في غير مكاني دوماً نافر كجواد هارب

إبراهيم زهوري قرأها 281
  

في غير مكاني دوماً نافر كجواد هارب

إبراهيم زهوري

• في المخّيم هو دائما هكذا، صيفاً يمر القطار كامتداد ضجر الوأد ليخطف دفء أنفاسنا من سرير دهشة الغريب، نلّوح عن طيب خاطر لهروب نوافذه العارية ليتركنا خلفه نمسّد طيش غباره، نعدّد أقواس الاسمنت تحت قضبان المعدن ونسترضي رئتنا الوحيدة أن لا تمضي إلى آخر ممر ترابي... إلى آخر حقل.

• حتى التعب يغسلني البحر بساطاً من عصير القرنفل وسلسلة من ضفة التيه ونافذتي القريبة هدوء العاصفة يغسلني من ماء المستحيل..... صدفة، يمتطي العراء حلمي وتغمرني زفرة الذاكرة... رقصة رقصتين غدير الموت ولهفة الموج تشبع همس النشيد والأرض كما كانت تخبئ أغصانها في جيوبنا لنحرس كآبتها... نباغت فوضى القيامة ونعشق صمت المصابيح، نرشق الغربة ثيابنا ونطوق دمنا على حجر الفراغ.

• كنت أمتحن اليراع على باب الفجر، الصلاة منجل والفرائس همس الخمر خفيف، رأيت الموتى يتبادلون الدموع وحياً قدسياً.. يمّج متاع الطين دون هوية، رأيت المخيم يغفو على جسدي راية للدفء.. في الدرب ماء للحقيقة ووجهي يباركه الجوع اعتراف ظمأ العابرين، بيني تتلوى الرؤى عواصم وكانت صبّارة السفح تحت جلدي تطفح بالمواويل، المدى ذلّ الانتظار والبحر ليل القادمين زمزم، لبست المآثر لغتي وبادلني في العراء رباط الخيل يباب.... نشيد الوهم أرديتي ووشم الغناء نار أزمنة غفت، عن ظهر قلب غارقا يعزف دم الشهيد.

• العجوز والأخضر المتهدل والشمس جدران البيوت المحتضرة، الرجال قوارب أجساد متكئة، تتدلى المسافات هواء أصفر، خلف الجبل حضن المعجزة، دعنا نخرج من آخر الليل، صفصاف الرحيل وموقد الأغاني، الضفاف بابل والأحلام ما تبقى من أميال الأرض، الطرقات قيثارة الماء والموتى قصب ريح، نطارد ما خبأته أثداؤنا من خطى ولغة صدئة، نعلق عباءتنا عند نهاية التراتيل.. نتساقط ونكتسي في الحضيض أحذية الصنوبر، نطمر موطئ هلاكنا ونمعن في الأشلاء خطايا التائبين.

• كأني مطر الضوء خوف التمتمات، كأني جسر آخر العمر، كأني رقص الياسمين شيب الأولياء، كأني كمن ينبغي أن يغادر لا الدعاء أشعله الغاوون ولا منتصف الليل أسود، ولكن شكراً لأني هنا، كتاب الموتى مرّ على الغصون والشعر ثلج النور، شكراً لحرّاس المرايا وشكراً لمنديل الكلام في صيف العزلة.

• اغمسْ جسدك بالعطر وترعرعْ مثل عود النعناع مسكوناٍ بهدوء الأخضر، بين شفتيك تتربع الخليقة وتنحني.. لينام السحر في هوج الأطفال، ليبقى الطاهر فيك أفعى شريدة... ارثِ الكائنات ودم الحكمة، طوبى للريح التي تأخذك صلاة واحدة وأكثر من شهيد، طوبى لغبطة الأرض، طوبى لدروب عمرنا. أي صقيع يبتسم... مابين مسدسك الآلي وقلم الحبر الأسود! اخرج يا سيدي من غيمة الفصول وأغثنا... يراع أجنحة، أيها الناحل في ذبول القصيدة.

• كنا صغاراً نغني لهدير الحافلة تقتلنا النوافذ ونصفق طيشاً لدولاب ماكر، تعرّج الإسفلت دوخنا والجبل أسال دهشة الفتنة... نخاف العابرين ونحبهم وللبحر نجوم الظهيرة، نشرب من مائه ولا نرتوي... تصير أجسامنا مراكب، نفرش ما خبأته أمهاتنا من صلوات وقروش هي... البركة الأولى هي... وداعا يا مدخل المخّيم.

• بأقدامنا السعيدة جميعنا نخفق الماء بشدة.. نرّقص الهواء سحابة صيف وللفراشة الرائعة نضحك كثيراً.. نهرب من أول الصيحات ويصطادنا شوك السياج. هنا طرب شاب أسمر مع بندقية قديمة.. وهنا تسلّقت فتاة يتيمة حبل الخوف وارتجلت أغنية.. وهنا قذيفة قبيحة فتحت جدار الصمت.. ونامت.

• الآن ماذا يبقى الكائن في عزلته يمتلئ بالأجراس وشماً وطليقاً يخرب حوّاف اليقين ويثمل.

• من مثلي ولدته أمه على العتبة يقتنص من الوقت لحم المكان، بين حدود وجنتيه خوذ الجنود ووحش الأسئلة.

aboiymar@scs-net.org