ألشّاعرُ... ذلك الإرهابيّ !
ألشّاعرُ... ذلك الإرهابيّ !
إيلي مارون خليل
- ألشّاعرُ، هذا الكائنُ الشّفيفُ، النّظيفُ، الهادِىءُ، الحالِمُ، النَّقيُّ، الطّاهِرُ... كيف تَنْعَتُه بالإرهابيّ؟ كيف يُمْكِنُ أن يكونَ هكذا؟ كيف تنظرُ إليه؟
- أنا، يا صديقي، لا أرى إرهابيًّا بِقَدر الشّاعر! كلُّ شاعرٍ، برأيي، "إرهابيّ"! بل إرهابيٌّ مُتَفَوِّق!
- غريبٌ أمرُك! كيف تنظر إلى الأمر، أنت؟
- أنظرُ كما يُفْتَرَض! كما تكونُ النَّظرة!
- أوْضِحْ!
- ألأمرُ في منتهى البَساطة! ألإرهابيُّ مُغامِر. مُجازِف. ألمُغامَرةُ سَفَرٌ في المَجهول، وإليه. في المجهول مُفاجَآتٌ كثيرة. كلُّ مُفاجَأةٍ جديدةٌ. مغايِرة. في الجديد رهبةٌ. في المُغايَرة تَحَدٍّ. ألرَّهبةُ والتَّحَدّي يَخْتَصِمانِ، في الشّاعرِ، ويَتَكامَلان. يتناقضانِ وينسجِمان. يَتفَرَّعانِ ويتوحَّدان. والمُجازَفةُ وَلَعٌ رؤيَويّ. ولا خوف. ولا تَرَدُّد. ألخوفُ انسِدادٌ للأفق. تَبَلُّدٌ في الرّؤية. ألانسِدادُ يُفَجِّرُ شرايينَ الرَّغبة. والتَّبَلُّدُ يُيْبِسُ زهرةَ القلب. أن تَتَفَجَّرَ شرايينُ الرّغبةِ، تُطْفَأُ التَّحَوُّلات. تَغيبُ التِماعاتُ البال. وأن تيبسَ زهرةُ القلبِ، يجِفُّ نُسْغُ الحياة. ينضُبُ نبعُ الرّؤيا. فهل شاعرٌ، وشِعْرٌ، في هكذا احْتِمال؟ هذا، كلُّهُ، أليسَ "إرهابًا"؟
- لم تُقْنِعْني! أفهمُ "الإرهابَ"، أنا، على أنَّهُ قَتْلُ الآخَر. إخافَةُ الآخَر. فإذا عُدنا إلى قَواميسِ الُّلغةِ، لَوجدنا:"أرْهَبَ=خَوَّفَ...أرهَبَ عنه النّاسَ بَأْسُهُ ونَجدتُه، أي أنَّ بَأسَهُ ونجدتَه حَمَلا النّاسَ على الخَوفِ منه". فأينَ "قَتْلُ" النّاسِ، في ما ذكرْتَ؟ وأينَ خَوفُهم منه؟
- إنْطِلاقًا من "قواميسِكَ"، يا صديقي، أقولُ لك:"ألإرهابيُّ مَنْ يلجأ إلى الإرهابِ لإقامةِ سُلْطتِه".
- إذًا؟
- ماذا؟
- أينَ الإرهاب؟
- في سُلْطَةِ الشّاعر. في عَبَثِه. أليسَ، في ما قدَّمْتُ، من "سُلطةٍ" للشّاعر؟من "عَبَثٍ" في المُغامَرةِ والمُجازَفة؟
- ومَنْ هو يُرْهِبُ، هكذا؟
- يُرهِبُ المُغامَرةَ نفسَها، المُجازَفةَ عينَها. ألآخَرُ، هنا، ليس السِّوى. ليس شخصًا. ليس أشخاصًا. ألآخَرُ، هنا، هو فِكرة. تَصَوُّر. أفق. رؤية. رؤيا.
- كيف؟
- ألشّاعرُ يَرهَبُ ويُرهِب. يَرهَبُ الُّلغةَ ويُرهِبُها.
