ألإنسانُ كائنُ التَّواصُل

إيلي مارون خليل قرأها 1,466
 

ألإنسانُ كائنُ التَّواصُل

إيلي مارون خليل

EMKhalil03.JPG 

       ألإنسانُ كائنُ التَّواصُل؛ هذا لكونه كائنَ الانفتاح. ألتَّواصُلُ والانفتاحُ كينونةُ الإنسان. كينونةُ الانسانِ سببُ حياتِه، متفاعلةً، فاعلة. إذًا: لا وجودَ، حيًّا، لإنسانٍ لا يتواصَل، لا ينفتحُ.

       ألتَّواصُلُ ليس مُجَرَّدَ اتّصالٍ، أو لقاءٍ ، أو حديث. ألاتّصالُ سطحيٌّ، مادّيٌّ، غيرُ أصيل. واللقاءُ، مُجَرَّدًا من حميميّته، مجرّدُ اقترابٍ حسّيٍّ، خارجيٍّ، سريعِ الزَّوال. والحديثُ؟ مُشافَهةٌ لا تغورُ إلى نفسٍ، ولا تُلهِمُ نفَسًا، ولا تُضيء. أمّا التَّواصُلُ، فأساس. أساسٌ نفسيٌّ، عاطفيٌّ، معرفيُّ، إشراقيّ. وتاليًا: حياتيٌّ، نِعمةُ الوجودِ الحيِّ، الجديدِ، المتجدِّدِ، الخَلاّق.

       أن تتواصلَ، يعني أنّك اعترفتَ بالآخر المُساوي لك: فِكرًا، حرّيّةً، إنسانيّة. ألاعترافُ بالآخر المُساوي، هو ارتقاءٌ نقيٌّ، صافٍ، يؤدّي إلى مُصافحةٍ نفسيّةٍ نبيلةٍ، واعيةٍ، صادقة؛ بها يَرقى المرءُ، ومعه الآخرُ، وكلاهما نبيلٌ، إلى سعادةٍ لا غَبَشَ فيها، ولا غبارَ عليها، ولا ضبابيّةَ حولها.

       أن تُساوي نفسَك بالآخر، يعني أنّك خلعتَ كبرياءَك وغرورَك، علامةَ "البَرّانيّةِ" فيك، وأنّك ارتديتَ شُفوفيّةَ "التَّخَلّي"، بابَ تَحَرُّرِك الخلاصيِّ، الآمنِ، الأمين. ألكبرياءُ صِراعُ الرّوحِ والمادّةِ، فانتصارُ المادّةِ الّتي ترتدّ تتبجّحُ، تُغالي: مُخاتَلَةً ومَكرًا مقنَّعَينِ بالتّهذيبِ الكاذب. وهذا اضمحلالٌ لانسيابيّة الوجودِ الحيِّ، النّابضِ تألُّقَ عاطفةٍ، وسحرَ تَكامُلِ الكِيان.  

       والاعترافُ بالآخر، تَنازُلٌ عن "فراغِ" الذّات. تنازُلٌ يرتفع بها. يسمو ويُسمي. يَغنى ويُغني. يُزهرُ فيُثمر. ألغرورُ اختناقُ العقلِ والمنطقِ، من دونهما، يُحرَمُ الإنسانُ خُلقيّتَه وبهاءه. تُسَلطِنُ، فيه وعليه، "نجوميّةٌ" يائسةٌ، تهرع إلى انهيار الكِيان؛ فالمرءُ أشتاتٌ هَوائيّة، لا هُويّة ولا قاع. وهو تَشاوفٌ طاووسيٌّ، فارغُ الرّوحِ، باردُ الوِجدان. وهذا يباسٌ، فانطفاءٌ مَجّانيّ، يُماثلُ العدَميّة.

