحور الألوان، وتجهد الأطياف كي يبقى لها حضور مجدٍ. تتسارع المشاهد رغم أن الخطو وئيد، والإيقاعات تضطرب، وتتوالد المنعطفات والمنعرجات.

للزمن الراجع تقويمه، حاضره المنحدر باندفاع إلى الماضي، مع غموض في الأفق الآخر.

ثمة حين من الدهر يغدو الزمن الراجع قضية، بعدما كان معياراً.

متى بدأ هذا الزمن؟‍! قبل الخيبات، بعد الشهادات؟! أم أن في كل مرحلة زمناً راجعاً. أو أن كل خطوة مدماك في بنيانه الهدام؟! في كل خطوة محاولة لترميمه، أم لترميم الزمن الآخر عبره؟!

متى ينتهي؟!

سؤال لا تجيده، لأنك لا تود الإجابة عنه، الإجابة التي قد تلغي أسئلة كثيرة أخرى، لا ترغب في زوالها. لو حدث ذلك، ما كان لوجودك هنا الآن من مبرر، إذا كان هناك لاحقاً ما يبرر! إذن، لماذا أنت هنا؟! سؤال آخر لا تود الإجابة عنه، والتفكير فيه؛ لو تستطيع!

لم تكن الواجهات بهذا الجمال، ألوان وزينات.. متى صار للشرفات أجنحة؟! هاهي ترفرف فوق الطريق الضيقة، تظللها، ترفعها بساطا يليق بخطوها الملائكي، والملكات جوارها، يحملنها، لا تمشي، إنها تتدفق في صراط موشى بالابتسام، والوقع العذب، والفوح الزكي. الفضاء يكاد يغص، والكائنات كلها تحولت إلى ما لا شبيه لها في ما كان واقعاً.

إنها هالّّة حالّة. وأنا.. متى كان بإمكاني الطيران؟!

لا.. لأمسك قليلاًً! لا يليق، لأنتظر؛ منذ زمن بعيد، وأنا هنا أترقب وأتشهى!

كان ما بيننا متسع من الوهم، وعوائق كثيرة، لم أكن أراها، لم أكن أرغب في ذلك؛ بل كان في وجودي في مرمى نظرها ما يعوض، ما يهدم الموانع، ما يجعل الوهم منقشعاً. كانت تعرف ذلك ربما؛ ألهذا كانت لا تقترب، رغم خطوها في الطريق ذاتها تلك التي أحرسها لها؟! ألهذا كانت لا تبتسم في وجهي الذي جعل سمتها نصب حركته؟! ألهذا كانت تبتعد عن مسرى غرفتي الداكنة، رغم امتلائها بأطيافها؟! لم تكن ملامحها مفهومة أو مريحة؛ كلماتها غامضة..

"كانت أكثر تعقلاً منك، أكثر واقعية.."

فكرت في ذلك في زمن ابتعد بخطواتي شمالاً. اقترب أكثر من قمم الثلج وسفوح الجليد، كنت متدرباً على مواجهة المناخ القارس، تلك معضلة أخرى لم أعرفها.. كنت مؤهلاً لأوبة يومية أكثر خيبة.

"كان ممكناً أكثر أن تلتقي بمن تعجبك هناك، كما يفعل زملاؤك؛ من تخطر في بالك تأتي بقدمها إليك، ظروف غرفتك أفضل، وواقع حضورك مختلف، ووقع نجاحاتك أوضح. لكنها ظلت مشرقة، وقد حسبت أنها أفلت؛ كان لأصداء هبوبها في أركان الروح وقع معذب..

ربما تكون الآن مستقرة في حضن دافئ، لا أسلاك أمامه، ولا أسوار. كنت تقول.. لن تحزن لذلك، لا تستطيع أن تتمنى أكثر من الراحة والسعادة لها، لا تستطيع أن تتصورها بأقل من هذا، لا تستحق غيره، ويليق بها الكثير من المعاني التي كان عصياً عليك تأمينها!".