- كيف؟
- ألُّلغةُ احْتِمالات. إحْتِمالاتُ مَعانٍ. إحتمالاتُ اتِّجاهات. إحتمالاتُ صُوَرٍ. إحتمالاتٌ مَفتوحَةٌ على كلِّ "احتمال". عليك أن تَتَحَدّاها في "مُمارَساتِكَ" الكِتابيّة. كلُّ "مُمارسةٍ"، في هذا المَعنى، إرْهاب. إنْ لم تُرْهِبِ الّلغةَ/الكتابةَ، أرْهبتْكَ، فأرْبَكَتْكَ، فَشَلَّتْكَ، فأوقفتْكَ عن "مُمارَسةِ" الذّات، ذاتِكَ، عَبْرَ الكتابةِ، وفيها. عليكَ أن "تُفَجِّرَها".أن "تَسْتَفِزَّها". أن "تقتحِمَها". أن "تُخْصِبَها". أن "تَسْتَولِدَها" ما تشاء. ألمعاني مُختبئةٌ في الألفاظ. أحيانًا في الحروف. أحيانًا في النَّبْر. في التَّنْغيم. في عَلاماتِ الوَقْف. هنا، هنا، يَكمُنُ "الإرهاب". يُمْكِنُ أن يكونَ مَكْمَنًا. بل إنَّهُ "المَكْمَنُ" الّلذيذ. في "المَكمَنِ"، أنتَ تَسْتَنْبِطُ، تَخترعُ، تَخلُقُ، تُلَوِّنُ، تَروي، تعتني، تُراقِب، تُحاذِرُ، تَتَرَقَّب...تَسْتَبْطِنُ دهشةً فَرِحة. في "المَكْمَنِ"، أنتَ تَكادُ تَخْتَنِق. تَشهقُ، تَزفِرُ، تَتَنَفَّسُ، "تُغيرُ" على ذاتِكَ، وفيها، تَسْتَكْشِفُها مُتَوَقِّعًا، كلَّ مَرَّةٍ، جديدًا لافِتًا، مُمَيَّزًا، مُمَيِّزًا. وتَسْتَمِرُّ، هكذا، كلَّ مرّة. وكلَّ مرّةٍ تأتي بالجديد! من أين الجديد، جديدُك؟ من كلِّ أين. من كلِّ حرف. كلِّ لفظة. كلِّ تعبير. نَبْر. تنغيم. علامةِ وَقْف. جديدُكَ من كلِّ شيء. أنتَ قادرٌ على أن تَسْتَوحي. وتوحي. وإلاّ، فما قيمةُ جديدِك!؟ ما قيمتُك؟.. أرأيْتَ كيف يكونُ "الإرهاب"؟
- "رأيتُ" وجهةَ نظرٍ غريبةً عنّي.
- أنتَ، بِقولتِكَ، هذه، تُثْبِتُ وجهةَ نظري! غرابةُ نظرتِكَ إلى رأيي، تعني أنّها "أرْهبتْكَ"، أنّ الشّاعرَ "أرْهَبَكَ"، يُرهِبُك. ولا تنسَ "العَبَثَ"، يا صاحبي! لا تنسَ "العَبَث"! "ألعَبَثُ" بالّلغة! وما أدراكَ ما "العَبَثُ" بالّلغة!
- وما "العَبَثُ" بالّلغة؟
- إذا عُدنا إلى القاموس، كما تُحِبُّ، لَوَجدْنا الآتي:"عَبَثَ يعبِثُ عبْثًا الشّيْء بالشّيء:خَلَطَه. عَبِثَ يَعْبَثُ عَبَثًا: لعِبَ وهزلَ//وبالدّينِ وغَيرِه: اسْتَخَفَّ، فهو عابِثٌ وعِبّيْثٌ. العَبَث(مص)ارتِكابُ أمرٍ غيرِ معلومِ الفائدةِ أو ليس فيه غرضٌ صحيحٌ لِفاعِلِه. يُقال: "فعلَ ذلك عَبَثًا" أي فعل فعلا لم يَتَرَتَّبْ عليه غرضُه..."