       والتَّواصُلُ، بطبيعته الخصيبةِ، وأصالتِه الرّاقية، تفاعُلٌ نفسيٌّ، فكريٌّ، عاطفيٌّ، اجتماعيٌّ، وعلى كلِّ صعيد. وهو لا يتمّ بالكلمة فحسب؛ فقد يكون بالبسمة، بالغمزة، بالإشارة، بالحركة، بالِزِيِّ، باللونِ... بكلّ ما يجعلُك تشارك الآخرَ، ويجعل الآخرَ يشاركُك، وتاليًا تَثبتُ مشارَكةُ الآخرين، بعضِهم لبعض، فاغتناؤهم، وتَطَوُّرُهم، وتَقَدُّمُهم في مُواكَبَة الإنسانيّة نحو كمالِها وسعادتِها، هدفِ كلِّ عاقل. فهو، إذًا، حَرَكيّةُ الإنسانِ الّتي، بعضُ غايتِها، التَّبادُلُ الحضاريُّ، مشاعرَ ومعلوماتٍ وثقافاتٍ. والتَّبادُلُ الحضاريُّ هذا، ذو وجهٍ إيجابيٍّ دائم: خدمةً مجّانيّةً، عفويًّا، فِطريًّا، للإنسان أينما هو، بعيدًا من أيِّ تمييز. والتَّواصُلُ، كذلك، ذو طبيعتَين خاصّتَين متميِّزتَين: ماديّةٍ، بالكلمة، بالبسمة، بالإشارة... وروحيّةٍ، بتناغم النّفوسِ، بانسجام القلوبِ، بالتَّكامُل الذّهنيّ... وكلتاهما استمرارٌ لا تَقَطُّع فيه، ولا انقطاع، ولا تعب. فجوهرُ التَّواصُلِ، سلامٌ داخليٌّ مكينٌ، طُمأنينةٌ سعيدةٌ، جمالٌ خيِّر. له، فيه ومنه، نبعٌ دافقٌ لا يغور، نورٌ غامرٌ لا يشحّ، هما الّدافعُ الأصيلُ، والرّغبةُ المُنتشيةُ بذاتها، بمثاليّةِ الهدف.      

*******

       والثّابتُ، هنا، أنّ التَّواصُلَ الإيجابيَّ، هو ما نتحدّثُ عنه، وفيه. فهدفُه الحتميُّ هو البناءُ: بناءُ الشّخصيّةِ الإنسانيّةِ الفرديّةِ الّتي هي جزءٌ، كاملٌ متكاملٌ، من الذّاتِ الإنسانيّةِ الجَماعيّة؛ ألشّخصيّةِ الحيّةِ، الفاعلةِ، المنفعلةِ، القويّةِ، الواثقةِ، الجريئةِ، العارفةِ، المثقَّفةِ/المثقِّفة... بناءُ الشّخصيّةِ العاقلةِ، الواعيةِ، الفاهمةِ، الحبيبةِ المُحَبَّبةِ المُحَبِّبة، المحترِمةِ المحترَمة، المُصغِيةِ، الرّائية... بناءُ المجتمعِ الأمثلِ، الأكثرِ اقترابًا من الكمال. فالإنسانُ، في ذاته الجوهريّة، كائنُ الكمال والمثاليّة. فيهما يفكِّرُ، وإليهما يصبو. هو واقعيٌّ يحلمُ بالمستحيل!

       والواضحُ أنّ الإنسانَ المُتَواصِلَ، هو كائنٌ متميِّزٌ بحكمةِ التَّكامُل والبِناء: فرديًّا وجَماعيًّا. فإنْ تمّ ذلك، رقي الجميع؛ وإن صُودِفت عوائق، خسر الجميع. لذلك، فمن الواجب والضّرورة، بل الحتميّة، تنميةُ مهاراتِ التَّواصُلِ، بلوغًا إلى الهدف. من هنا، تَقّبُّلُ الآخر، فهمُه، الإصغاءُ إليه، الثّقةُ به، محبّتُه... هكذا نبتعد عن أيّ خَلَل يُمكنُ أن يُشوِّهَ، أن يَحيدَ بنا عن الهدف، أن يؤخِّر النّتائجَ، أو يُلغيها.