*

"الأصوات التي تتحدث إليك بدت واهنة، قليلون تذكروا، لكن كثيرين انتبهوا لوجودك، بين الخطو والتوقف، القفز والرقص والتحرك غير المنضبط، علقوا، سمعت بعضهم، لم تعرهم اهتماماً. لو أنهم يرون ما ترى، لاختلف الأمر. لو يعرفون ما يجري، لعدلوا عن الدهشة، قليلون من تعرفوا إليك. الذين كانوا في السوق كبروا، مرضوا، مات منهم الكثير. الذين كانوا يملؤون الشارع مبتهجين منتشين/ لم يكونوا مثلك/ لا تراهم الآن، لن تراهم، ربما هم مشغولون بما يملأ أوقاتهم وجيوبهم وأحضانهم.. مشغولون مسرورون سعداء.. ربما! تتمنى ذلك، لا تستطيع أن تتمنى سواه. تشك فيه، ممكن، من قابلت منهم لم يكونوا مرتاحين، من سمعت أخبارهم لم يكونوا سعداء قانعين، كانوا لا يزالون يجهدون للكسب مختلف السبل والألوان، ويطلبون المزيد.

تتمنى أن يكون الجميع في راحة بال، كي يكون لك حصة من ذلك. ألا تستحق؟! بعد كل هذا العمر والجهد والاغتراب والبحث؟!

وهل ثمة إمكانية بعد؟!

كنت تظن أن الدنيا ستتضاحك لك حين تعود ناجحاً، كنت تحسب لا يستطيع أحد إنكاره أو حصاره. لكنك كنت مخطئاً أيضاً، حين كنت تسمح الوعود فتصدقها، وتصغي بإمعان إلى المسوغات فلا تفهمها، وتنتظر الفرص التي تعبرك دون تنبيه أو اهتمام، أو احترام. فأنت أكبر من أن تقبل بالفتات، أو ترضى أن تقوم بما يلزم لتحصل على ما يمكن؛ سواك كان يرضى بذلك، يسارع إليه، فيحظى بما يريد..!

هل كنت تهرب إلى الأمام حين سافرت جنوباً؟! (مكره أخاك لا بطل) كنت تقول، ولم تقتنع! هل اقتنعت؟!

ربما ما يحدث الآن شيء من التعويض تستحقه؛ هل انتهى القصاص الدنيوي؟! ليت ذلك حقاً!"

لكن..

 من الذي ألقاها في قاع السوق؟! يا إلهي، هي أم مستحاثة تشبهها؛ ها هي تمشي إلى جوار كائن ملاصق، كائن لا يليق، كائنات أخرى أصغر تسير بلا مبالاة، بلا سعادة.

من الذي ألقاها؟! وهل كانت فوق؟! أم أنا الذي حسبت، توهمت، تمنيت..؟!

ها هي تقترب، ملامحها واضحة، قابضة، تضحك أو تحاول، ضحكتها منفرة. ها هي تتحدث، كلماتها بلا عذوبة، واضحة! ليتها غير ذلك، ليتها ظلت غامضة ضائعة! هل تتعرف إلي؟! تترك شبيهها وتقصدني، لا أطيق ذلك، لا أستطيع.. تقترب، تضحك، تبكي، تلوح، تحكي، تقفز، تهوي، تنهض، تقهقه، تشير إلي..

ألملم أطرافي، وأطيافي، وأهرول مبتعداً.


 

ثقب أسود

-1-

قذفها من بين أصابعه، رنين ارتطامها بالاسمنت تواشج مع الوقع الخاص لنبرته، كنت ألاحق الصدى متمنياً أن تمكث قطعة النقود طويلاً تحت السرير الخشبي. لكنها سرعان ما ظهرت، واستقرت قرب جحر. في حين ظل إيقاع أمره يدوّم في خلايا الوعي، حتى بعد أن تشبثت بالنهوض المتثاقل والخروج المهدود، وقد قبضت القطعة المفضضة على أصابعي.

كان كنز السماء معلقاً في فضاء شمعي، غير عابئ بمن أرسله؛ بدا ذلك من تلكئه أمام سرعة أنفاسي، رغم بطء خطاي التي تتعثر بالطريق، وأفكاري لا تني تتنافر عبر مفازات عصية.

ليست أول مرة، ولن أرفض. رغم همة الإباء التي تتضخم أحياناً، فأتساءل عن مبرر هذا التصرف الذي لا يليق برجل يقرأ كثيراً مثله، أو آخر يطيع أكثر.

