الأدب والأغنية .. الجودة هي المقياس
(ليس هناك جديد او قديم، لكنما هناك جيد او رديء)
يقولون: (لكل جديد بهجة) في ظني ان ليس هناك جديد او قديم، لكنما هناك جيّد او رديء... فقد يكون الجديد رديئاً والقديم جيداً، وقد يكون العكس صحيحاً ...
من هنا، سأتناول موضوعي الادب والاغنية لأقول:
1. الأدب النثر والشعر (الحديثان) اللذان نقرأهما في الصحف والمجلات، بحثتُ طويلاً جداً عن (البهجة) التي يفترض ان تحوم حولهما فلم اجد للبهجة ظلاً. معظم النثر الحديث كلمات (من كل وادٍ عصا...) ومعظم الشعر الحديث ليس شعراً اولاً في اذهان (ناظميه): (يوقع احدهم (ديوانه) الجديد، فإذا (الديوان) مجموعات نثرية لا أب لها ولا أم...) ان بيتاً واحداً يطلقه شاعر جاهلي احسبه يبزُّ (1) مئات الابيات يكتبها، اليوم ، خفافيش الادب ... بالحصر، اذكر بعضاً ممّا قيل في العصر الجاهلي:
|
وظُلم ذوي القُريى أشد مضاضةً على المرء من وقع الحسام المهنَّدِ (طرفة بن العبد) لا تَقطَعنْ ذَنَبَ الأفعى وترسلها إن كنتَ شهماً فأتبعْ رأسها الذَّنَبَا (أبو أذَينه) إذا بلغَ الفِطامَ لنا صبيٌّ تخرّ له الجبابرُ ساجدينا! (عَمرو بن كلثوم) لسانُ الفتى نصفٌ، ونصفٌ فؤاده فلم يبقَ الا صورة اللحم والدم (زهير بن أبي سُلمى) اذا المرء لم يدنس من اللؤم عِرضُهُ فكل رداءٍ يرتديه جميلُ (السموأل) |
* * *
|
وفي القرن التاسع، نقرأ لأبي تمام: نقِّل فؤادك، حيث شئتَ، من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأولِ كم منزلٍ في الارض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأولِ منزلِ |
* * *
|
وفي القرن العاشر، نقرأ لأبي الطيّب المتنبي: تريدين كفيان المعالي رخيصةً ولا بُدَّ، دون الشهد، من إبَرِ النَّحل أنا الذي نظرَ الأعمى الى أدبي، وأسمَعَتْ كلماتي مَن به صَمَمُ الخيلُ والليل والبيداءُ تعرفني والسيفُ والرمح والقرطاس والقلمُ إذا رأيت نُيوبَ اللَّيثِ بارزةً فلا تَظُنَّنَّ ان اللَّيث يبتسمُ
سيذكرني قومي اذا جدَّ جدَّهم، وفي الليلة الظُلماء يُفتقدُ البدرُ ونحن أناسٌ لا توسُّطَ بيننا لنا الصدرُ، دون العالمين، او القبر ما كل ما فوق البسيطة كافياً، فإذا قنعتَ فكل شيء كافي إن الغنيَّ هو الغنيُّ بنفسه، ولو أنه عاري المناكب، حافي * * * وبين القرنين العاشر والحادي عشر يطل علينا (رهين المحبسين) (2) ابو العلاء المعري: ألا في سبيل المجد ما أنا فاعلُ عفافٌ وإقدامٌ وحزمٌ ونائلُ تُعَدُّ ذنوبي، عند قومٍ، كثيرة ولا ذنبَ لي إلا العُلى والفواضلُ وأني، وإن كنتُ الاخيرَ زمانهُ، لآت بما لم تستطعهُ الاوائلُ
أعلِّل النفس بالآمال أرقبها، ما أضيقَ العيش لولا فسحة الأمل
وفي القرن التاسع عشر، نتعرّف الى الشيخ ناصيف اليازجي، فنستمتع ببعض ابيات من قصيدته الحكمية الرائعة: اني لقد جرَّبتُ أخلاق الورى، حتى عرفتُ ما بدا، وما اختفى.. قد طُبعَ الناس على الظلم، فما سُلِّم امرٌ لأمرئ الا بغى يؤذي الجهولُ نفسه، فإن جنى، يوماً عليك، لا يُلامُ بالأذى، من عاش بالتقتير من ذوي الغِنى، فإنه أفقرُ من فوق الثرى لو عرف الانسانُ عيبَه، لما رأيتَ عيباً فيه، ما طال المدى لا يحمدُ القومُ الفتى الا متى ماتَ، فيُعطى حقه تحت البِلى وكل من لا خيرَ منه يُرتجى، إن عاش أو مات على حدٍّ سَوَا ...