       هكذا، فإنّ الآخَر ليس "آخِرَ همومِك"، ولا يصُحُّ القول: "ماشي الحال"، إلّم يكن التَّواصُلُ خاليًا من أيّ عيب، أو نقيصة. فالآخَرُ يُكمِلُني؛ هو ضرورةٌ لي، وحاجة. وأنا، بدَوري، أُكمِلُه؛ أنا ضرورةٌ له، وحاجة. حين نفهم هذا، ونعملُ به، نشعر بالمصالحة الذّاتيّةِ التّامّة، رافِعتِنا، دافِعتِنا، مرافقتنا، مرشدتنا، مقوِّمتنا... مصالحةُ الذّاتِ قوّتُنا، بها نتحصّنُ ونسير بدون خوف. ألآخرُ لا يُخيف. ألآخَرُ يُقَوّي، يساعد ويُسعِد. ألتَّواصُل يفترضُ طرفَين لا يُلغى أحدُهما. كلاهما مصدرُ مشاعرَ، معلوماتٍ، ثقافاتٍ... فإن أُلغِيَ، زال كِيانُك العارفُ، المُثقَّف. ليس هذا ما تطلبُه. أنت تتواصلُ، لأنّك ترغب في التَّكامُل، التَّناغُم، الانسجام، وصولا إلى السّعادة القصوى.              

       حَتميّةُ التَّواصُلِ، حاجتُك إليه، لانهائيّتُه، تصنع، منك، إنسانًا جديدًا. كلَّ مرّة، تتواصل فيها، كلامًا أو إشاراتٍ أو... تُضفي عليك، تُثير فيك، تبعث منك... فأنت تُرسِلُ وتتلقّى، والآخرُ يُرسِلُ ويتلقّى، "تتلاقَحانِ"، تغتنيان، تتكاملان، "تتنامَيان"... فما أنت بثابتٍ، ولا الآخَرُ، بل إنّكما تُبنَيانِ، طالما أنّكما تتواصلانِ حقَّ التَّواصُل. حَرَكيّةُ الوجودِ، الحياةِ؛ حرّيّةُ التّلَقّي والعطاء؛ نَعمةُ الخَلقِ الدائمِ، والرّجاء. تتواصلُ؟ تتعلّمُ وتعلِّم؛ تتثقّفُ وتُثقِّف؛ تنمو قامةً حضاريّةً، وتُنمي الآخرَ، معك، قامةً حضاريّة.

       في التَّواصُل تحريضٌ موحٍ، مُثير. يُحرِّضُك على المعرفة. يوحي إليك بالأجمل/الأكمل/الأبقى. يُثير، فيك، مكامنَ الإبداع والخَلق: سبيلَ الرُّقيّ. يُغيِّرُك التَّواصُل، يُغيِّرُكما، يُغيِّرُكم... إلى ما يداني مَن أنت "على صورته، كمثاله". وإلاّ، فلِمَ أنتَ تَجَسُّدُ فكرةِ الإنسان!؟

       لو لم يكن الجسدُ "عظيمًا"، لَما "تَجَسَّد" الفكرُ "كلمةً" من بهاء!

ألاثنين 28 أيلول 2009

ألإنسانُ كائنُ التَّواصُل

إيلي مارون خليل

       ألإنسانُ كائنُ التَّواصُل؛ هذا لكونه كائنَ الانفتاح. ألتَّواصُلُ والانفتاحُ كينونةُ الإنسان. كينونةُ الانسانِ سببُ حياتِه، متفاعلةً، فاعلة. إذًا: لا وجودَ، حيًّا، لإنسانٍ لا يتواصَل، لا ينفتحُ.

       ألتَّواصُلُ ليس مُجَرَّدَ اتّصالٍ، أو لقاءٍ ، أو حديث. ألاتّصالُ سطحيٌّ، مادّيٌّ، غيرُ أصيل. واللقاءُ، مُجَرَّدًا من حميميّته، مجرّدُ اقترابٍ حسّيٍّ، خارجيٍّ، سريعِ الزَّوال. والحديثُ؟ مُشافَهةٌ لا تغورُ إلى نفسٍ، ولا تُلهِمُ نفَسًا، ولا تُضيء. أمّا التَّواصُلُ، فأساس. أساسٌ نفسيٌّ، عاطفيٌّ، معرفيُّ، إشراقيّ. وتاليًا: حياتيٌّ، نِعمةُ الوجودِ الحيِّ، الجديدِ، المتجدِّدِ، الخَلاّق.