ليس من فارق مهم يدعوني للانصياع، أو يدفعه إلى الأمر تلو الآخر. ليس من علة ترتب المسؤوليات، وتجعل أياً منا قواماً على الآخر درجات، ولا من مبرر.

فهل يقرأ من أجلي؟! وأنا لا أخدم في فصيله. وإذا كانت الظروف جعلتني منبتاً عن طريق تقت إليها، ومنخرطاً في سلك لا أستسيغه. فإن هذا لا يعني بأية حال أنني أقل شأناً. وعلى هذا المفكر العظيم ألا يفهم أن احترامي ضعف، وصمتي هوان.

*

أصمت حين يطلب، ولا أجيب إن يسأل. آن يتحدث لا ينتظر كلامي؛ لا يمكنني الكلام منشدّاًً إلى ما يقول، غارقاً في أفكاره: الوعي، الزمن، المعرفة، الإنسان والكون، الاتجاه الحتمي والمصير الغائم... لم أكن أقل منه اهتماماً رغم ضبابية المسار وأسئلة الختام.

ربما كنت أزداد اكتنازاً بعلومه وأسلوبه في التفكير، وأتعالى بمعايشته.

أعترف بيني وبين نفسي أحياناً، وألومها. فهو لا يقصد إهانتي، وليس ما يؤكد إحساسه بالتفوق، وشعوره بالعظمة. يذهب صباحاً، ويعود بعيد الظهر، كما يفعل الناس. ولا يتحدث عن عمله ولا عن الجامعة. وليس ما ينفي.

لماذا يتركني أعد الطعام، منشغلاً بالصحف والمجلات التي يحضرها كل يوم، مبدياً تعليماته الصارمة حول الطهي والنضوج؟! ثم لا يني يستسلم للرقاد بعد الانتهاء من تناوله ما تيسر، بملامح تؤكد ضرورة عدم الإزعاج، أو عدم تغيير المسجل عن صوت فيروز: (لا أستطيع أن أغفو من دون دفئه..).

*

أعرف أنه كتوم، هذا الرجل! يضغط براحة كفه على بطنه أو جبهته. أحس أحياناً أنه يتألم. مع ذلك، حين يطلب أمراً، أنزعج. حتى حين يكون مشغولاً بالقراءة أو الشرود، يبدو القنوط على ملامحه. ألاحظ هذا أوقاتاً كثيرة، أخمن أنها أفكار معمقة أو استنتاجات لا تسر. ويمكن أن تكون لأمر آخر؛ هل هو ما يدفعه إلى مثل هذا الطلب؟! ربما كان يتألم الآن. هل يصح أن أدعه في عذابه كل هذا الوقت؟‍‍!

أنا الذي دعوته إلى غرفتي، لم يفرض علي ذلك.

صحيح أنني كنت أعيش حالاً مكتئبة، بعد أن ارتبطت هناء زميلة الصف بزميل آخر تابع طريق التعلم. وانقطعت دروبي عن الناس اللائبين وراء أشياء لا تهمني. لكن الحياة لا تنتهي عند هذا الحد. فزملائي لا يتوانون عن إطلاق الحكايا المحفزة، ويتحدثون عن اليسر والسهولة في اصطياد اللذة، وانتهاز الفرص التي تفوح منها روائح كثيرة، خاصة لمن يعيش وحيداً بعيداً.

كان يمكن أن أدعو أحداً آخر، واحدة تلو أخرى.. لكنني دعوته، أنا الذي لا أتوانى عن إعداد الطعام الذي يحب أحياناً، وأتحرك بهدوء حين يكون غارقاً في القراءة أو التفكير أو النوم، كيلا أزعجه.

أحس بالمرارة حين أرى علائم الاضطراب على ملامحه، ويحرك ثور الأرض قرنيه حتى ليكاد يلقيها. وأشعر بالسعادة حين يكون هادئاً، ولا أتردد في القيام بأي أمر يطلبه، أو أقدر أنه يرغب به. أحياناً أضبط نفسي في مثل هذه الحالات الآمنة لو تستمر. وأكاد أخرج من جلدي، حين تسود العجرفة والجفاء والصلابة. ويقذف في وجهي أمراً أو قطعة نقود يدوّم صداها كطلقة لا تخيب.

