لبنانيون بلا حدود!
لبنانيون بلا حدود!
أنطوان السبعلاني
هذه المقالة مهداة الى الطفل - 11 عاماً - الذي أدخل أحد المستشفيات المعروفة لإجراء عملية لحمية الأنف فاذا بالطبيب يستأصل سهواً اللوزتين السليمتين كلياً. وكأن شيئا لم يحصل! وهذا حصل في لبنان "ايلول 2009" يا نقابة الاطباء، وليس في الأمازون!
من يحاسب من؟
أصحيح ان الطبيب عندنا هو فوق الشبهات مثل زوجة القيصر؟ ليس لأني تركت ولديَّ، من سنين، عند الطبيب، شبه رهينتين، لأستدين المبلغ الكافي لعمل بسيط جداً طبياً دام دقيقتين اثنتين فقط، أنا أكتب هذا المقال. إنما اكتبه لأنه يجب أن تقال الأشياء خشية أن لا نرى غداً من يديَّن المريض في لبنان، وأهل المريض. وكي لا يبقى أولادنا أشباه كلاب على بوابة طبيب. والأخطر أن يستعمل بعضنا الإرهاب المشروع لحماية أكبادنا التي تمشي على الأرض!
أنا لا أخفي أن ما حصل معي كان المحرّض على الكتابة، أي Stimulus ، بلغة معشر الأطباء. وأن تلاميذي، منذ ثلاثين عاماً، يعرفون جيداً أن مثالي في الحياة هو ألبرت شويتزر. وتعزيتي أن من صاروا أطباء منهم لم ينسوا كلهم تقريباً اسم هذا الطبيب الإنساني الكبير! والذين منهم على طريق الطب ترنّ في آذانهم أحاديثي لهم عن "أطباء بلا حدود" - Médecins sans frontiers
شعرياً التسمية رائعة. إنسانياً الله، الله، على أعمالهم! في 1973 قلتُ:
كم تاجر باعنا التطبيبَ والكتبا كتاجرٍ باعنا الأحجارَ والخشبا
في 1981 كتبتُ قصيدة "أطفال عرسال" الذين قتلهم الخانوق، اي دولة الجهل، والخانوق. للتذكير فقط، وزارة الصحة العامة قرأت يومها أخبارهم في الجرائد! في 1980 كتبتُ قصيدة "الأم تيريزا"، أجمل شال صوف، أبيض اللون، أهدته السماء إلى المعذبين في الأرض. إذاً الموضوع هاجسي من سنين!.
***
وطبيب الأمس الذي لا أعرفه، ولا يعرفني، أنا أعذره كل العذر لأن الحق كله عليَّ. نعم عليَّ، لأنني لم أشارطه على شيء طبياً غاية في البساطة، كان في إمكاني شخصياً (استاذ البيولوجيا، العلوم الاختبارية، 25 سنة)، ان أقوم به. أعترف بأن الحق عليَّ. وإنما عذري معي لأنني، من فرط احترامي لـ"الطبيب"، استحيت أن أشارطه. ومن فرط احترامي لنفسي! وربما كي لا أترك في نفس الصغيرين. فكان أن تركتهما رهينتين.
لا بأس. ومن كل قلبي أتمنى له أنفاق المبلغ بالعافية. وأشكر له تحريضي على كتابة هذا المقال لعل في الناس سامعين بعد!
وعليه، يجب إعلان الحقائق الآتية:
1. نحن في لبنان نفاخر على العموم بمستوانا الطبي. ومن أطبائنا من نشيل الراس بهم في العالمين
2. ونرفع القبعة لكثير من الأطباء الإنسانيين في بلادنا. هؤلاء أعمالهم تدل عليهم، وسمعتهم التي هي أطيب من المسك، وبخور مريم، وحقل من الصعتر في ضيعتنا. وأنا أجزم بأن لا رائحة تنتشر بسرعة فائقة، وتسدّ الأفق، كرائحة كف طبيب إنساني!
3. وهناك فئة موجودة على الأرض: في العيادة، في المستشفى، في البيت، في حياتنا اليومية، وهي تتاجر على المكشوف، بالطب، وبالإنسان. وبالروب تتاجر وبغير الروب!.
4. في المطلق، من حقها أن تفعل، ومن حقنا الأكيد، في المقابل، قلت: من واجبنا أن نحارب تجارتها هذه. ونحن، وهذه الفئة، نعيش في بلد نظامه حر. هي تتاجر بالإنسان، باسم النظام الحر. ونحن نحارب تجارتها، لنحافظ على النظام الحر والإنسان.
