لا للعيش المشترك .. نعم للمواطَنة

عطية مسوح قرأها 8
  

أعتقد أن مصطلح (العيش المشترك) هو من أكثر المصطلحات التي اصطنعها الفكر السياسي اللبناني غرابة وتضليلاً.

أما الغرابة فيه فسنوضحها بعد قليل، وأما التضليل فيأتي في ناحيتين: أولاهما أنه يغلَّف بغلاف (الديمقراطية) بل يُعَدّ هو الديمقراطية الحقيقية في ظروف لبنان.

وثانيتهما: أن هذا المصطلح اصطُنع ليغطي التناقضات الحقيقية في المجتمع، وهي في لبنان كغيرها في البلدان الأخرى، تناقضات اقتصادية واجتماعية وطبقية، تناقضات مصالح اقتصادية وسياسية، بين الفئات المتنفذة، وبينها وبين الجماهير الفقيرة المستغلة.

والمشكلة أن المضمون الحقيقي، لهذا المصطلح الزائف يخفى على أكثر الناس الذين لا يرون منه سوى الظاهر الجذاب، وهو ما توحي به كلمة مشترك، إذ توهم بالاشتراك الحقيقي في العمل الوطني والسياسي، وبالمساواة الحقيقية أمام القوانين.

أما الحقيقة، فهي أن هذا المصطلح يقوم على فكرة مناقضة للديمقراطية ومبادئها وثوابتها التي توصلت إليها التجربة السياسية والفكرية للبشرية خلال قرون وقرون. ومن هنا تأتي غرابته. فهو ينطلق من تقسيم المجتمع إلى طوائف، ويضع نظاماً سياسياً يقوم على (المحاصصة) الطائفية، أي تقاسم زعماء الطوائف للكعكة السياسية، وعدم الاعتراف بأية حقوق أو فرص سياسية إلا من خلال هذه المحاصصة.

فماذا يعني أنك غير ماروني؟ إنه يعني أن باب رئاسة الجمهورية مقفل أمامك، وإن تكن أكثر الناس أهلاً لها.

وماذا يعني ألا تكون سنياً؟ وألا تكون شيعياً؟

بل ماذا يعني أن تكون سنياً مبدعاً في خدمتك للشأن العام ومحبوباً من قبل معارفك وصادقاً في وطنيتك وبارعاً في اختصاصك؟ إنه يعني أن باب مجلس النواب موصد في وجهك إذا لم يكن لطائفتك مقعد في مجال عيشك وعملك.

فلنتصور كم من الطاقات أهدرت، وكم من المواهب السياسية انطوت، لأن نظام المحاصصة الطائفية أوصد في وجهها الأبواب ووضع الحواجز!

كل ذلك تحت اسم (العيش المشترك) والديمقراطية اللبنانية.

لقد توصلت التجربة الإنسانية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلى فكرة المواطنة، وما يزال العاملون في الحقول الفكرية والثقافية والسياسية يسعون لتطوير هذه الفكرة وترسيخ قيمها في مجتمعاتهم، كيلا تتمكن القوى المضادة لها أن تنقض عليها وتهشمها.

والقوى المضادة للمواطنة، مبادئ وقيماً وممارسات، هي مزيج متصارع متحالف من قوى اقتصادية متوحشة، هي أغوال فاغرة أفواهها تسخّر العلم والمعلوماتية والعولمة لابتلاع كل شيء، وقوى ظلامية متخلفة تعيش في الماضي وتبحث عن حلول ماضوية لمشكلات الواقع.

أما القوى الحداثية حقاً، والساعية إلى خير الإنسان، فهي التي تنهض بمهمة تكريس المواطنة ونشر قيمها ثقافة وممارسة، وهي التي تنظر إلى الإنسان بوصفه مواطناً في وطن، يحقّ له أن يشارك في بنائه، وأن يعيش فيه حراً منتجاً، وأن يتمتع بالحقوق الطبيعية والسياسية للإنسان. أما النظام السياسي الذي يؤمن ذلك ويرعاه، فهو النظام القائم على عدم التمييز بين المواطنين على أساس ديني أو مذهبي أو عرقي أو حزبي أو جنسي أو فكري، فالمواطن مواطن قبل أي تصنيف آخر موروث أو مختار.