*

فكرت أكثر من مرة في أن أدس لوعيه شيئاً مما أحضرت لجرذ كبير، كان شاركنا السكن في الغرفة والحارة التي تكاد تغص بهذه الكائنات. تراجعت؛ فهل أوامره الوحيدة التي تنهال علي؟! أنا الذي أعيش في سلك: نفّذ ثم اعترض! ولكن هذا لم يعد يحتمل، كالشعرة التي قصمت ظهر البعير؛ لست أكثر من بعير حقاً، إذ أجهد كي أصل أوان المبيت لأخلص من الأوامر، فتستعجلني أخرى.

فإذا كانت الخدمة قدري ومصيري، هرباً من حال لا تطاق في البيت الذي استوطنته الأوامر الجاهلة، فإن هذه الحال ليست قدراً، وسأنتهي منها؛ يجب أن يحصل هذا، لا ريب.

-2-

لم يكن أمامك من طريق أخرى. الشهادة الإعدادية تخولك المتابعة بجدارة. لكن الواقع التعس لم يستمهلك، فضغط باتجاه هروب مأجور، وبصمتَ بالعشرة على حصارك المديد.  كثيراً ما تتذكر نظرة المدير المندهشة، وملامح المدرسين المستنكرة حين عرفوا أنك لن تتابع الدراسة.

ما زلت تحتفظ بدفتر التعبير، ودفتر آخر للأفكار والخواطر، وتخبئ ملاحظات الأساتذة المحفزة، وبعض أوراق الاختبار.. لا تعود إليها. لم تستطع مواجهتها. لا تطيق الصفحات الثقافية والعلمية في الصحف والمجلات التي لا تشتريها، وتتجاوزها في الخدمة. تتجنبها حين يحضرها مسعود، إلا حين تضعها على الطاولة تحت عدة الأكل، فيغرق فيها من جديد. قد يعثر على اسمه يذيل مقالاً ما. تشع أطياف ابتسامة بين ثنايا جديته ارتياحاً لا تطيقه، فتنهض قبل أن تشبع. ولا ينتبه إلى وحدته إلا بعد أن ينتهي. تمزق الورق بعنف. يحدث كما لو كنت وحيداً. ينظر شزراً، يهز رأسه، ويدخل في قيلولته. وتغوص في التحديق.

لا تصدق أنه ينام، تحسه متأملاً، حتى وهو مغمض العينين. تتلامح الأطياف على عناصر وجهه، من ركامِ قلقٍ إلى أمان وانشراح..

*

] منتشياً أتقافز فوق الأرصفة.الصحيفة في يدي، أتناوب النظر بينها والأحياء المسرعين محملين هموماً وحاجات وأنفاساً، أو الواقفين في براثن الانتظار. أقرأ عليهم الاسم صائحاً، يلتفت إلي الكثيرون، يحدقون وينظرون نحو السماء.

أصوات الفرامل وصياح السائقين، وتحذيرات شرطة المرور لا تمنعني من الجري المحموم والصراخ، علّ هناء تسمع، أو زوجها يعي. رغم بعدهما. القدر قادر على إرسالها إلى طريقي، كما كان بطلاً في ابتعادنا. إنها هناك.. هي ذاتها بثياب المدرسة: الكتب والدفاتر والضفيرتان. تمشي بثقة.. الأناقة والحيوية والحشمة.. سأمضي إليها. سأريها اسمي بالخط العريض الملون مع قصيدة أو نص، أو.. كنت أَعِدها.. كانت تتمنى. هل ما تزال تنتظر؟!

تدير وجهها، تعرفني، ما تزال تعرفني. أين تمضي؟! لن تذهب إليه. لكنها تخاصره. لا تحبه، لا تضحك.. إذن؛ لماذا؟! هل تكفي شهادته؟! موقعه؟! وسمعته.. ألا تعرفها؟! لا يهمها؟! لم يكن نابغة. الفرص التي حظي بنعماها لم تكن له.