       أن تتواصلَ، يعني أنّك اعترفتَ بالآخر المُساوي لك: فِكرًا، حرّيّةً، إنسانيّة. ألاعترافُ بالآخر المُساوي، هو ارتقاءٌ نقيٌّ، صافٍ، يؤدّي إلى مُصافحةٍ نفسيّةٍ نبيلةٍ، واعيةٍ، صادقة؛ بها يَرقى المرءُ، ومعه الآخرُ، وكلاهما نبيلٌ، إلى سعادةٍ لا غَبَشَ فيها، ولا غبارَ عليها، ولا ضبابيّةَ حولها.

       أن تُساوي نفسَك بالآخر، يعني أنّك خلعتَ كبرياءَك وغرورَك، علامةَ "البَرّانيّةِ" فيك، وأنّك ارتديتَ شُفوفيّةَ "التَّخَلّي"، بابَ تَحَرُّرِك الخلاصيِّ، الآمنِ، الأمين. ألكبرياءُ صِراعُ الرّوحِ والمادّةِ، فانتصارُ المادّةِ الّتي ترتدّ تتبجّحُ، تُغالي: مُخاتَلَةً ومَكرًا مقنَّعَينِ بالتّهذيبِ الكاذب. وهذا اضمحلالٌ لانسيابيّة الوجودِ الحيِّ، النّابضِ تألُّقَ عاطفةٍ، وسحرَ تَكامُلِ الكِيان.  

       والاعترافُ بالآخر، تَنازُلٌ عن "فراغِ" الذّات. تنازُلٌ يرتفع بها. يسمو ويُسمي. يَغنى ويُغني. يُزهرُ فيُثمر. ألغرورُ اختناقُ العقلِ والمنطقِ، من دونهما، يُحرَمُ الإنسانُ خُلقيّتَه وبهاءه. تُسَلطِنُ، فيه وعليه، "نجوميّةٌ" يائسةٌ، تهرع إلى انهيار الكِيان؛ فالمرءُ أشتاتٌ هَوائيّة، لا هُويّة ولا قاع. وهو تَشاوفٌ طاووسيٌّ، فارغُ الرّوحِ، باردُ الوِجدان. وهذا يباسٌ، فانطفاءٌ مَجّانيّ، يُماثلُ العدَميّة.

       والتَّواصُلُ، بطبيعته الخصيبةِ، وأصالتِه الرّاقية، تفاعُلٌ نفسيٌّ، فكريٌّ، عاطفيٌّ، اجتماعيٌّ، وعلى كلِّ صعيد. وهو لا يتمّ بالكلمة فحسب؛ فقد يكون بالبسمة، بالغمزة، بالإشارة، بالحركة، بالِزِيِّ، باللونِ... بكلّ ما يجعلُك تشارك الآخرَ، ويجعل الآخرَ يشاركُك، وتاليًا تَثبتُ مشارَكةُ الآخرين، بعضِهم لبعض، فاغتناؤهم، وتَطَوُّرُهم، وتَقَدُّمُهم في مُواكَبَة الإنسانيّة نحو كمالِها وسعادتِها، هدفِ كلِّ عاقل. فهو، إذًا، حَرَكيّةُ الإنسانِ الّتي، بعضُ غايتِها، التَّبادُلُ الحضاريُّ، مشاعرَ ومعلوماتٍ وثقافاتٍ. والتَّبادُلُ الحضاريُّ هذا، ذو وجهٍ إيجابيٍّ دائم: خدمةً مجّانيّةً، عفويًّا، فِطريًّا، للإنسان أينما هو، بعيدًا من أيِّ تمييز. والتَّواصُلُ، كذلك، ذو طبيعتَين خاصّتَين متميِّزتَين: ماديّةٍ، بالكلمة، بالبسمة، بالإشارة... وروحيّةٍ، بتناغم النّفوسِ، بانسجام القلوبِ، بالتَّكامُل الذّهنيّ... وكلتاهما استمرارٌ لا تَقَطُّع فيه، ولا انقطاع، ولا تعب. فجوهرُ التَّواصُلِ، سلامٌ داخليٌّ مكينٌ، طُمأنينةٌ سعيدةٌ، جمالٌ خيِّر. له، فيه ومنه، نبعٌ دافقٌ لا يغور، نورٌ غامرٌ لا يشحّ، هما الّدافعُ الأصيلُ، والرّغبةُ المُنتشيةُ بذاتها، بمثاليّةِ الهدف.      

