حارس مرمى...... الشتاء الساخن - قصة قصيرة
حارس مرمى...... الشتاء الساخن
قصة قصيرة
بشرى أبو شرار
في بيتها حجرات كثيرة، لها فيه حجرة وحيدة، إلا من صوت مذياع لا يكف عن الكلام، نور مكتبها ساكن على شحوبه، كتبها المتناثرة على مساحة فرشتها، حين تشد الغطاء إليها، يتسحب معه بعض من كتب تجاور وسادتها، كل ينتظر دوره، ليبوح بين يديها بما خطته الأقلام، "ثلاث أيام عند أمي" رواية، كل مرة تتهيأ للنوم تقلبها بين يديها، تتذكر لحظة التقطتها من معرض الكتاب، أثار اهتمامها عنوان الرواية، أمها التي رحلت، هل تجد بعضاً منها بين صفحاتها؟..... يستلقي قطها على كتبها المتناثرة، يلم رأسه بطرف يده المرتخية على أول حاجبه، يحتضن "عصافير النهر" رواية محمد زتيلي من الجزائر "من البدء كنت غريباً..... من البدء كنت حزيناً، وهأنذا موغل في التغرب.....".
يمضي الوقت عنها مثقلاً بالهم، جميع من بالبيت يعرف أن جهاز التلفاز لا يجذبها إلا في أحداث طارئة قد تقلب موازين الساحة، غزة في الشتاء الساخن، هم من أطلقوا عليها هذه التسمية في اجتياح جديد، تقلب جميع المحطات، تبحث عن مشاهد من حيها القديم، يصيح ابنها:
_ توقفي هنا يا أمي، انه الكابتن "الحضري" لقد عاد من سويسرا.
أثار حديثه الدهشة لديها، يكمل حديثه إليها:
_ ألا تعرفيه، هو أمهر حارس مرمى، من فضلك يا أمي، أتركي لي المحطة لأستمع لحديثه.
تدقق في مساحة الشاشة الصغيرة، صالون كبير، وأرائك وثيرة، والحضري يصغي لأسئلة مقدم البرنامج، ومداخلات آخرين من جمهوره:
_ ماذا تقول فيمن وصموك بالخيانة، ومن طلبوا بإسقاط الجنسية عنك؟
_ .........
صفير عربات الإسعاف يدوي في قلبها، ينتشلوا الصبية من تحت الردم، نامت جدائلها على نار نهشت جلدها، صارت بلون الرماد.....
تتداخل الأصوات في أذنها، صوت فنان مشهور:
_ " حضري" نورت مصر يا حبيبي، أنا حفيدي كان يبكي يوم سافرت.
غام وجه "الحضري" واحتضنت عينيه دمعة شجن....
صفير عربات الإسعاف يدوي في فضاء الحكاية، تناثرت أجساد الصغار، يتشبث أحدهم في ثرى الأرض، يهمس لأخيه "قل الشهادة" يحثه عليها ليصلا معا، يحتضنا حفنة من تراب، يذهبا بها لحفرة في قبر...
_ هل تصف لي شعورك يوم وصلت مطار القاهرة، بين حشود من الجماهير التي كانت في ساحة المطار؟ من المؤكد أنك غاضب من الكثيرين.
عاجله بإجابة رشيقة:
_ طبيعتي بسيطة، أي موقف انفعالي وحاد، سرعان ما أنساه وأقلب صفحة جديدة.
صوت الزنانة يلاحق أذنها، تسند المرأة رأسها للجدار، تتهاوى، يلوب قلبها، تصرخ ملتاعة "لم يعد عمر، لن يأتي مرة أخرى....".
الصبي مسجّى على سرير في مستشفى "الشفاء" لا يستنشق من أنبوبة الأكسجين، لا يتنفس هواء "غزة" صار يتنفس القبر المنتظر هناك...
غافلها صوت مطرب مشهور:
_ يا "حضري" أنا بحبك، وأولادي أكثر مني، وأنت بطل، ولن تنسى مصر أبناءها الذين قدموا إليها كأس الأمم الإفريقية.
يبدأ المذيع جولته:
_ هل صحيح أنك وقّعت على عقد، في أحد بنوده تشكو ناديك؟
_ أنا وقعت على ورقة باللغة الفرنسية، وأنا لا أعرف الفرنسية.
يلتفت المذيع، يخاطب مشاهديه:
_ يا جماعة، يجب ان يوفر النادي متخصصين ليعلموا الرياضيين لغات أجنبية.
تصرخ المرأة "أخي وأبي وزوجي، كل عائلتي، لم يتبق أحد".
يلثم الصبي التراب، يستنشق من دمه، نار الصلية أكلت بنطاله، تعرى جلده، يفضح حروق نامت على لحمه، منشارٌ يزحف على كيانه، يتمتم الصبي، يهذي، يحاكي الصمت في المكان، ينهض أنامله بإشارة الشهادة، لم يقل وداعاً، لم يبك ألمه، ماض إلى تعويذة عبوره...
لا زال "الحضري" جالساً على مقعده الوثير، يحتضن حشية يراقصها على ساقيه كما كرة القدم التي اعتادها، يسأله أحد المشاهدين:
_ من الذي أعادك إلى مصر؟
بدت علامات التوتر على ملامح وجهه المبتسم:
_ هو صديق لي، ولا أستطيع أن أقول المزيد.
يبتسم المذيع، يرفع يده مشيراً:
_ معنا خط من النمسا...
على ساحة الزمن العصية، يسابق الرجل اللحظات الحزينة، الطفلة تتوسّد ساعديه، تسجّى على سرير المستشفى، تتعرّى من ملابسها، تعبث الأيدي في جسدها، دماء تسيل، يتّشح الجلد بها، والشظايا صارت أكبر من حجم الجسد....
يعود وجه "الحضري" على ابتسامة مكابرة، يسأله المذيع:
_ ما هي الكلمة التي تحب أن توجهها لجمهورك الذي يحبك؟ ماذا تحب أن تقول؟
ساد سكون شفيف، ابتسم المذيع، ملتفتاً نحو مشاهديه قائلاً:
_ فاصل.... ونواصل.
5\3\2008