وألقي عصا الترحال عند النصف الاول من القرن العشرين لأتذكر كوكبة من الشعراء المجيدين العمالقة: اذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بُدَّ ان يستجيب القدرْ ولا بد للّيل أن ينجلي ولا بُدَّ للقيد ان ينكسرْ (أبو القاسم الشابي)
(خليل مطران)
وَيْكَ (3) قُل لي هل المـــآذنُ والأجـــراسُ إلا لِله عزَّ وجَلا! بعضُ هذا التراب آباؤنا الغرُّ قُذِفنا بهم على الارض نَسْلا نحن نمتصّهم فهم في دِمانا حين تمتصُّها حبوباً وبَقْلا من يسوسُ الشعوب بالعنف يوماً فلقد أخطأ الصوابَ وضَلاَّ.. (الاخطل الصغير)
إن التأمُّل في الحيــاةِ يزيدُ آلامَ الحيــاة .. حُرُّ ومذهبٌ كل حُرٍّ مذهبي ما كنتُ بالغاوي ولا المتعصِّبِ وأحبُّ كل مهذّبٍ ولو أنه خصمي، وأرحمُ كل غير مهذّبِ يأبى فؤادي ان يميل الى الأذى حبُّ الاذيّة من طباع العقربِ إني، إذا نزلَ البلاءُ بصاحبي، دافعتُ منه بناجذي وبمخلبي ... (ايليا ابو ماضي)
ما مثلُ لبنانَ ارضاً فوقها انبسطتْ حرية الدين والدنيا للانسانِ وراية الارز لا تدري اذا نشرتْ في القومِ أحمد أم في القوم نصراني (يوسف السودا)
تركُ النفوسِ بلا علم ولا أدبٍ ترك المريض بلا طِبٍ ولا آسِ واذا النساءُ نَشَأنَ في أميّةٍ رضعَ الرجالُ جهالةً وخمولا نظرةٌ، فابتسامةٌ، فسلامُ فكلامٌ، فموعد، فلِقاءُ المالُ حَللَ كل غير مُحَلّلٍ حتى زواجَ الشيب بالأبكارِ ما زوِّجت تلك الفتاةُ وإنما بيعَ الصبا والحسن بالدينارِ يا فاتحَ القدس، خلِّ السيفُ ناحيةً، ليس الصليبُ حديداً كان، بل خَشَبا اذا نظرتَ الى اين انتهتْ يدُهُ وكيف جاوزَ في سلطانه القُطُبا علمتَ ان وراء الضعف مقدرةً وان للحق، لا للقوة، الغَلَبا ولدَ الرفقُ يومَ مَولدِ عيسى والمرؤاتُ والهوى والحياءُ لا وعيدٌ، لا صَولة، لا انتقام لا حُسامُ، لا غزوةٌ، لا دماءُ (احمد شوقي) |
* * *
في عودة الى (بهجة) الجديد، اقول: الا تسمع بعض (الشعراء) (ينشدون) القصيدة النثرية؟... فيا (لروعة) هذه التسمية: انها تذكّرني بـ(قصيدة) (شاعر) مسرحية (بالنسبي لبكرا شو؟...) لزياد الرحباني.
يقول أمين نخله: (... ان في الادب والشعر مذهباً واحداً لا يتغيّر بتغير الزمن ولا بتغيّر الناس، وهو مذهب الحق والجمال، وما عدا ذلك فألفاظ لا طائل فيها فالجيد جيد في زمن هوميروس وفي زماننا نحن والى آخر الأزمنة... اما ترك الأوزان الشعرية في الكتابة فمعناه النثر لا اكثر ولا أقل...)
وحول النثر القديم السوبر جيد، لا ضير في ان أسوقَ، الى القارئ، ما قاله أنطون قازان في (المفكرة الريفية) لأمين نخلة، اقرأ (المفكرة) (1942)، في بيتك، والذهن، منك، صافٍ .. واستمتع بالنثر الملِك، ثم تعال اقرأ نثرَ قازان مبدياً رأيه في نثر (المفكرة) فتجد نفسك وقد أمسكت بمجد النثر من الطرفين ... قال قازان:
( .... ويمشي في الريف طفولة وصِبا، فيحسّ حتى ترابه، ثم يعود منه بالمعجزة (المفكرة الريفية) هي معجزة الادب. هذا كتاب تداوى به البشاعة ... ان النثر العربي، منذ فجر تاريخه، ما عرف مثل هذا الابداع ... يا للمفكرة خزن العطر فيها لعصور شِحّ، والغلال لأيام مجاعة ... وسامة تعرض الهدايا في مهرجان الجمال يومَ النثر العربي، يتقدم لبنان بشمخةٍ وإدلالٍ، وفي يديه (المفكرة)
2. الاغنية
الأغاني (الحديثة) التي تطوّف في مشارق الأرض ومغاربها، بحثتُ طويلاً جداً عن (البهجة) التي يفترض ان تحوم حولها، فلم أجد للبهجة ظلاً ... كل هذه الاغاني، ولا سيما اغاني الفيديو كليب، أغانٍ ساقطة: فلا الكلمة تسمو بك، ولا اللحن يَسبيك، ولا الصوت يهزّك من طربٍ...