فأين مبدأ (العيش المشترك) من ذلك كله؟

والمشكلة الأخرى في هذه المسألة، هي مشكلة ما يسمى بالمرجعيات. فالعيش المشترك بين الطوائف يتحقق فعلياً بالتفاهم بين من يسمّون مرجعيات لهذه الطوائف. وحين توحي للمواطن المؤمن مهما تكن درجة إيمانه، بأنه مصنَّف وفق الرؤية الطائفية، وبأن ملاذه الوحيد والأخير هو طائفته، فإنك تجعله مؤهلاً لأن يكون تابعاً لزعماء تلك الطائفة من رجال دين وسياسيين. ويترتب على ذلك أن زعماء المؤسسة الدينية يغدون هم الأكثر نفوذاً لأنهم مرجعية طائفية، أي يتكرس من خلال هذا التقسيم التسليم بدور رجال الدين السياسي الحاسم، أي العودة إلى ما قبل الديمقراطية السياسية الحديثة القائمة على النظرة المدنية، والتساوي بين المواطنين على اختلاف أديانهم، وفصل الدين عن الدولة.

إن الصراع الحقيقي في كل المراحل التاريخية وفي كل مناطق العالم، لم يكن صراعاً دينياً، وإن غُلِّف بهذا الغلاف في كثير من الأحيان، إنما هو صراع اقتصادي وسياسي، صراع مصالح يمتطي أصحابها صهوة الأديان، فيدنسونها ويسيئون إلى سموها، من أجل تكوين تيارات شعبية تسير خلفهم وتكون وقوداً لنارهم.

ثم، أليس في المجتمع من هم فوق الطائفية؟ أليس فيه عابرون للطوائف، ينطلقون من كونهم بشراً، ويدْعون إلى المساواة الحقيقية بين الناس خارج إطار المحاصصة المسبقة الصنع؟ أليس فيه علمانيون وديمقراطيون يقدمون الانتماء إلى الوطن على كل انتماء آخر؟

كيف يكون لهؤلاء دور في الحياة السياسية في ظل هذا العيش المشترك الزائف؟

أسرد في هذا السياق حادثة جرت في ثلاثينيات (أو أربعينيات) القرن العشرين، لعلها تكون ذات عبرة لدعاة العيش المشترك والمأخوذين به. جاء وفد من أقباط مصر إلى المفكر التنويري سلامة موسى، طالبين إليه ـ وهو قبطي ـ أن يسعى بما له من حضور معنوي ثقافي وسياسي، لزيادة عدد الأقباط في المجلس النيابي المصري، ليتناسب مع نسبتهم في المجتمع، فردّ عليهم بما معناه: من يمثلكم تمثيلاً أفضل المسلم الجيد أم القبطي الفاسد؟ انتخبوا من ترونهم جيدين ومناسبين دون النظر إلى دينهم.

مثل هذه الرؤية هي ما نحتاج إليه، فالمواطنة بدلاً من تصنيف الناس وفق طوائفهم، والديمقراطية السياسية بدلاً من (التعايش) الطائفي، وتجاوز هذه الفئة من السياسيين التقليديين الذين يتوارثون النفوذ والمال والزعامة في كل المناطق ويسيّجون أنفسهم ومصالحهم بسياج الانتماء الطائفي الذي يضلّل الكثير من الناس ويجعلهم أدوات منفذة مستعدة لأن تقتل وتُقتل تحت شعار مصالح الطائفة المقدسة، ذلك ما ينقل المجتمع باتجاه الديمقراطية الحقيقية.