- وتاليًا، أيَّ معنًى، من هذه، تقصِد؟
- هذه، جميعًا، وسِواها! وقبلَ أن تقولَ: كيفَ؟ أُوضِحُ لك الأمرَ: ألكتابةُ فِعْلُ "خَلْطٍ" و"اخْتِلاطٍ" و"تَخالُط". "تَخْلِطُ" الحروفَ فتكون الكلمات. "تخلِطُ" الكلمات فتكون التّعابير. "تخلِطُ" التّعابيرَ فتكون النُّصوص. "تختلِطُ" هذه، "تَتخالط"، تَتكوَّنُ الصُّوَرُ، الظِّلالُ، الألوانُ، الإيقاعاتُ، الأساليبُ... وهنا، عليكَ، كشاعرٍ، أن تُتْقِنَ "الخَلْطَ" لِتُتقِنَ "الاختلاطَ" و"التَّخالُطَ"، ما يُنْتِجُ، لك، "مُنْتَجًا" قريبًا ممّا تتمنّى. وهذا، كلُّهُ، يَتِمُّ، بالنِّسبةِ إلى الشّاعر، عن طريقِ "الّلعِبِ" و"الهزْل". ألكتابةُ، في بعض وجوهِها، لَعِبٌ بالكلمات، بالألوانِ، بالصُّوَر... ومن هنا، فأنتَ "ترتكبُ" أمرًا لا تعرفُ "فائدتَه". أو أنّ "فائدتَه" غيرُ "مَضمونة". أو... كأنَّ "لَعِبَكَ"،هذا،من دون غرَض. من دون هدف. ليس للشّاعرِ هدف. إنّ له أهدافًا. هو،نفسُهُ،لا يُحَدِّدُها مُسَبَّقًا. يبدأ "الكتابةَ"، يحصُلُ "الخَلْقُ". تَتَكوَّنُ "الأهداف". قد يكونُ لكلِّ لفظةٍ هدف. لكلِّ تعبير. فلِلنّصِّ أهداف: نفسيّة، سياسيّة، اجتماعيّة، جَماليّة... مَن يدري ماذا يدورُ في بالِ الشّاعر!؟ ولا هو يدري! مُنْتَهى "العَبَث". أليس كذلك؟
- وأينَ "الإرهابُ"، في هذا كلِّه؟
- إنّ الشّاعرَ، في هذا كلِّهِ، يا هذا، يحاولُ أن يُقيمَ "سُلطتَهُ". ألمفرَدةُ مَعنًى/افتراض. سُكْنى. أسرار. إحتمالاتُ مَعانٍ. ألتَّعبيرُ تركيبٌ كيميائيٌّ يحاوِلُ سِحْرًا. غموضٌ "عرفانيٌّ" يؤثِّرُ، يوحي، يجعلُكَ "تعرف". تُقدِّمُ أو تؤخِّرُ، توجِزُ أو تُطْنِبُ أو تُساوي، تستعملُ كلماتٍ بِغيرِ مَعانيها، فَتَسْكُبُ،فيها،مَعانيَ "مختلِفة".هكذا، ف"المَعنى" "مفتوح". والصّورةُ حلمٌ "يفهمُه" كلٌّ كما يَشتهي. كما "يتوهَّم". ألصّورةُ حلمٌ يَهَبُك "نَشْوَتَهُ"، بها "تبلغُ ارتعاشتَكَ" المُنتَظَرة. ويَهَبُك "صمتَهُ" يُدَوّي، فيكَ، براكينَ في كلِّ اتِّجاه. أنتَ "تنسِجُ" "نَوْلَ" الكلمات، "تَحوكُ" "خُيوطَ" التّعابيرِ، فما تستطيعُ "قَولَهُ/كتابتَهُ" بتعبيرٍ واحدٍ، أنتَ لا "تقولُه/تكتبُه" بتعبيرَين. ألشّاعرُ "يُصَفّي" الّلغةَ، "يُقَطِّرُها" كما العطر. يُزيلُ عنها، ومنها، الزَّوائدَ" كلَّها. "الدُّهونَ" و"الشُّحومَ" الّتي تفيضُ عنها،وفيها، تُرَهِّلُها. "بِلا كَسْمٍ" تجعلُها. "بِلا طَلَّة". ألمعاني، الصُّوَرُ، الأحاسيسُ، الظِّلالُ... عِطرُ الّلغة. حقًّا إنّ الّلغةَ عِطرُ الإنسانيّة! وفي مِثْلِ هذا، يا صديقي، وبه، يُقيمُ الشّاعرُ "سُلطتَه"، بِذا يكونُ، هو، الإرهابيُّ "المُسْتنيرُ/المُنير"! أرأيْتَ كيفَ...
- "رأيتُ" و"خَبِرْتُ"! لكنّ لي،معكَ،بعدُ،حديثًا آخَر...
- كما تشاءُ، ساعةَ تشاء! فالشِّعْرُ، بلِ الفنُّ الحقيقيُّ، صَوتُ الذّاتِ السّاكِنَةِ، المُطْمَئنَّةِ، الثّائرةِ، الرّافضةِ، الضّاجُّ، الصّاخِبُ، أبدًا، إلى الأبد! ولأنّه هذا، فهو صَوتُ الإنسانيّةِ الحُرَّةِ، المُشِعَّةِ، المُنْطَلِقةِ، المُنْدَفِعةِ من الذّاتِ الغنيّةِ، الخِصْبةِ، الشّاملةِ، المُتَوَهِّجةِ، المُغَنِّيَةِ/المُغْنِيَة، الهادرةِ فِكَرًا، صُوَرًا، رؤًى... والسَّخِيَّةِ/المُتَجَدِّدَةِ أبدًا!...
الأربعاء 26/11/2008