ما يزال يعرفني، لن يفيده التهرب. ستتركه وتأتي إلي. ها هي تدفعه عنها. تجري نحوي، يلاحقها، تدفعه. يقع أرضاً. تضحك ملء أنفاسها، ملء الدنيا. وأنا ألوّح بالجريدة ويدي الأخرى لأضمها. لم يبق سوى خطوات معدودة؛ إلي إلي..![

اصطدمت قدماك بشيء ما؛ قارورة أو كيس قمامة أو بقايا كائن. كدت تقع. أنهضك عمود يفترض أن يكون للإنارة الضائعة. تشبثت به، نظرت أعلى، لمحت القمر الذي أطل خلسة من فرجة بين الدور. من حسن الحظ أنه يغرق في لحظاته، فلا ينتبه إليك محدقاً في قسماته الحادة، وملامحه المحيرة جدية وتقطيباً ثم ارتخاء. وربما طيف ابتسامة عميقة تكاد تلحظه. فتغض الطرف رضياً.

*

ألوم نفسي أحيانا، وأطأطئ رأسي خجلاً؛ ما ذنبه في ما آلت إليه حالي؟! وكيف أحمله مسؤولية انقطاعي عن هذا المجال؟!

غير أن ذلك لا يبرر الاستهانة بي, وإطلاق أوامره.

صحيح أنني من دعوته في أول لقائنا لمشاركتي السكنى. كنت قد قرأت اسمه مصادفة؛ بل لم أقرأه، سألني أحد الزملاء إن كنت أعرف مسعوداً الذي يكتب في الصحف: إنه من منطقتكم!

دعوته.. كان يسكن في مكان أبعد عن عمله. قلت، أو ربما فكرت: يمكنه أن يفكر على راحته، ويقرأ ويكتب متى يريد، وأتكفل بالباقي!

 لكن لكل شيء حدوداً. إن كان يظن أن ذلك خوف منه، فهو واهم. وإذا كان يحسب أنه متفوق، فهو أخرق. أعرفه، ابن من يكون. أذكر دارهم، يجاورون الدواب تحت سقف واحد. أعرف أن نوال خطيبته ضحكت منه، غافلته، وغادرت مع ذي نجوم. أعرف: والده كان يجر، ربما ما يزال يجر، العربة التي تفوح منها روائح العفن والنفايات في السوق المزدحم.

أمه قضت في حفرة انهار جدارها، كانت تحضر التراب لمن يريد لقاء ما يسد الرمق. أذكره، مسعود عينه، يخوّض في المحلول الروثي المعد لتزيين الجدران الطينية.

وأعرف.. أنه شخصياً عمل في لمّ قمامة الحارات المشبوهة في المدن. أعرف وأعرف..

خرج من المدرسة، لم يكن غبياً؛ حصل على الشهادة بجهد ذاتي.

"هل نسيت أن سقف بيتكم لم يكن من حديد. ولا جدرانه بلا طين ملون، ولا أنفاس دوابكم أبعد."

-3-

لم أتوقف عند مدخل السمان، وكانت أمنية قد نفرت أن يكون الباب مغلقاً، لكن ضوءه المميز سرعان ما بدا، حين دلفت إلى الشارع الرئيس في الحارة؛ هو الوحيد الذي يتأخر حتى الساعات الأولى من الصباح، منتظراً زبائن الحاجة والترف.

الحاجة والترف.. إلى أي منهما أنتمي؟!

ليست حاجتي، ولم يكن ترِفاً!

أهي عادة يستذكرها بعد أن يكون الليل قد قارب على الانعطاف. هل هو الليل أم الامتلاء؟! الخواء أم القلق؟! ما يمكن أن يسبب  طلب شيء للأكل أو الشرب أو أية حاجة أخرى مما ليس موجوداً في الغرفة؟! أحتاط لذلك، وأعجز عن تأمين أشياء تستطيع رغبته اصطيادها. وأفشل في تأجيلها إلى اليوم التالي؛ لا أحاول ذلك!

*

ليس مرتاحاً، تركته ذات الجمال والحيوية:

-لم أستطع الاستمرار مع جدار.

 قالت مراراً. سمعت ذلك لاحقاً.

