هذا أفظع من التقسيم

سمير عطالله قرأها 5
  لا أعرف كيف سنخرج من الخانوق الحالي بين الشعوب اللبنانية. ولا احد يعرف. وقد تناولت العشاء قبل ايام مع الدكتور بطرسstegsergserge467465423656rtgsg.JPG غالي وعدد من قدامى السياسة والديبلوماسية في العالم العربي، وبعض سفراء الدول الكبرى. وكنت اللبناني الوحيد. والحاضر الوحيد الذي لا هو ديبلوماسي ولا هو سياسي، سابق او لاحق. وقد طرح عليّ جميع هؤلاء السادة (وسيداتهم) سؤالا واحدا: ماذا سيحدث في لبنان؟

وكان جوابي انني لا استطيع ان ادرك ما يحدث اليوم، فكيف يمكن ان أعرف ماذا سيحدث غداً.

لقد شعرت بحنق لم أكتمه عندما وضع الكاتب الاميركي تشارلز غلاس، اللبناني الأم، كتابه عن لبنان في الثمانينات وصوّرنا اننا مجموعة قبائل. ثم صدر كتاب آخر يباع ايضا في بيروت ويصور زعماء السياسة اللبنانية على انهم لوردات اقطاع وقتل واستعباد مبطّن للناس. وشعرت بغضب، فقد ربيت على محبة لبنان، ليس لانه بحر ازرق وصنوبرات خضراء، بل لانه رمز صغير من رموز التمدن والتقدم في العالم. وزاد غروري بلبنان، ما كنت أسمعه من العرب في أسفاري واقامتي، وما سمعته يافعاً من الاوروبيين الأكبر سناً الذين عرفوا لبنان في حقبه الجميلة. وعندما وقعت حرب 1975 سئلت على التلفزيون الكندي عما يحدث، فقلت انه التدخل الاجنبي. فسألني المضيف فورا: "ولكن من هم اولئك الذين يتقاتلون؟". وشعرت بالحرج. واطلقت جملة فيها الكثير من البلاغة لكنها خالية من الفحوى، اذ قلت: "انهم ليسوا ما يفعلون". وهذه، كما هو واضح، لغة روحانية صفوية، لا علاقة لها بقساوة الحقيقة وفظاظة الواقع

لا يمكنني ان اجيب بطرس غالي بروحانية اخرى. فاللبنانيون ليسوا في الصوامع يتأملون ويترفعون ويعلنون الصوم، بل هم في الساحات، ينقسمون ويتقاسمون ويهددون بعضهم البعض على وزن داحس والغبراء، وعلى بحر الجاهلية الطويل. ونجهل فوق جهل الجاهلينا. وأسوأ ما في المشهد الانهياري المفزع تكاثر الصبية الجدد على عنق المصير وقرارات الوطن.

ولم يعد في إمكان احد ان يغطي أسوأ حال انقسامية في تاريخ التشرذمات اللبنانية. فالمسلمون فرق، والمسيحيون فريقان، في مباراة لكرة القدم، يفعلون ما لا يفعله اللاعبون الحقيقيون. يصفقون هنا او هناك. وبعضهم يذهب الى لعب دور "الهوليغانز" البريطانيين الذين يخمرون الى درجة يخيل اليهم انهم هم الذين حققوا الهدف او هم الذين خسروه. وهم لا يعقلون.

يخامرني دائما شعور بالخجل من الكتابة بعد جورج خضر. ماذا سأكتب بعد جورج خضر. وكيف يمكنني ان اخاف على لبنان كما يخاف؟ وبأي لغة استطيع مجاورة لغته وهو يكتب لأهل الارض بأحرف سماوية؟ انني طبعا اعقل من ان احاول. ولم تعرف نفسي الحسد لانه موت متنقل. لكنني كم اغبط هذا الرجل على سكينته. يرى ما يفعله اللبنانيون بموطنهم ولا يغضب. ويرقب الاحتراب ولا يهتز. ويسمع الأصوات المسيحية المزعّقة المحرّضة بعكس كل تعليم، ويتظاهر باسماً، بأنه لم يسمعها.