5. من هنا، فالمقال يستهدف هذه الفئة في عينها. وسكوتنا عنها خيانة لكرامة الإنسان، وجراحات الإنسان، والإنسان، ولبنان!.
6. وينبغي أن نسمّيها بأسمائها، أن نضع في وجهها أصابعنا العشر، أن نكبّ لها "كمشة" الليرات على الأرض. أن لا نسلّم عليها!
7. هذه الفئة تظن نفسها أن الطب انتهى عندها وأن الواحد منها هو ابقراط، أو إبن سينا، أو دبغي، أو برنارد. وأن باستور، وفلامنغ، من بعض تلاميذها.
تحاسبك على "الكرونومتر": للثانية الواحدة سعر. وللعشر أسعار. ولكل كلمة، من فم يوحنا فم الذهب، سعر. وللخمس أسعار. وإن وقف الطبيب، وإن جس المريض، وإن لبس الروب، أو خلعه، او كتب الروشتة، أسعار تنبيك عنها الفاتورة!
لذلك كله يجب التعامل مع هذه الفئة بلغة السعر، والعرض، والطلب: أن نشارطها تماماً كما نشارط سائق التاكسي، والعامل، والمومس، كما تشارطني أنا المعلم. فكلها أمور بدل أتعاب. وهذا الأخير تسمّيه العرب: السعر، والفرنسيون Le Prix، وجماعة الدولار The Price.
أخي اللبناني، يا أخي الطالعة من الجوانح، ومن الخافق المعذب، تحت الجوانح، شارطها ولو كان أخوك منها.
عفواً، شارط أخاك لأبيك وأمك!
شارط بياع الطب كما كل بياع آخر. فالأسواق واحدة: سوق الخضر، وسوق الحدادين، وسوق الذهب، وسوق الأطباء، وسوق.
هذه الفئة لم تقرأ يوماً ما قاله أبو ماضي:
يا أخي لا تمل بوجهك عني ما أنا فحمة ولا أنت فرقـد
تسألني إذاً لماذا تكتب ما تكتب، ولمن؟
أنا أكتب يا أخي، لكي يسمع الآخرون:
1. جميع مدارس بلادي، بغية زرع حبات القلوب، في صدور المليون تلميذ، قبل تعليمهم تشريح قلب الأرنب، أو الكلب، أو الإنسان
2. نقابات الأطباء في لبنان، لعلها تجبر هذه الفئة على قراءة سيرة شويتزر فتبقى نقطة واحدة بيضاء، في روبها الأبيض. ولعل هذه النقابات التي هي بلا طعم، ولا لون، ولا رائحة، تسمعنا صوتها، ولو لمرة واحدة، في القضايا الاجتماعية!
3. لكي تسمع الجامعات فلا تعطي أي متعلم "بيولوجيا" شهادة طب، إن لم ينجح في شهادة الإنسان.
4. لكي تسمع المستشفيات في بلادي، لعلها توصد الأبواب دون المتاجرين بسمعتها، وبالنازلين فيها.
5. أنا أكتب يا أخي، لكي أحيي باسمك، وباسمي، كل طبيب إنسان. ولا أسميه. فالناس تعرفه - وهو يعرف ان الناس تعرفه- من عيونه تعرفه، من ابتسامته تعرفه، من خفقة قلبه، من يده الحنون، من روبه الأبيض الناصع اللون
يدك، يا هذا الطبيب، أبوسها الساعة، كأنني، على يد "بابا روما"، أنا منحنٍ!
وإليك يا أخي اللبناني، أنا أكتب مُذكَّرك أن هذه الفئة، على كعب حذائها، أبو الطب، ابقراط، وتعالميه، والقسم الشهير. شعارها: The Price و Business is Business اي السعر. أي التجارة هي التجارة. من هنا لا تنسَ أن تشارطها.
والحكاية ذات فصول بعد.
1. هجرة الأطباء، في هذه الأيام، إلى البلدان التي سعرها بالدولار، قد بلغت نسبة عالية جداً. والحاملون حقائبهم، منتظرين قطار السفر، كثيرون أيضاً. هذا شأنهم وحقهم. وحجتهم في ذلك بلغتهم أن Standard of living مستوى عيشهم قد تغير. هذا شأنهم وحقهم أيضاً. لكن من شأننا، نحن الباقين هنا، ومن حقنا أيضاً، أن نقول لهم، وللمستغلين غيابهم، إنه عندما يكون الوطن في ما يسمى Struggle for existence صراع في سبيل البقاء، تسقط كل اعتبارات مستوى عيش معين. أكثر من ذلك، من شأننا، ومن حقنا أن نقول، وبالصوت العالي نقول، ولأولادنا نقول، وللتاريخ نقول، إنه أمام صراع البقاء، ولقمة الخبز: ليس أحد ممتازاً على أحد. والتاريخ لا يرحم أحداً!.