وأكدتْ:

-كاد يبتلعني الثقب الأسود الذي كان يحدثني عنه: ( لا يخرج منه حتى شعاع الضوء الذي يصادفه). وهو المشغول بأفكاره وتحليلاته وقنوطه، لا تخرج منه كلمة إعجاب واحدة، كلمة تمتدح طعامي أو أناقتي أو ترحيبي بأصحابه.. أين هم أصحابه؟! لم يبق أحد. لم يتفوه بكلمة حلوة طوال معرفتي به. أنا أحب كلام الغزل والإطراء، وأستحقه. كلهم يقولون هذا، كلهن يحببنه، بنات جنسي المحظوظات، وينلن منه الكثير، رغم أن ما لديهن ليس أكثر مما لدي، لا يعادله، ولا يراه المفكر العظيم. فهل كثير علي أن أنتظر كلاماً جميلاً، أتمناه؟! وهل لديه ما يعوض؟! وماذا يفيدني أن يذكر اسمه، أو يكتب، أو يتردد على الأسماع؟‍‍‍! وأنا من يذكرني؟!

*

ثقب أسود..

أحسست بالحاجة إلى مسافة أطول تبعدني، تؤخرني وقتاً آخر. أفكر خلله بحال تتزايد كثافة قتامتها، أو وهمها. حال يفترض أن تنتهي، بصرف النظر عن الثقب الأسود الذي أغوص فيه من جديد.

وهل سيختلف الأمر كثيراً أو قليلاً؟!

منعطف آخر قادني إلى نفق يضيع القمر، تصول فيه الجرذان، والقطط تتقافز، أصوات حادة ومواءات.. قافلة أخرى من اللحظات القاتمة.

 بدا أن الأشياء متعالقة بما لا يمكن إضاءتها، والظلمة متكاثفة.

( تكاثفت مواد الكون، وتضاغطت. حتى لم يعد ممكناً أي تقلص. فحدث الانفجار الأعظم، وقذف الكون مجراته، وتناثرت كواكبه ونجومه في الفضاء الرحب، وما تزال تبتعد.)

كان يشرح باهتمام..

( لسنا مع كوكبنا العامر بكل صخب الحياة في طقوسها المتنافرة، وفصولها المختلفة سوى نزر يسير من احتمالات لا تنتهي.)

وتابع في وقت آخر، دون أن ينظر نحوي، كمن يحدث نفسه، مع أني حدقت فيه لوقت:

( ربما تكون هناك احتمالات أخرى لحيوات أخرى، في أجرام بعيدة أو قريبة، شروطها قد تختلف عن شروط حياتنا..)

شرد قليلاً:

(لكن ما الفائدة..؟!)

كنت سأسأل السؤال ذاته، ربما بطريقة أخرى:

ما الفائدة من كل هذا العلم؟! إذا كانت الأرض التي تكاد تغص بمن فيها وما عليها من كائنات تتشارك وتتعارك، وتتسلح، وتكمن، وتغدر، وتدمر، وتقتل.. ليست سوى احتمال. فاللهم نجّنا من الاحتمالات الأخرى.

لكنه تابع:

( إذا كانت الظروف في الكواكب مختلفة، وهيئات الكائنات ليست منسجمة، فهل هناك فائدة من وجودها؟! وهل هناك إمكانية لتواصل ما؟!)

ها هي كائنات من طينة أخرى تفر من أمامي، تتسابق على القمامة. فما الفائدة منها؟! تعيش على الفضلات، تستوطن الجحور والأنفاق المظلمة. ليست وحدها. تحاول استباق عامل التنظيفات الذي يحس من حركته غير بعيد. كائن آخر بلا فائدة. إنه يشبهني، بالتأكيد لم يكمل تعليمه، كان يمكن أن أكون مثله، بلا فائدة. لا.. هو مفيد، لولاه، ولولا كائنات أخرى قد لا نحب، لدفنّا تحت أكوام النفايات. أما أنا!

" لا بد من كائنات أخرى أكثر فائدة منك. ماذا تعمل؟! لست وحدك. تحس أنكم جميعاً بلا فائدة. رغم كل الأوامر والأوقات والاستعراضات والنفقات.. ولا تتفقون إلا على ممارسة الأمر حين تستطيعون، وعلى أية درجة من المسؤولية، وبسبب أو من دونه.."

ها قد تجاوزت الكائن المختلف بهيئته وعربته، تفرست في مظهره وملامحه، وانشغلت قليلاً بحيويته، وعدم اكتراثه..