*******

       والثّابتُ، هنا، أنّ التَّواصُلَ الإيجابيَّ، هو ما نتحدّثُ عنه، وفيه. فهدفُه الحتميُّ هو البناءُ: بناءُ الشّخصيّةِ الإنسانيّةِ الفرديّةِ الّتي هي جزءٌ، كاملٌ متكاملٌ، من الذّاتِ الإنسانيّةِ الجَماعيّة؛ ألشّخصيّةِ الحيّةِ، الفاعلةِ، المنفعلةِ، القويّةِ، الواثقةِ، الجريئةِ، العارفةِ، المثقَّفةِ/المثقِّفة... بناءُ الشّخصيّةِ العاقلةِ، الواعيةِ، الفاهمةِ، الحبيبةِ المُحَبَّبةِ المُحَبِّبة، المحترِمةِ المحترَمة، المُصغِيةِ، الرّائية... بناءُ المجتمعِ الأمثلِ، الأكثرِ اقترابًا من الكمال. فالإنسانُ، في ذاته الجوهريّة، كائنُ الكمال والمثاليّة. فيهما يفكِّرُ، وإليهما يصبو. هو واقعيٌّ يحلمُ بالمستحيل!

       والواضحُ أنّ الإنسانَ المُتَواصِلَ، هو كائنٌ متميِّزٌ بحكمةِ التَّكامُل والبِناء: فرديًّا وجَماعيًّا. فإنْ تمّ ذلك، رقي الجميع؛ وإن صُودِفت عوائق، خسر الجميع. لذلك، فمن الواجب والضّرورة، بل الحتميّة، تنميةُ مهاراتِ التَّواصُلِ، بلوغًا إلى الهدف. من هنا، تَقّبُّلُ الآخر، فهمُه، الإصغاءُ إليه، الثّقةُ به، محبّتُه... هكذا نبتعد عن أيّ خَلَل يُمكنُ أن يُشوِّهَ، أن يَحيدَ بنا عن الهدف، أن يؤخِّر النّتائجَ، أو يُلغيها.

       هكذا، فإنّ الآخَر ليس "آخِرَ همومِك"، ولا يصُحُّ القول: "ماشي الحال"، إلّم يكن التَّواصُلُ خاليًا من أيّ عيب، أو نقيصة. فالآخَرُ يُكمِلُني؛ هو ضرورةٌ لي، وحاجة. وأنا، بدَوري، أُكمِلُه؛ أنا ضرورةٌ له، وحاجة. حين نفهم هذا، ونعملُ به، نشعر بالمصالحة الذّاتيّةِ التّامّة، رافِعتِنا، دافِعتِنا، مرافقتنا، مرشدتنا، مقوِّمتنا... مصالحةُ الذّاتِ قوّتُنا، بها نتحصّنُ ونسير بدون خوف. ألآخرُ لا يُخيف. ألآخَرُ يُقَوّي، يساعد ويُسعِد. ألتَّواصُل يفترضُ طرفَين لا يُلغى أحدُهما. كلاهما مصدرُ مشاعرَ، معلوماتٍ، ثقافاتٍ... فإن أُلغِيَ، زال كِيانُك العارفُ، المُثقَّف. ليس هذا ما تطلبُه. أنت تتواصلُ، لأنّك ترغب في التَّكامُل، التَّناغُم، الانسجام، وصولا إلى السّعادة القصوى.              