من الشبابيك والأبواب والسيارات، ومن على الجدران والسطوح، ومن كل حانوت ومطعم، تطل عليك الاغاني (الحديثة).
كلمات غثّة تافهة، والحان ليس فيها شيء مما يسمّى موسيقى، وأصوات ما ان تسمعها حتى يصيبك الغثيان... فأين هذه الاغاني المبتذلة يطلقها، اليوم، صعاليك الفن، من تلك التي أنشدها كبار المطربين والمطربات والتي يصرُّ المرئي والمسموع، عندنا، على حرمان الناس سماعها:
- (الجندول)، (عندما يأتي المساء)، (الهوى والشباب)، (الصبا والجمال)، (جفنه علّم الغزل)، (سهرتُ منه الليالي)، (يا دنيا يا غرامي)، (احب عيشة الحرية)، (يا ورد مين يشتريك)، (ما احْلاها عيشة الفلاّح)، (يا وابور قولّي رايح على فين)، (يا جارة الوادي)، (يا وردة الحب الصافي)، (يا دي النعيم اللي انْت فيه يا قلبي)، (أوبريت قيس وليلى)، (يا مسافر لوحدك وفايتني)، (مسافر زاده الخيال)، (الكرنك)، (همسة حائرة)، (القمر الليلة ليلة عيدو) ...
لعبد الوهاب.
- (ليت للبرّاق عيناً)، (نويت أداري آلامي)، (فرّق ما بينّا ليه الزمان)، (ليالي الأنس في فيينا)، (اسقنيها بأبي أنت وأمي)، (يا ديرتي ما لك علينا لوم)، (يا طيور)، (دخلت مرة في جنينه)، (إيمتى حَ تعرف إيمتى) ...
لأسمهان.
- ( يا زهرة في خيالي)، (ختَمَ الصبر بُعدنا بالتلاقي)، (يا ريتني طير لـَ طير حواليك)، (يا نسمة تسري الى ديار الحبيب)، (عشّك يا بلبل)، (حبيب العمر)، (عينيّ بتضحك وقلبي بيبكي)، (آدي الربيع عاد من تاني)، (أول همسة)، (بنادي عليك)، (أضنيتني) ...
لفريد الاطرش.
- (ياما أرقّ النسيم)، (أنا قلبي دليلي) ...
ليلى مراد.
والقلق ... عندما تغني فيروز يتفجّر الماء العسل من الصخر الأصم فينزع البشاعة من النفوس والضمائر، وتغدو الصحارى واحاتٍ وفراديس... وعندما تغني فيروز تحار في ما تريد ان تختار: أتختار الكلمة او اللحن او الصوت، وكل من الثلاثة جميل ورائع وساحر؟
* * *
لا تقل: هذا قديم طواه الزمن وهذا جديد فلنكبره ونجلّه: فقد يكون القديم الذي تنبذه هو الجيد، والجديد الذي ترحّب به هو الرديء.
المقياس إذاً: المقياس في العمل أي عمل، وفي الاشخاص والحيوانات والاشياء.
- (على شطّ بحر الهوى)، (أمانه عليك يا ليل طوّل)، (سمرا يا سمرا) ...
لكارم محمود.
- (غنّ، احبك ان تغني)، (اذا الشعب يوماً اراد الحياة)، (هنا تقابلنا سوا هنا جمعنا الهوى) ....
حليم الرومي.
* * *
أما فيروز فحالة خاصة جداً، ونادرة جداً ... فيروز كالخبز: فأينما كنتَ وأياً تكن لا يمكنك ان تصرف النظر عن هذا القوت اليوميّ ... استمع الى فيروز تغفر لك خطاياك، وتنقلب الظلمة، في قلبك، نوراً وَيَمحِ عن جبينك، الحزن واليأس في كل زمانٍ ومكان، هو الجودة. والجودة هي أخت الحقيقة، والحقيقة هي المنتصرة، ابداً ...
1 - بَزَّه: غَلَبه
2 - أبو العلاء المعرّي أصيب بالجدري في الرابعة من عمره ففقد بصره، فنشأ ضريراً يتذوَّق مرارة العيش ... بعد ان جابَ نواحي الشام وطرابلس واللاذقية وبغداد، عاد الى مسقط رأسه، معرّة النعمان، واعتزل عن الناس الا عن تلاميذه، وسمّى نفسه: (رهين المحبسين): (العمى والمنزل).
3 - وَيْكَ: كلمة تعجب، وقيل أنها للزَّجر، والكاف للخطاب