ياسمين.... - قصة قصيرة
ياسمين....
قصة قصيرة
بقلم: بشرى أبو شرار
إلى التي ترقد هناك......
من وقت رنّ هاتفها وسمعت صوت صديقتها "لمياء" تحدثها عن ابنة أختها، وكيف تم تشخيص مرضها بصورة مفجعة، أورام في معقل الخلايا اللمفاوية، دفعت الصدمة أمها لتعبر بها نهر الأردن، قاصدة "تل أبيب" والبحث عن بروفسور يجيد إعطاءها الجرعات الكيمائية، وياسمين جسد مستسلم أمامها....
بين يوم وضحاه وجدت الأم نفسها تحت سماء "يافا" تجلس في الشرفة الملاصقة لحجرة نوم ابنتها، ترقب نجمات هاربة من جحيم غزة، التي صارت أبعد من كل الكواكب في مداراتها النائية......
تئن ياسمين، فتخطف فؤادها، تسابق الخطوة لتصل حافة سريرها، تمسد على جلد يدها، تحاذر أن تصطدم بإبرة المحلول المنغرسة في عروقها، ينسكب ماؤه ببطء شديد، هي من عمر ما تبقى لها في هذه الحياة، وقلب أم واجف من نهايات باتت قريبة....
تتقلب تصارع آلامها، تلاحقها أمها بلمسات على جبينها المعرّق، تذكر زمناً بعيداً، حين كانت تتحسس جبين ابنتها، دوما تزيح خصلات شعرها المنسدلة على أول جبينها، أما في تلك اللحظة، لم يعد شعر ياسمين كعهده، صار كل شيء خواء، انكشف جلد رأسها، تحاول أن تسدل أطرافاً من شالها عليه، تخفي عنها جميع المرايا، تظهر لها أنها رحلة قصيرة وتعود بها خلف النهر، حيث أطفالها الصغار......
تجذب انتباهها، تشير لها من خلف النافذة على مواقع مدن بعيدة:
_ هناك "غزة" هل ترين أنوارها؟
_ صحيح؟! هذه أنوار غزة يا أمي؟
_ نعم، صدقيني.
تدغدغ وجنتيها ابتسامة باهتة، تشهد رحيل الأمنيات، تناديها لكي لا تذهب لنوم عميق، تهزها برفق شفيف:
_ انظري معي هناك، إنها "المجدل" أنوارها أشد قرباً من غزة.
تشطر قلبها تنهيدة من أنفاس ابنتها:
_ غزة..... بيتنا..... حديقتنا... ماذا قال لك الطبيب؟ هل لي أن أشفى وأعود لأطفالي، نعود لبيتنا يا أمي؟.....
_ تحاملي يا حبيبتي، هي جرعات قليلة، وتعودين.
لم تكن تعلم أن صور الأشعة ستكشف عن تناثر إصابات في الجمجمة والعمود الفقري، الذي نغزته تلك الأورام والتصقت به، معلنة عن احتلال مقيم، لن يغادر.....
تسكن حسرة دامية قلب أمها، تهذي من فؤاد منفطر:
_ ماذا تبقى منك يا ياسمين؟ كنت أظنه ورم في غدة واحدة أسفل رئتك، وإذ به يجتاح أنحاء جسدك، ماذا تبقى منك يا صغيرتي؟
عادت أنوار غزة ترهج في العتمة، وسماء "يافا" تنداح للصفاء، وسرير يركن لصمت حزين، لا زال جسد ياسمين يحتل مساحة منه، تلوب أمها في الشرفة، تسأل فضاء الأرض:
_ إن حملتك جسداً بلا روح، أين اذهب بك لترقدي في سلام؟.....
هل أقذف بك لتلك الأنوار البعيدة، حيث وهج غزة؟..... أم أعود بك خلف النهر، تذيب عظامك أرضاً غريبة؟.....
10\10\2009