       حَتميّةُ التَّواصُلِ، حاجتُك إليه، لانهائيّتُه، تصنع، منك، إنسانًا جديدًا. كلَّ مرّة، تتواصل فيها، كلامًا أو إشاراتٍ أو... تُضفي عليك، تُثير فيك، تبعث منك... فأنت تُرسِلُ وتتلقّى، والآخرُ يُرسِلُ ويتلقّى، "تتلاقَحانِ"، تغتنيان، تتكاملان، "تتنامَيان"... فما أنت بثابتٍ، ولا الآخَرُ، بل إنّكما تُبنَيانِ، طالما أنّكما تتواصلانِ حقَّ التَّواصُل. حَرَكيّةُ الوجودِ، الحياةِ؛ حرّيّةُ التّلَقّي والعطاء؛ نَعمةُ الخَلقِ الدائمِ، والرّجاء. تتواصلُ؟ تتعلّمُ وتعلِّم؛ تتثقّفُ وتُثقِّف؛ تنمو قامةً حضاريّةً، وتُنمي الآخرَ، معك، قامةً حضاريّة.

       في التَّواصُل تحريضٌ موحٍ، مُثير. يُحرِّضُك على المعرفة. يوحي إليك بالأجمل/الأكمل/الأبقى. يُثير، فيك، مكامنَ الإبداع والخَلق: سبيلَ الرُّقيّ. يُغيِّرُك التَّواصُل، يُغيِّرُكما، يُغيِّرُكم... إلى ما يداني مَن أنت "على صورته، كمثاله". وإلاّ، فلِمَ أنتَ تَجَسُّدُ فكرةِ الإنسان!؟

       لو لم يكن الجسدُ "عظيمًا"، لَما "تَجَسَّد" الفكرُ "كلمةً" من بهاء!

ألاثنين 28 أيلول 2009

ألإنسانُ كائنُ التَّواصُل

إيلي مارون خليل

       ألإنسانُ كائنُ التَّواصُل؛ هذا لكونه كائنَ الانفتاح. ألتَّواصُلُ والانفتاحُ كينونةُ الإنسان. كينونةُ الانسانِ سببُ حياتِه، متفاعلةً، فاعلة. إذًا: لا وجودَ، حيًّا، لإنسانٍ لا يتواصَل، لا ينفتحُ.

       ألتَّواصُلُ ليس مُجَرَّدَ اتّصالٍ، أو لقاءٍ ، أو حديث. ألاتّصالُ سطحيٌّ، مادّيٌّ، غيرُ أصيل. واللقاءُ، مُجَرَّدًا من حميميّته، مجرّدُ اقترابٍ حسّيٍّ، خارجيٍّ، سريعِ الزَّوال. والحديثُ؟ مُشافَهةٌ لا تغورُ إلى نفسٍ، ولا تُلهِمُ نفَسًا، ولا تُضيء. أمّا التَّواصُلُ، فأساس. أساسٌ نفسيٌّ، عاطفيٌّ، معرفيُّ، إشراقيّ. وتاليًا: حياتيٌّ، نِعمةُ الوجودِ الحيِّ، الجديدِ، المتجدِّدِ، الخَلاّق.

       أن تتواصلَ، يعني أنّك اعترفتَ بالآخر المُساوي لك: فِكرًا، حرّيّةً، إنسانيّة. ألاعترافُ بالآخر المُساوي، هو ارتقاءٌ نقيٌّ، صافٍ، يؤدّي إلى مُصافحةٍ نفسيّةٍ نبيلةٍ، واعيةٍ، صادقة؛ بها يَرقى المرءُ، ومعه الآخرُ، وكلاهما نبيلٌ، إلى سعادةٍ لا غَبَشَ فيها، ولا غبارَ عليها، ولا ضبابيّةَ حولها.

       أن تُساوي نفسَك بالآخر، يعني أنّك خلعتَ كبرياءَك وغرورَك، علامةَ "البَرّانيّةِ" فيك، وأنّك ارتديتَ شُفوفيّةَ "التَّخَلّي"، بابَ تَحَرُّرِك الخلاصيِّ، الآمنِ، الأمين. ألكبرياءُ صِراعُ الرّوحِ والمادّةِ، فانتصارُ المادّةِ الّتي ترتدّ تتبجّحُ، تُغالي: مُخاتَلَةً ومَكرًا مقنَّعَينِ بالتّهذيبِ الكاذب. وهذا اضمحلالٌ لانسيابيّة الوجودِ الحيِّ، النّابضِ تألُّقَ عاطفةٍ، وسحرَ تَكامُلِ الكِيان.  