"إذا كنتما مجرد شخصين من بيئة واحدة، وظروف متقاربة، ويكاد التواصل بينكما يكون وفق قوانين الضرورة، وربما المصادفة. ولا امكانية لزيادة فعالية هذا التواصل. إذ تبدوان كأنكما من عالمين مختلفين، أو مجرتين متباعدتين في أطراف الكون. فكيف تكون الحال لدى كائنات متغايرة؟!"

-4-

ذات زفرة طويلة عبّر مسعود:

( أحسب أن الطريق التي تسير فيها الحياة ليست هي الطريق الواعية!)

الوعي..! وماذا يعني هذا الوعي؟! ما معياره؟! ومن يحدد جدواه؟! ومن يتفق على تعريفه؟!

يقول أحياناً:

(هل يظل الكون يتمدد إلى ما لا نهاية؟! أم أن وقتاً سيجيء يعود فيه إلى الانكماش؟! يمكن أن يأتي يوم ينفجر فيه كوكب ما، أو يقترب مذنب شارد أو مبرمج من الأرض ليصطدم بها، ويشطرها، أو يبتلعها ثقب أسود!)

أقول في سري: "ليت هذا يحدث؛ أتخلص من الأوامر، وعلي وعلى أعدائي يارب!"

أعدائي.. هل هم أعداء حقاً؟! وماذا بيننا من خصام ومعارك؟!

(  بعد ملايين السنين، يمكن أن ترمد الشمس، فتخمد الأنفاس!)

أتنهد: "أرجو ذلك."

ثم أكاد أتصور الظلام والبرودة والوحدة، فأنكمش.

يمكن أن يحدث هذا بعد ملايين السنين.

( وماذا نستفيد إذن؟!)

أتابع إطلاق خطوي في العتمة، دون أن أنشغل بما قد يفاجئني، أو بالمكان الذي يمكن أن أصل إليه، أو الاتجاه الذي أسلكه.

*

أستغرب أحيانا كيف يفكر العلماء، وينشغلون بقضايا يمكن أن تحدث بعد ملايين السنين.

ماذا نستفيد؟! وماذا تعني أعمارنا بالنسبة إلى هذه الأرقام الفلكية؟!

لكن كائنات غيرنا، بعدنا، مثلنا، أو تختلف عنا قليلاً أو كثيراً، يمكن أن تكون موجودة، تزورنا، ولا نراها. تحس بنا، وتراقبنا. تحمل همنا، أو هم القضاء علينا. ويمكن أن تعتمد على إنجازاتنا، أو إنجازات سوانا. وتفكر بطريقة للخلاص، وبطريق أكثر جدوى للعيش، أو للخلود!

إذن.. يمكن أن يفكر الإنسان من أجل الكائن الذي لا يعرفه، وربما لم يوجد بعد!

هناك من ضحى بحياته من أجل فكرة اقتنع بها، وبقيت فكرته الصحيحة.

لا.. ظلمته تلك المرأة: ثقب أسود..!

 لولاه كنت تعفنت في وحدتي: الليل والعطلة والبعد.. لم أتعود الخروج حيث التجمعات. عفت أية مشاركة بعدما خدعتني فتاة السلال والبروق، وأرهقتني المعارك المجانية والغايات القاتمة.

لولاه..

 أليس هذا سبب رجائي أن يشاركني العيش؟! أليس في وجودي معه فائدة لي، له، لأحد ما، لقضية؟! من منا يضحي من أجل الآخر؟!

   إنه يفكر في الحياة. من أجل الكائن الذي يستحق، ولا أستحق!

أأستكثر أن أجلب له شيئاً يحبه، يسليه، يحتاجه؟!

   ما الذي أخسره؟! وما المفيد الذي يمكن أن أقوم به في هذا الوقت سوى النوم الذي أملّه، أو الخمول الذي أكاد أختنق من عفونته؟!

  ماذا تعني مسألة أن يطلب مني أمراً بسيطاً مقابل ما يقوم به، أو ما يفكر أن يقوم به؟!

قد تكون الحاجة ألحت عليه، ربما يتألم. هل تأخرت؟!


الفهرس

    رؤيا 3

قبل الوصول. 6

الجثـة 10

العصا.. 15

طــاقة 20

التابع! 24

في اللجة! 27

شـــهامـة! 31

العـــــزاء 34

ولــدي. 38

المـوعـد 43

في الزمن الراجع 47

ثقب أسود 51