هذا المساء، في منزل أحمد بهاء الدين، ذلك الراحل الجميل والحبيب، يعود بطرس غالي ليسألني: "ولكن ماذا يحدث؟". ثم يكرر السؤال جميع الحاضرين. وجميع الحاضرات. ويتوقف النادل النوبي هو ايضا في وسط الدار، ليصغي الى الجواب، ولا احد من هؤلاء السادة والسيدات لبناني الا زوجة السفير الالماني لدى مصر السيدة مي رزق من غلبون، ضيعة زميلنا اميل خوري. شعرت بشيء من النقص. وبشيء من الغيرة. وبالكثير من تأنيب المشاعر: ان هؤلاء الغرباء يقيمون، من بعيد، علاقة مع لبنان، لا يستطيع اللبنانيون اقامتها. وهم خائفون. وثمة سيدة تمسك بساعدي وتهزني، كأنها تريد ان تفتح قبضة يدي وتأخذ منها الحل. الآن. هذا المساء. قبل ان يحدث مكروه لهذا البلد الذي يعيش في ذاكرة الناس ويهوي في ساحات اللبنانيين. ولكن ليس في يدي سوى الريح وخطوط العمر الذي يعيشه اللبنانيون في القلق والهجرة وفواقع الكلام. انه "يركّب الذكر عَ الذكر" في وطن شكيب ارسلان، وفناء سعيد تقي الدين القائل: في لبنان ثلاثة فرقاء، الموالاة والمعارضة والذين على حق.

لم أنضم في حياتي الى اي تجمّع او جماعة، بما فيها نادي (بتدين اللقش) والاخوية الخيرية فيها. لان نفسي ترفض ان أكون مرؤوساً فيلحقني ربما ظلم، او اكون رئيسا فيكون الأمر أسوأ وأفظع وأشدّ: ألحِقُ ربما الظلم بالآخرين. وشعرت ان الحرية تمنحني القدرة على انتقاء الافكار من كل ثمار. فقد تأثرتُ بفكر أنطون سعادة ودعوته وأحببت رياض الصلح زعيماً وقدوة وكاتباً لتاريخ الاستقلال وعاشقاً للامة. وقد ألغى كمال أتاتورك الطربوش على انه علامة تخلف، لكنه بالنسبة الي كان أجمل علامة حضارة وترقٍّ على رأس رياض وتقي الدين الصلح وفارس الخوري. وجدّي تامر الذي كان طربوشه اقرب الى المغربي، القصير، وشرابته كحلية جميلة. ومع انني تأثرتُ بدعوة سعادة، فقد شعرتُ كل لحظة، بان انتمائي ومشاعري وتاريخي وتراثي تمتد الى كل شبر عربي. ولي في دنيا العروبة من صداقات ومحبة وود واهتمام، اكثر مما لي بين الشعوب اللبنانية قاطبة، بكل قبائلها وكل راياتها. ولئن اتفقتِ الساحات على رفع الراية اللبنانية، فهي ليست في لبنان اكثر من زيّ او لافتة. فالأعلام الوطنية توحِّد والعلم اللبناني يفرِّق في القلوب، والا لماذا تحمله في جميع مهرجانات الغضب كعلامة ثأر وانتقام وتفوّق ورسالة سياسية متضاربة؟

كم هو بشع زمن الفرقة، والذين يهتفون ضد التقسيم يتجاهلون اننا في أسوأ منه. نحن في الحقد والبغض ونحتفل بالجنازات. وطن مدعو الى الموت والخراب باستمرار. ومواطنون مدعوون الى الجوع والهرب واليأس. وصيّاحون وانبياء كذبة، ولا ادري ماذا يفعل رجل في قامة وتاريخية حسن نصرالله بينهم؟ ولماذا يضع تاجه القومي جانباً ويترجَّل نحو سياسات لبنان وحكومة تسقط او حكومة تبقى؟ فما علاقة تاج الجنوب بمهرجان الحقائب وأعلام الكراسي وألوان الوصول؟

يعود بطرس غالي ويكرر السؤال. وكذلك الحاضرون والحاضرات. ولدي جواب واحد:

أنا حزين.

rgftwqr54656ukjuyk898000000.JPG