       والاعترافُ بالآخر، تَنازُلٌ عن "فراغِ" الذّات. تنازُلٌ يرتفع بها. يسمو ويُسمي. يَغنى ويُغني. يُزهرُ فيُثمر. ألغرورُ اختناقُ العقلِ والمنطقِ، من دونهما، يُحرَمُ الإنسانُ خُلقيّتَه وبهاءه. تُسَلطِنُ، فيه وعليه، "نجوميّةٌ" يائسةٌ، تهرع إلى انهيار الكِيان؛ فالمرءُ أشتاتٌ هَوائيّة، لا هُويّة ولا قاع. وهو تَشاوفٌ طاووسيٌّ، فارغُ الرّوحِ، باردُ الوِجدان. وهذا يباسٌ، فانطفاءٌ مَجّانيّ، يُماثلُ العدَميّة.

       والتَّواصُلُ، بطبيعته الخصيبةِ، وأصالتِه الرّاقية، تفاعُلٌ نفسيٌّ، فكريٌّ، عاطفيٌّ، اجتماعيٌّ، وعلى كلِّ صعيد. وهو لا يتمّ بالكلمة فحسب؛ فقد يكون بالبسمة، بالغمزة، بالإشارة، بالحركة، بالِزِيِّ، باللونِ... بكلّ ما يجعلُك تشارك الآخرَ، ويجعل الآخرَ يشاركُك، وتاليًا تَثبتُ مشارَكةُ الآخرين، بعضِهم لبعض، فاغتناؤهم، وتَطَوُّرُهم، وتَقَدُّمُهم في مُواكَبَة الإنسانيّة نحو كمالِها وسعادتِها، هدفِ كلِّ عاقل. فهو، إذًا، حَرَكيّةُ الإنسانِ الّتي، بعضُ غايتِها، التَّبادُلُ الحضاريُّ، مشاعرَ ومعلوماتٍ وثقافاتٍ. والتَّبادُلُ الحضاريُّ هذا، ذو وجهٍ إيجابيٍّ دائم: خدمةً مجّانيّةً، عفويًّا، فِطريًّا، للإنسان أينما هو، بعيدًا من أيِّ تمييز. والتَّواصُلُ، كذلك، ذو طبيعتَين خاصّتَين متميِّزتَين: ماديّةٍ، بالكلمة، بالبسمة، بالإشارة... وروحيّةٍ، بتناغم النّفوسِ، بانسجام القلوبِ، بالتَّكامُل الذّهنيّ... وكلتاهما استمرارٌ لا تَقَطُّع فيه، ولا انقطاع، ولا تعب. فجوهرُ التَّواصُلِ، سلامٌ داخليٌّ مكينٌ، طُمأنينةٌ سعيدةٌ، جمالٌ خيِّر. له، فيه ومنه، نبعٌ دافقٌ لا يغور، نورٌ غامرٌ لا يشحّ، هما الّدافعُ الأصيلُ، والرّغبةُ المُنتشيةُ بذاتها، بمثاليّةِ الهدف.      

*******

       والثّابتُ، هنا، أنّ التَّواصُلَ الإيجابيَّ، هو ما نتحدّثُ عنه، وفيه. فهدفُه الحتميُّ هو البناءُ: بناءُ الشّخصيّةِ الإنسانيّةِ الفرديّةِ الّتي هي جزءٌ، كاملٌ متكاملٌ، من الذّاتِ الإنسانيّةِ الجَماعيّة؛ ألشّخصيّةِ الحيّةِ، الفاعلةِ، المنفعلةِ، القويّةِ، الواثقةِ، الجريئةِ، العارفةِ، المثقَّفةِ/المثقِّفة... بناءُ الشّخصيّةِ العاقلةِ، الواعيةِ، الفاهمةِ، الحبيبةِ المُحَبَّبةِ المُحَبِّبة، المحترِمةِ المحترَمة، المُصغِيةِ، الرّائية... بناءُ المجتمعِ الأمثلِ، الأكثرِ اقترابًا من الكمال. فالإنسانُ، في ذاته الجوهريّة، كائنُ الكمال والمثاليّة. فيهما يفكِّرُ، وإليهما يصبو. هو واقعيٌّ يحلمُ بالمستحيل!