2. يا أخي اللبناني الطيب، الدولة تعللك بالتطبيب المجاني، وبالتعليم المجاني، لك، ولكل اللبنانيين، فلا تصدّقها، الدولة، لأن التي عاملتك طوال عهد الاستقلال، كخالتك، زوجة أبيك، لا تستطيع أن تخيط لك فجأة قميص الصوف، وتسهر عليك، تغطيك نصف الليل، أماً حنوناً! الدولة التي لم تعمر، في خمسين سنة، مستشفى حكومياً واحداً نرتاح إليه، لن تستطيع – وإن حسنت نياتها – أن تطبب كل لبنان مجاناً في خمسين يوماً. نطالبها بأن تقرأ ماذا فعل تشرشل، مع علماء الاقتصاد، لينقل بريطانيا، إلى طور الدولة العناية. وماذا فعلت البلدان الاسكندينافية. والأهم في ذلك كله عنصر الوقت. وإذا كانت الدولة تُسمعنا شعراً فإننا نرد عليها بالعملة نفسها قائلين:
لا يُنجّي الشـاة من سغبٍ أن في أرض السُهى عُشبا
ويا أخي اللبناني، أيها الجبار العظيم، "الشتوية"، كما قلبك يقول لك، ستكون باردة جداً، وظالمة جداً، لذلك أوصيك:
أولاً: بأن تجمع أطناناً من الحطب. قصّ حتى اللوزة التاريخية القائمة قدّام البيت، والجوزة وتاريخ الذكريات!
ثانياً: بأن تخبئ "المونة" من طحين، وزبيب، وتين، وزيتون.
ثالثاً: بأن تنظف القنديل العتيق، وأن تشتري ألف شمعة منذ الآن.
رابعاً: وإذا لم يتعلم أولادك فلا "تعتل هم" وأبصق على ميثاق جامعة الأمم، وبَروِز، في صدر البيت، المادة 10 من الدستور اللبناني.
خامساً: وأوصيك بالأهم، كي نبقى ضمن موضوع المقال، جمع الكثير من أوراق الزهر، والورد، والنعناع وكل أنواع الأعشاب. إذا مرض أولادك الصغار، فهذه خير دواء لهم. وإذا أصابتهم الحمى "فشرِّط" آذانهم بالشفرة. ولا تنسَ الكيّ. وإذا أصابهم فقر دم، إرضاء لخاطر الطب، Anémie فأطعمهم الحديد المطحون وغير المطحون. وإذا لم يشفوا فلا تهتم، لأن أكثر ما يمكن أن يصيبهم هو الموت!.
مكتوب عليك يا أخي اللبناني الجبار أن تطبق وحدك نظرية مالتوس.
ويا أيها الوطن، العجيب الغريب، يا وطني، أرخص سعر للإنسان اليوم في العالم إنسانك: يُقتل ولا يلمّه غير أهله. وأغلى سعر هو له إذا مرض مرضاً بسيطاً جداً: يبيع بيت أجداده، ليدفع لفئة من الأطباء، تتاجر به، كاشفةً رأسها.
ويا أولادي، إذا صار واحدكم، يوماً من الأيام، طبيباً، ونسي أنني رهنته، ذات يوم، لأدفع الفاتورة فإني ألعنه من تحت التراب.
وإذا لم تجعلوا أقوالي:
أنا لا أنامُ وقرب بيتيَ بائسٌ مأسـاتُهُ خبزُ الحيـاةِ ودارُ
جوعانُ: لا تسألْ أنا عنبٌ والخبزُ يكفيـنـي ويكفيكا
كم نملةٍ نـامت بجيرةِ بيدرٍ جوعـانةً يا منجلَ الحصادِ
شعاراً لكم، في الحياة، فأنتم لستم مني، ولست منكم.
حاشية: يا أخي اللبناني، "الشتوية" ستكون ظالمة مظلمة، نسيت أن أوصيك بالصلاة كثيراً. علّق "العدرا" على صدر أولادك. صلِّ للست زينب. الصلاة تبعد عنهم، البرد، والجوع، والمرض. إن عصافير السماء غير متروكة عند ربّها!
* من كتاب تحت الطبع، عنوانه: "رسالات حب كثار"