       والواضحُ أنّ الإنسانَ المُتَواصِلَ، هو كائنٌ متميِّزٌ بحكمةِ التَّكامُل والبِناء: فرديًّا وجَماعيًّا. فإنْ تمّ ذلك، رقي الجميع؛ وإن صُودِفت عوائق، خسر الجميع. لذلك، فمن الواجب والضّرورة، بل الحتميّة، تنميةُ مهاراتِ التَّواصُلِ، بلوغًا إلى الهدف. من هنا، تَقّبُّلُ الآخر، فهمُه، الإصغاءُ إليه، الثّقةُ به، محبّتُه... هكذا نبتعد عن أيّ خَلَل يُمكنُ أن يُشوِّهَ، أن يَحيدَ بنا عن الهدف، أن يؤخِّر النّتائجَ، أو يُلغيها.

       هكذا، فإنّ الآخَر ليس "آخِرَ همومِك"، ولا يصُحُّ القول: "ماشي الحال"، إلّم يكن التَّواصُلُ خاليًا من أيّ عيب، أو نقيصة. فالآخَرُ يُكمِلُني؛ هو ضرورةٌ لي، وحاجة. وأنا، بدَوري، أُكمِلُه؛ أنا ضرورةٌ له، وحاجة. حين نفهم هذا، ونعملُ به، نشعر بالمصالحة الذّاتيّةِ التّامّة، رافِعتِنا، دافِعتِنا، مرافقتنا، مرشدتنا، مقوِّمتنا... مصالحةُ الذّاتِ قوّتُنا، بها نتحصّنُ ونسير بدون خوف. ألآخرُ لا يُخيف. ألآخَرُ يُقَوّي، يساعد ويُسعِد. ألتَّواصُل يفترضُ طرفَين لا يُلغى أحدُهما. كلاهما مصدرُ مشاعرَ، معلوماتٍ، ثقافاتٍ... فإن أُلغِيَ، زال كِيانُك العارفُ، المُثقَّف. ليس هذا ما تطلبُه. أنت تتواصلُ، لأنّك ترغب في التَّكامُل، التَّناغُم، الانسجام، وصولا إلى السّعادة القصوى.              

       حَتميّةُ التَّواصُلِ، حاجتُك إليه، لانهائيّتُه، تصنع، منك، إنسانًا جديدًا. كلَّ مرّة، تتواصل فيها، كلامًا أو إشاراتٍ أو... تُضفي عليك، تُثير فيك، تبعث منك... فأنت تُرسِلُ وتتلقّى، والآخرُ يُرسِلُ ويتلقّى، "تتلاقَحانِ"، تغتنيان، تتكاملان، "تتنامَيان"... فما أنت بثابتٍ، ولا الآخَرُ، بل إنّكما تُبنَيانِ، طالما أنّكما تتواصلانِ حقَّ التَّواصُل. حَرَكيّةُ الوجودِ، الحياةِ؛ حرّيّةُ التّلَقّي والعطاء؛ نَعمةُ الخَلقِ الدائمِ، والرّجاء. تتواصلُ؟ تتعلّمُ وتعلِّم؛ تتثقّفُ وتُثقِّف؛ تنمو قامةً حضاريّةً، وتُنمي الآخرَ، معك، قامةً حضاريّة.

       في التَّواصُل تحريضٌ موحٍ، مُثير. يُحرِّضُك على المعرفة. يوحي إليك بالأجمل/الأكمل/الأبقى. يُثير، فيك، مكامنَ الإبداع والخَلق: سبيلَ الرُّقيّ. يُغيِّرُك التَّواصُل، يُغيِّرُكما، يُغيِّرُكم... إلى ما يداني مَن أنت "على صورته، كمثاله". وإلاّ، فلِمَ أنتَ تَجَسُّدُ فكرةِ الإنسان!؟

       لو لم يكن الجسدُ "عظيمًا"، لَما "تَجَسَّد" الفكرُ "كلمةً" من بهاء!

ألاثنين 28 أيلول 2009